أرشيف الوسم : عطوان

الدهاء الكوري هزم غطرسة واشنطن.. زعيم كوريا مرغ أنف ترامب بالتراب

لندن: لا نَعتقِد أنّ كيم جونغ أون سَيكون حَزينًا بعد تَلقِّيه أنباء إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للِقاء القِمَّة الذي كان سَيَجمعُهما في سنغافورة يوم 12 حزيران (يونيو) المُقبِل، بَل في قِمَّة السَّعادة، لسَببٍ بسيط لأنّه لا يُريد أن يَركَع، ويتنازَل، عن ترسانَتِه النوويّة وِفق الشُّروط الأمريكيّة، ويَجعَل من نِظامِه، وبِلادِه، لُقمَةً سائِغة لأي عُدوانٍ أمريكيّ.
ترامب قال مُخاطِبًا الرئيس الكوريّ الشِّماليّ أنّ الإلغاء “جاءَ بسبب الغَضَب الهائِل، والعُدوانيّة الصَّريحة التي ظَهرت في آخر تصريحاتِكُم، وأشعر أنّه من غير المُلائِم عَقد هذا اللِّقاء”، فهل يُريد الرئيس كيم سَبَبًا آخَر أفضَل من هذا؟
الرئيس كيم هو الذي بادَر باستفزاز الرئيس الأمريكي لإلغاء هذا اللِّقاء عندما أبدى غَضبًا شديدُا من جرّاء المُناورات العسكريّة الأمريكيّة الكوريّة الجنوبيّة المُشتَركة التي اعتبرها تَعكِس نوايا عُدوانيّة أمريكيّة.
نَجزِم بأنّ الرئيس كيم لم يُرِد هذهِ القِمّة مع الرئيس ترامب في الأساس، ومارَس كل أنواع “المُناوَرة” عندما أوعَز برغبَتِه في لقاء نَظيره الأمريكيّ، من زاويةِ اللَّعِب بأعصابِه، وإظهارِه، أي ترامب، بالرَّجُل الضَّعيف الذي يَسعى للقاءِ نَظيره الكُوريّ وليس العَكس.
مُحلِّلة وكاتِبة بريطانيّة استراتيجيّة يمينيّة التقت بها “رأي اليوم” قبل أُسبوعَين في برنامَجٍ تلفزيونيّ، أبدَت إعجابًا لافِتًا بِدَهاء الرئيس الكوري، وتَوقَّعت إلغاء هذهِ القِمّة، وقالت أنّه استطاع أن يُوقِع الرئيس ترامب في مِصيَدة دَهائِه ببراعةٍ لافِتة، وأثْبَتت الأيّام صِدق تَوقُّعاتِها وتَوقُّعاتِنا أيضًا.
الرئيس كيم دعا صحافيين ومُراقبين من روسيا والصين وكوريا الجنوبيّة وبِريطانيا وفرنسا إلى حُضور “حفل” تَفكيك موقِع بلادِه للتَّجارِب النوويّة الذي أقامه اليوم الخميس، كبادِرَة حُسن نيّة، ولكن المُراقبين والخُبراء قالوا أنّ هذا المَوقِع أصبَح غير صالِح للعمل بعد استخدامِه في سِت تجارِب نوويّة، ويُمكِن إعادة بنائِه مُجدَّدًا في فَترةٍ قصيرة إذا تطلَّب الأمْر، ولم يَتعَدَّ الأمر مُظاهَرةً إعلاميّةً حَصَدَ ثِمارها في نِهايَة المَطاف.
مايك بومبيو علَّل أسباب إلغاء رئيسه لللِّقاء بأنّه يعود إلى عدم إجابة حكومة كوريا الشِّماليّة لعَددٍ من الأسئلة حول برنامَجِها النَّووي، وهذا الأُسلوب، أي طَرح أسئلة وانتظار إجابات عليها، يَعكِس كل أنواع الغَطرسة والاستعلاء الأمريكيين، وعَدم المَعرفة بالخُصوم والتَّقليل من قِيمَتهم وها هُم يَحصِدون ثَمن هذا الغَباء.
كيم جونغ أون “أذلَّ” الرئيس الأمريكي وصَغَّر من حَجمِه ومَكانَتِه، ودفعه إلى اتِّخاذ قرارِ الإلغاء الذي كان يَتطلَّع إليه، لأنّه وبكُل بساطة لم يَكُن ينوي مُطلًقًا تسليم أسلحته النوويّة وصواريخِه الباليستيّة، ويَقِف عارِيًا في مُواجَهة أمريكا مُقابَل رفع العُقوبات، وحِفنَةً من الأرز.
فكيف يُمكِن أن يَثِق الرئيس كيم بالرئيس ترامب وهو لم يحترِم توقيع بلاده على الاتِّفاق النووي مع إيران، تمامًا مِثلما فعل رؤساء أمريكان قبله، مِثل جورج بوش الابن، عندما غزا العِراق واحتلَّه رغم فتح خزائِن بلاده وقُصورِها أمام المُفتِّشين الدَّوليين، والثاني، باراك أوباما عندما نَقَض العهد وأعطى الضُّوء الأخضَر لتَدمير ليبيا وتغيير نِظامِها، ثم نَدِم في آخر أيّام وِلايَته ولكن بعد فَوات الأوان.
ترامب يُريد نَزع كامِل الأسلحة النوويّة الكُوريّة الشِّماليّة بشكل يُمكن التَّحقق منه، والتَّأكُّد من عدم العَودةِ إليها، وهذا ما لم يَكُن أن يقبل به الرئيس كيم، لأنّه يَحترِم نفسه ويتمسَّك بكرامَتِه وكرامَة بلاده، فإذا كانت مُفاوضات إيران مع الدُّول السِّت الكُبرى حول تَخصيب محدود لليورانيوم وليس الرؤوس النوويّة استغرقت خمس سنوات، فهل يعتقد ترامب أنّه سيَنجَح في نزع الأسلحة النوويّة الكوريّة الشِّماليّة في قِمّة تَسْتَغرِق ساعةً أو إثنَتين؟
إلغاء اللِّقاء سيُعيد لكوريا الشِّماليّة كِبريائها، وسيُحافِظ على دِرعها النَّوويّ الصَّاروخيّ، ويُقَزِّم في الوقت نفسه الرئيس ترامب ويُمَرمِغ أنفه في التُّراب خاصَّةً في هذا الوَقت الذي اعتقد أنّه سيُرسِل من خِلالِه، أي اللقاء، رسالةَ تحذيرٍ إلى إيران، فارتدَّ مَكرهُ عَليه.
كثيرون يَشكُرون للرئيس الكوري الشِّمالي، وفي أكثر من مكانٍ في العالم، على هذهِ المَواقِف الرُّجوليّة التي أذلَّت ترامب، وأكَّدت أنّ هُناك من يقول “لا” كبيرة لغُرورِه وغَطرسَتِه، ونحن أوَّلُهُم.
رأي اليوم

عطوان :المَعركة الوَشيكة سَتكون في دَرعا و أنباء عن دَعمٍ روسيٍّ “لا مَحدود” ولكنّه مَشروطٌ بانسحابٍ إيرانيٍّ من الجَنوب

بينما كان الكَثيرون، ونحن من بينهم، يَتوقُّعون تَقدُّم قُوّات الجيش العربي السوري نَحو الجبهة الجنوبيّة لفتح الحُدود مع الأُردن، واستعادة درعا إلى السِّيادة الرسميٍة، فُوجِئنا فجر اليوم الخميس بِقَصفِ طائِرات التحالف الدَّولي الأمريكي مَواقِع عسكريّة سوريّة في شَرق البِلاد، أوقَع 12 شهيدًا للمَرَّةِ الثانية في أقل من ثَلاثة أشهُر.

المتحدث باسم القُوّات الأمريكيّة نفى عِلمُه بحُدوث هذا القصف، لكن المَرصد السوري لحُقوق الإنسان المُقرَّب من فصائِل المُعارضة المُسلَّحة، أكَّدَهُ، مِثلما أكًّد وجود جيب تتمركز فيه قُوّات “الدولة الإسلاميّة” (داعش) في المِنطَقةِ نفسها.

المعلومات القادِمة من دِمشق تُؤكِّد أنّ معركة دَرعا باتت وشيكة، بعد نجاح قُوّات الجيش السوري في استعادة حي الحَجر الأسود ومخيم اليرموك، بعد السيطرة على الغوطة الشرقيّة، وتأمين العاصِمة كُلِّيًّا من أيِّ قصفٍ مِدفعيّ وصاروخيّ للفصائِل المُسلَّحة، وبدأت الاستعدادات فِعلاً لشَن عمليّة عسكريّة، كُبرى نِهائيّة، في مِنطقة درعا المُحاذِية للحُدود الأردنيّة جَنوبًا، ومُحافَظة القنيطرة شَمالاً على حُدود الجولان المُحتلَّة.

***

أولويّة الجيش السوري حاليًّا تتلخَّص في استعادة السَّيطرة على مُعظَم الحُدود السوريّة، إن لم يكن كلها، فبعد استعادته للحُدود مع العِراق ولبنان، باتَ الهدف هو الحُدود الأردنيّة السوريّة التي تُسيطِر عليها مجموعة من فصائِل الجيش السوري الحر، ويَحظى بعضها بدَعمٍ إسرائيليٍّ مَلحُوظ.

السيطرة على دَرعا تنطوي على أهميّة استراتيجيّة كُبرى بالنسبة إلى النظام في دِمشق، ليس لأنّها تعني فتح الطريق الدولي المُمتد من دِمشق حتى العاصِمة الأردنيّة عمّان (طوله 90 كيلومترُا)، ممّا يعني مَورِدًا اقتصاديًّا مُهِمًّا، وبوّابةً للصَّادِرات السوريّة، ولأسباب مَعنويّة أيضًا، لأن شَرارة “الثَّورة” السوريّة انطلقت من المَدينة قبل سَبع سنوات.

القِيادة السوريّة حريصةٌ على فتح هذا الطريق الدولي على غِرار ما فعلت بفتحها نظيره الذي يَربِط العاصِمة بحمص بعد السيطرة على الغوطة الشرقيّة، وطريق دِمشق دير الزور بعد استعادة تدمر، وإخراج قُوّات “الدولة الإسلاميّة” مِنها.

تأكيد السيد مجبتي فردوسي بور، سفير إيران في الأردن، في حديثٍ أدلى به لصَحيفة “الغد” الأردنيّة أمس بأنّه لا توجد قُوّات إيرانيّة في الجنوب، ونفيه أن تكون قُوّات بلاده شاركت في معارك الغوطة الشرقيٍة واليرموك والحجر الأسود، يأتي مَحسوبًا بِدقَّة في إطار سَحب الذَّرائِع من إسرائيل وأمريكا، والتَّشديد على أنّ مُهمَّة استعادة دَرعا هي مَسؤوليّة الجيش السوري وَحدِه.

السُّلطات الأردنيٍة تُراقِب معركة دَرعا الوَشيكة بقَلقٍ شديد، وإن كانت تتمنَّى حلاًّ سِلميًّا يُؤدِّي إلى خُروج قُوّات المُعارضة المُسلَّحة إلى إدلب أو جرابلس في الشمال السوري الغربي يُجنِّب حُدوث الصِّدامات العسكريّة، وما يُمكِن أن تنطوي عليه من اضطرابات أمنيّة، وهِجرَة مِئات الآلاف من سُكَّان المِنطَقة إلى الداخل الأردني، ممّا يزيد من أعبائِها الأمنيّة والاقتصاديّة والخَدماتيّة، في وقتٍ يتضخًّم الدَّين الأُردني العام إلى أكثر من 36 مليار دولار، ويًزيد عدد اللاجئين السُّوريين عن مليون ونِصف المليون لاجِئ داخِل المُخيَّمات وخارِجها.

مصدر لبناني مُقرَّب جدًّا من القِيادة السوريّة، وعاد للتو من دِمشق، أكّد لنا في هذهِ الصحيفة، أنّ حسم معركة درعا، وإعادة المدينة إلى السِّيادة الرسميّة، ربٍما يتحقق قبل عيد الفطر المبارك، وأنّ تفاهُمات جًرى التوصُّل إليها في هذا الصَّدد أثناء قِمّة سوتشي التي انعقدت الأُسبوع الماضي بين الرئيسين السوري بشار الأسد ومُضيفِه الروسي فلاديمير بوتين، وحصل الرئيس الأسد على دَعمٍ روسيٍّ كامِل في هذا المِضمار على غِرار ما حصل في الغوطة الشرقيّة مَشروط بعدم مُشاركة أو تواجد قُوّات إيرانيّة في المِنطقة، وهذا ما يُفَسِّر تَصريحات السفير الإيراني في عمّان وتَوقيتِها.

***

ما زال من غير المعروف كيف سيكون الرَّدَّان الإسرائيلي والأمريكي في هذا الصَّدد، ونحن لا نَتحدَّث هُنا عن الرَّد الأردني، الطَّرف الثالث، لأنّنا نُدرِك جيِّدًا بأنّه قد لا يتعارَض مع هذين الرَّدين بِطَريقةٍ أو بأُخرى، لأنّ الأُردن لا يستطيع أن يقول “لا” لأمريكا التي رفعت مُساعَداتها الماليّة إليه إلى ما يَقرُب المِليار دولار سَنويًّا، ولكنٍه، أي الأردن يتمنَّى أن يتم فتح الحدود الأُردنية السوريّة بأقل الأضرار لأنّ هذا يعني دُخول خزانته ما يَقرُب من 400 مِليار دولار سًنويًّا كجمارك ورسوم مع البًضائع المارّة في الاتجاهين، وعودة المنتوجات الأردنيّة إلى الأسواق السورية، والمُشاركة المُتوقًّعة للشَّركات الأُردنيٍة في عمليّة إعادَة الإعمار.

حسم معركة دَرعا وعودتها للسِّيادة الرسميّة، سيكون مُقدِّمَةٍ لمَعركةٍ أُخرى ربّما تكون أكثر أهميّةً، في شرق الفرات، لاستعادة السيطرة على احتياطات النفط والغاز الموجودة في شرق مدينة دير الزور التي تَرفُض القُوّات الأمريكيّة أي تَقدُّم باتجاهِها، وتريد أن تكون من نصيب الإمارة القبائليّة السنيّة الشمريّة التي تتطلَّع إلى إقامَتها، وتمتد من الحَسكة شمالاً حتى شرق دير الزور، وقصف المواقِع العسكريّة فجر اليوم الخميس أحد المُؤشِّرات في هذا الصَّدد.

السُّوريّون يتمتَّعون بنَفسٍ طَويلّ، وصَبرّ لا حُدود له، تَعزَّز من خِلال مُعاشَرتهم للايرانيين، ويبدو أنّ هذه الاستراتيجيّة بدأت تُعطِي ثِمارها، باستعادة 80 بالمِئة من الأراضي السوريّة بعد مَعارِك طاحِنة على مدى السَّنوات السَّبع الماضِية، ومِن خِلال المِقياس نفسه من غير المُستَبعد أن يكون رفع العلم السوري في مَيدان درعا الرَّئيسي مُفاجأة الأيّام أو الأسابيع المُقبِلة.. والله أعلَم.

عطوان: “من أنتم الإيرانيّة” تختلف كُلِّيًّا عن “من أنتم القذافيّة”

أهم رد فعل صَدر عن السُّلطات الإيرانيّة تُجاه الشُّروط الأمريكيّة الـ12 التي طَرحها مايك بومبيو، وزير الخارجيّة الأمريكيّة، في إطار تهديداتِه الاستفزازيّة، ورد على لِسان الرئيس حسن روحاني عندما قال “من أنتم حتى تُقرِّروا عن إيران والعالم”.

صُدور هذا الرَّد القويّ على لِسان رئيس إيراني “إصلاحي”، وعلى هذهِ الدَّرجة من القُوّة والاستخفاف بأمريكا وتَهديداتِها، يعني أنّ إيران كلها، بمُعتَدليها قبل مُتشدِّديها، ستَقِف في خَندقٍ واحِد في مُواجَهة أي عُدوانٍ أمريكيّ، سواء كان حِصارًا اقتصاديًّا تَجويعيًّا أو هُجومًا عَسكريًّا.

السيد ايشاغ جاهانغيري، نائب الرئيس الإيراني كان مّصيبًا عندما قال “أنّ بومبيو جاء مُتأخِّرًا 40 عامًا، فالشَّعب الإيراني قامَ بالثًّورة حتى لا يُملِي عليه أحد ما يَجِب أن يفعله”.

لاحظنا أنّ بعض الأشقاء الخليجيين تعاطَفوا بسُخرَية مع رد الفِعل الإيراني على التَّهديدات الأمريكيّة، خاصَّةً تِلك التي صدرت عن الرئيس روحاني، وأعادوا إلى الأذهان في تغريداتِهم، وتعليقاتِهم على وسائط التواصل الاجتماعي، استخدام العِبارة نفسها من قِبل الزَّعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وغابَ عن ذِهنهم، أنٍ “من أنتم الإيرانيّة” تختلف كُلِّيًّا عن “من أنتم القذافيّة” لأسباب عديدة، أبرزها أنّ إيران الحاليّة ليست مِثل ليبيا التي كانت مَعزولةً ومُحاصَرة عربيًّا، ولا تَملُك جَيشًا ولا حُلَفاء أقوياء.

***

ليبيا العقيد القذافي كانت لا تَملُك أدوات الانتقام، والقُدرات على الرَّد عَسكريًّا، فقد سلَّمت أسلحتها الكيماويّة لأمريكا، وفكَّكت برنامَجها النووي، وخلعت كل أنيابها ومخالبها طَوعًا، وسلَّمتها للمُحتال الأكبر توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، مُضافًا إلى ذلك أنّ إسرائيل بَعيدة كُليًّا عن مَرمى نيرانها، بينما الحال يبدو مُختلفًا كُلِّيًّا في الحال الإيرانيّة لعِدَّة أسبابٍ نُوجِزها في النُّقاط التاليّة:

ـ أوَلاً: إيران تَملُك ترسانةً عسكريّةً هائِلة تَضُم أكثر من 400 ألف صاروخ من مُختَلف الأحجام والأبعاد، وجيشًا قويًّا مُتمرِّسًا في الحَربين التقليديّة والعِصابات، مِثلما تَملُك غوّاصات وزوارق حربيّة سريعة لا ترصدها الرادارات، وأسلحة كيماويّة وربّما نوويّة بِدائيّة، وجيشًا عَرمرمًا من الانتحاريين العَقائديين الذين يَتطلَّعون إلى الشَّهادة.

ـ ثانيًا: ربّما لا تَملُك إيران ما تملكه كوريا الشماليّة من صواريخ بعيدة المَدى قادِرة للوصول إلى العُمق الأمريكي، ولكن ما لَديها يكفي للوُصول إلى حُلفاء أمريكا وقواعِدها في المِنطقة، ونحن نتحدَّث هُنا عن إسرائيل أوّلاً، والقواعِد الأمريكيّة في دُوَل الخليج ثانِيًا.

ـ ثالثًا: التهديدات الأمريكيّة الأُخرى قد تَدفع إيران إلى تعزيز وجودها في سورية المُرشَّحة لكي تكون ميدان المُواجَهات مع إسرائيل حتى لو اعترضت موسكو على ذلك، وهي قادِرة في هذهِ الحالة للوصول إلى حيفا وتل أبيب ويافا وعكا وصفد والقُدس المُحتلَّة.

ـ رابعًا: تَملُك إيران “ميليشيات عَسكريّة” تُشكِّل جُيوشًا مُوازِية، مِثل الحرس الثوري الإيراني، و”حزب الله” في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والحَشد الشعبي في العِراق، و”حماس″ في الأراضي المُحتلَّة، وهذهِ الأذرعة العسكريّة، مُجتَمِعة أو مُتفرِّقة، يُمكِن أن تتحوَّل إلى أذرُعٍ ضارِبة لزَعزعة أمن واستقرار إسرائيل ومُعظَم دُوَل الخليج التي سارَعت للتَّرحيب بالاستراتيجيّة الأمريكيّة الجَديدة.

الورقة الأقوى سياسيُّا التي تَملُكها إيران، إلى جانب أوراقها العسكريّة الأُخرى، أنّها ليست الطَّرف البادِئ بالتصعيد، ولم تنسحِب من الاتفاق النووي، وبات مُعظم دول العالم تنظر إليها من مَنظور “الضحيّة” المُستَهدفة من قِبل الاستكبار والغِطرسة الأمريكيين، وهذا ما يُفَسِّر حالة القَلق الراهنة على مُستًوى العالم، وأوروبا الحَليف الأمريكي الأوثَق تحديدًا.

الإدارة الأمريكيّة عاقِدة العَزم على إعادة العُقوبات التي كانت تَفرِضها على آيران قبل الاتِّفاق النووي، الأمر الذي سيُلحِق أضرارًا كّبرى بمصالح حُلفائِها الأوروبيين في ظِل التَّهديدات بمَنع شركاتهم من دٌخول الأسواق الأمريكيّة آذا ما استمرَّت في التعامل مع إيران، الأمر الذي سيَدفَع شَركاتٍ صينيّة وروسية الى مليء أي فراغ ينجم عن انسحاب هذه الشركات، وهذا ما يفسر تصريحات السيدة فيديريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، التي انتقدت فيها التهديدات الامريكية، وأكدت انه لا يوجد أي حل بديل للاتفاق النووي.

العقوبات الاقتصادية الامريكية المتوقعة على ايران، ومهما كانت شدتها، لن تطيح بالنظام الإيراني، ومن المستبعد ان تدفع بالشعب الإيراني، او الاقليات العرقية في وسطه، للثورة لتغيير النظام، لان هذا الشعب استوعب دروس ثورات الربيع العربي المدعوم معظمها من أمريكا وحلفائها، والدمار الذي حل بدول شعوب عربية من جرائها، مثلما تعلمت الحكومة الإيرانية نفسها من تجارب ليبيا والعراق، وما حل بهما عندما وقعتا في مصيدة الخداع الغربية، وسلمتا أسلحتهما الكيماوية، والقبول بالتفتيش الدولي وشروطه المهينة بالتالي.

ما يؤلمنا ان الدول الخليجية الشقيقة التي تشهد طفرات مالية وعقارية، واستقرارا امنيا وسياسيا، ستكون احد ابرز ضحايا هذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة ضد ايران، ماليا وعسكريا، فالرئيس ترامب سيطالبها بتسديد فاتورة الحرب التي بدأ يردد مقولته بأنها جاءت من اجل حمايتها، مضافا الى ذلك، وهذا هو الأهم، ان الصواريخ الإيرانية ستستهدف مدنها والقواعد الامريكية المتواجدة على ارضها كحد ادنى، أي ان تدمير ايران لو حدث، لن يتم بمعزل عن تدمير دول خليجية تقف في الخندق المقابل لها، ومن يقول غير ذلك لا يعرف أمريكا، ويجهل بتاريخ الحرب في المنطقة والعالم.

***

أمريكا اذا حاربت ايران اقتصاديا او عسكريا فإنها تفعل ذلك ليس من اجل حماية دول الخليج، وانما إسرائيل، ومشروع هيمنتها على المنطقة، وإزالة أي منافس لها، والربط بين المصالح الأمنية الخليجية والإسرائيلية، جاء لتبرير توظيف الأموال والأراضي الخليجية في خدمة أي حرب أمريكية تكون إسرائيل رأس حربتها، ولخطة مصالحها.

إسرائيل هي التي وضعت شروط بومبيو الـ12 التي تريد فرضها على ايران، وهي التي تريد استخدام القوة العسكرية الامريكية العملاقة لتحييد الخطر الإيراني المفترض، مثلما فعلت الشيء نفسه عندما ضخمت الخطر العراقي، ونجحت في مخطط تغيير النظام في العراق عبر بوابة المحافظين الجدد.

كوبا، وللتذكير فقط، واجهت الحصار الأمريكي لأكثر من خمسين عاما، ولم تركع ولم تنحن، ولم يتغير نظامها رغم الضغوط الشديدة، وقطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، واجه الحصار وثلاث حروب، ولم يسلم سلاح مقاومته، فاذا كانت جزيرة صغيرة مثل كوبا بشعب صغير، وتاريخ متواضع، استطاعت الصمود والمقاومة، وكذلك قطاع غزة المحاصر المجوع، فكيف سيكون حال قوة إقليمية عظمى مثل ايران تملك ارثا حضاريا يمتد لأكثر من ثمانية آلاف عام؟

أمريكا توشك على ارتكاب حماقة سياسية وعسكرية كبرى في منطقتنا العربية، ولن تكون مضمونة النتائج هذه المرة، ونجزم بأن إسرائيل وبعض الحكومات الخليجية قد تدفع ثمنها غاليا من مالها وأمنها واستقرارها ورخائها.. والأيام بيننا.

عطوان: ترامب يعلن شروطا إسرائيلية تعجيزية.. وإلا إسقاط نظام طهران

الخطاب الذي ألقاه أمس مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الجديد، وحدد فيه ضرورة التزام إيران بـ12 شرطا لتجنب “عقوبات تاريخية” تعتزم بلاده فرضها يمثل التهديد الأخطر حتى الآن، ومقدمة لحصار غير مسبوق، ربما يتطور إلى حرب شاملة.
في هذا الخطاب حدد بومبيو الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي قال أنها تتكون من سبع محاور حول كيفية التعامل مع إيران، جميعها تصب في هدف رئيسي، وهو “تغيير النظام” في إيران على غرار ما حدث في العراق وليبيا، وربما في توقيت أسرع مما يتوقعه كثيرون.
الجوهر الأساسي للشروط الـ12 التي حددها بومبيو يمكن اختصارها في أربعة:
ـ الأول: إنهاء برامج الصواريخ الباليستية كمرحلة أولى، وتدمير كل مخازن إيران وترسانتها العسكرية منها لاحقا.
ـ الثاني: وقف دعم إيران لـ”الإرهاب”، أي الأذرع المسلحة التابعة لها، أو الممولة منها، وهذه إشارة واضحة لـ”حزب الله” في لبنان، وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحشد الشعبي في العراق.
ـ الثالث: وقف التدخل في نزاعات “الشرق الأوسط” وهذا يعني قضية فلسطين بالدرجة الأولى، ولبنان وسورية والعراق بالدرجة الثانية.
ـ الرابع: الانسحاب كليا من سورية، وإنهاء أي تواجد عسكري على أرضها
***
جميع هذه الشروط “التعجيزية” هي إسرائيلية، وتخدم الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة برمتها، وإزالة أي تهديد لها من إيران خصوصا، فمن الواضح أن بومبيو ينطق بلسان بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه إفيغدور ليبرمان.
مضمون الرسالة الأمريكية “التهديدية” التي وردت في خطاب بومبيو، الذي ألقي، وفي مثل هذا التوقيت، بهدف إيصالها لإيران وحلفائها واضح للغاية، وهو أن العقوبات “التاريخية” التي تريد حكومته فرضها تتطابق كليا مع تلك المفروضة على كوريا الشمالية وقبلها على العراق، لأن إدارة ترامب ظلت تردد دائما أنها لا تريد تكرار خطأ سابقتها إدارة أوباما التي كانت لينة مع الأخيرة، أي كوريا الشمالية، وسمحت لها بالوصول إلى الردع النووي وتطوير صواريخ باليستية تصل إلى العمق الأمريكي.
الوزير بومبيو، ومثلما هو واضح من فقرات الخطاب الناري الذي ألقاه، لن يسمح لأوروبا وشركاتها الكبرى بأي هامش للحركة، والمضي قدما في التعامل تجاريا مع إيران، عندما قال “سنواصل العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وعرقلة تمويلها للإرهاب، والتعامل مع نشر صواريخ في هذا الإطار لأن الرهان على أن الاتفاق النووي مع إيران سيساعد على استقرار المنطقة كان رهانا سيئا بالنسبة إلى أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط والعالم بأسره”.
التهديدات الأمريكية للشركات الأوروبية الكبرى التي تتعاطى تجاريا مع إيران بدأت تعطي ثمارها وبشكل مبكر، مما يقطع الطريق على طموحات إيران في المضي قدما في بيع النفط والغاز لأوروبا (20 بالمئة من الصادرات الإيرانية في هذا الميدان تذهب إلى أوروبا)، وإبقاء تعاملاتها المصرفية، وفتح الأجواء والموانئ أمام طائراتها وسفنها، فشركة النفط الفرنسية العملاقة “انجي” أعلنت أنها ستوقف أعمالها في إيران في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وحذت شركة “توتال” النفطية الكبرى حذوها عندما قالت أنها لن تكمل مشروعها في قطاعي الغاز والنفط في حال عدم حصولها على “إعفاء” أمريكي، وهي لن تحصل عليه حتما.
لا نعرف كيف ستكون الردود الأوروبية والروسية والصينية وأخيرا الإيرانية على هذه الخطوة التصعيدية الأمريكية ضد إيران، فأكثر من 70 بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية (3.6 مليون برميل) تذهب إلى الصين، وحجم التبادل التجاري الصيني الإيراني يبلغ 60 مليار دولار سنويا، فهل ستلتزم هذه الدول الصمت، وتسمح بإلحاق الضرر بمصالحها التجارية؟
أما بالنسبة إلى روسيا فإن رد فعلها ما زال غامضا، فمطالبتها بانسحاب جميع القوى الأجنبية من الأراضي السورية أثناء اجتماع قمة الأسد بوتين في سوتشي الأسبوع الماضي، لم يستثن القوات الإيرانية، كما أن صفقة صواريخ “إس 300” الروسية لم تسلم كلها إلى إيران حتى الآن، ولن تسلم إلى سورية أيضا تجاوبا مع مطالب إسرائيلية.
***
الإيرانيون يتوقعون مثل هذا التهديد الأمريكي، مثلما يتوقعون أيضا انضمام الاتحاد الأوروبي لأي عقوبات تفرضها واشنطن، والسيد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية، عبر عن مخاوف بلاده في هذا المضمار اليوم عندما قال في تصريح صحافي في ختام لقائه مع المبعوث الأوروبي للطاقة ميغيل أرياس كانيتي في طهران أن “تعهدات أوروبا بإنقاذ الاتفاق النووي غير كافية ويجب القيام بخطوات إضافية، لأن الدعم السياسي ليس كافيا”.
دول الخليج العربية ستقف مع الخطوات الأمريكية حتما، بما في ذلك تغيير النظام في طهران، وبادرت فورا وبالإجماع بتأييد العقوبات الأمريكية ضد السيد حسن نصر الله وتسعة مسؤولين آخرين من قيادات “حزب الله”، وستكون نقطة انطلاق للعقوبات وميدانا للحرب، تماما مثلما لعبت الدور الأبرز في الحربين على العراق وسورية.
لا نعلم كيف سيكون الرد الإيراني على هذه التهديدات الأمريكية الأخطر في تاريخ العلاقات بين البلدين، فهل ستعود القيادة الإيرانية إلى تخصيب اليورانيوم فورا مثلما هدد السيد علي خامنئي، المرشد الأعلى؟، أم أنها ستتريث في محاولة من جانبها لدراسة الموقف واستطلاع مواقف الحلفاء في روسيا والصين وبعض أوروبا؟
لا نملك الإجابة الفورية، ولكن من الواضح أن خطاب بومبيو “إعلان حرب”، ومؤشرٌ واضح على نوايا إدارة ترامب بتغيير النظام في طهران.
إنها رياح الفوضى التي قد تسبق عاصفة الحرب المدمرة التي يقرع طبولها الرئيس ترامب، وصقور إدارته ابتداء من جون بولتون، ومرورا بجيم ماتيس، وانتهاء ببومبيو، وجميعهم عنصريون كارهون للإسلام والمسلمين والعرب، ولا ننسى كبيرهم نتنياهو الحاكم الفعلي للبيت الأبيض هذه الأيام.. ومن المؤكد أن لنا عودة أو أكثر، إلى هذا الموضوع فيما هو قادمٌ من أيام.

عطوان :بعد احتفالات السِّفارة الأمريكيّة في القُدس.. والرَّد العَربيّ الباهِت.. ترامب  لإعلان “صَفقة القرن” بعد عيد الفِطر

تَزامُن الاحتفالات بنقل السِّفارة الإمريكيّة إلى القُدس المُحتلَّة، وتَكريسِها عاصِمةً أبديّةً لدَولة الاحتلال الإسرائيليّ مع الذِّكرى السَّبعين لاغتصاب فِلسطين، يأتي المُقدِّمة الأُولى والأهَم في تَطبيق “صَفقة القرن”، التي ستُجَسِّد تَصفِيَةً نِهائيّةً للقَضيّة الفِلسطينيّة، إذا ما سارَت الأُمور بالشَّكلِ الذي تُريدُه إدارة الرئيس ترامب.

التَّسريع بنَقل السِّفارة الأمريكيّة ورَبطِه بالاحتفال بالذِّكرى السَّبعين للنَّكبة جاء بِمَثابة “بالون اختبار” لرَصد رُدود الفِعل العَربيّة والدَّوليّة تمهيدًا لإعلان هذهِ الصَّفقة، ومن المُؤلِم أن رُدود الفِعل كانت باهِتةً جِدَّا في مُعظَم الأراضي الفِلسطينيّة باستثناءِ قِطاع غزّة الذي شَهِدَ مُظاهراتٍ حاشِدة لأكثَر من سِتَّة أسابيع سَقط خِلالها أكثر مِن مِئة شهيد، وإصابَة أكثر من ثَلاثة آلاف آخرين بِرَصاص القَنَّاصة الإسرائيليين، والشَّي نفسه يُقال عن مُعظَم العواصِم العَربيّة والإسلاميّة.

وكالة أنباء “الأسوشيتدبرس” العالميّة بًدأت “عمليّة التَّسريب” لتَسويق هذهِ الصَّفقة عِندما نَشرت بالأمس تقريرًا نَقلاً عن خَمسة مَسؤولين أمريكيين بارِزين رَفضت تَسميتهم، قالت فيه أنّ الرئيس دونالد ترامب سَيُعلِن عن تفاصيل هذهِ الصَّفقة بعد شَهر رمضان الحالي، وهِي الصَّفقة التي وَضع خُطوطِها العَريضة مع صِهره جاريد كوشنر، ومَبعوث أمريكا لـ”السَّلام” في الشَّرق الأوسَط جيسون غرينبلات، وبإشرافٍ مُباشر مِن قِبَل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي.

الرَّد العَربيّ الباهِت، بَل والمُتواطِئ، على نَقل السِّفارة والمَجزرة الإسرائيليّة في غَزّة، يُوحِي بأنّ الدُّوَل العَربيّة الرئيسيّة، وخاصَّةً مِصر والأُردن ومُعظَم دُوَل الخليج، على دِرايةً بتَفاصيل المُخطَّط الأمريكيّ القادِم، فلَم تدعو هذهِ الدُّوَل لعَقد قِمّة عَربيّة طارِئة، وحُضورها في القِمّة الإسلاميّة التي دَعا إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان في أدنى مُستوياتِه (باستثناء الأُردن)، فمُعظَم دُوَل الخليج (باستثناء الكويت) تَمثَّلت بوزراء خارجيّتها، ولم تتجرَّأ أي دولة من تِلك الدُّوَل التي أقامت علاقاتٍ دِبلوماسيّة مع إسرائيل (مِصر والأُردن) على استدعاء سُفرائِها أو طرد السفير الإسرائيلي من عاصِمتها احتجاجًا، مِثلما فعلت دّول غير عَربيّة، مِثل تركيا وبوليفيا وجنوب أفريقيا وإيرلندا وبلجيكا، وهذا يُوحِي بالكَثير، وبمُفاجآتٍ صادِمة في الأشهُر المُقبِلة.

***

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استدعى السيد إسماعيل هنية إلى القاهِرة، وأرسل له طائِرةً خاصَّةً لنَقلِه والوَفد المُرافَق له، من مِطار العريش، في مُحاولةٍ من جانبه، وبِطلبٍ أمريكيّ، لوَقف مَسيرات العودة، وتَهدِئة الأوضاع في القِطاع، إلى جانِب مُناقَشة مُقتَرحات بِهُدنة لعَشر سنوات، وبَدأت بعض أوساط حركة “حماس” إطلاق تسريبات تُفيد “باتِّفاقٍ ما” يَكسِر الحِصار عن قطاع غزَّة باتَ مُحتَملاً.

أمريكا، وحُلفاؤها العَرب في مِصر والأُردن ودُوَل في الخليج العربي، ستَتَّبِع سِياسة “العَصا والجَزرة” مع الفِلسطينيين، أو بالأحرى، قِيادتهم في الضِّفَّة والقِطاع، “العصا” في وَقف المُساعدات الماليّة وتَشديد الحِصار، و”الجَزرة” في وعودٍ بإغراقِ الضِّفَّة والقِطاع بالأموال العَربيّة والغَربيّة ثَمنًا للتَّنازُل عن القُدس وحَق العَودة، وعَدم مُعارَضة “الصَّفقة”.

قرار الرئيس السيسي المُفاجِئ وغير المَسبوق بفَتح مَعبِر رَفح طِوال شهر رمضان يَأتي في إطار “اتِّفاقٍ مُحتَمل، للتَّهدِئة، ووَقف، أو تخفيف زَخم مَسيرات العَودة، وامتصاص نِقمَة أهل القِطاع وتَحسين ظُروفِهم المَعيشيّة، لأنّهم الوَحيدين، وبطَلبٍ من حماس، الذين ثاروا على المُخطَّط الأمريكي، وأفسَدوا احتفالات نقل السِّفارة، وفَضحوا الوَجه الإسرائيلي الإرهابي البَشِع، ولكن الصُّورة ربّما تتغيَّر جَذريًّا، إذا رَفضت قِيادة حركة “حماس” “الجَزرة” الأمريكيّة، المُقَدَّمة على طَبَقٍ عَربيٍّ وكل الاحتمالات وارِدة، لأنّ هُناك تيَّارًا قَويًّا داخِلها يَرفَع لِواء المُعارَضة.

التَّفاصيل التي جَرى تسريبها حتى الآن عن مَضمونِ “صفقة القرن” تقول بتَسمين قِطاع غزّة، وإضافة 720 كيلومترا من ارض سيناء على امتداد السَّاحِل، وبِما يَشمل مدينة العريش والشيخ زويد، وإقامَة ميناء ومَطار، على أن تَحصُل مِصر على المَساحة نفسها من الأراضي الفِلسطينيّة المُحتلَّة في النًّقب، وفي المُقابِل سيَتم إقامة مدينة “نيوم” على الحُدود المِصريّة الأُردنيّة السُّعوديّة واستثمار 500 مِليار فيها لاستيعاب مُعظَم العاطِلين عن العَمل، وضَخ المَزيد من الاستثمارات غير المُباشِرة في الاقتصاد المِصريّ، أمّا الضِّفَّة الغَربيّة فليس لها غير السَّلام الاقتصاديّ، وتَحسين ظُروف الحُكم الذَّاتيّ.

العَصا الأمريكيّة الغَليظة تتمثَّل في تَجميد المُساعدات الماليّة عن السُّلطة الفِلسطينيّة في حالِ رَفضِها التَّعاون، وجَرى حاليًّا تجميد 200 مليون دولار من مِيزانيّة هذا العام، و65 مليون أُخرى من مِيزانيّة وكالة الأُونروا، وقرار وَقف جميع المُساعدات الخَليجيّة للأُردن يَصُب في المُحَصِّلة نَفسِها للضَّغط عليه، والفِلسطينيين على أرضِه، بالقُبول بالصَّفقةِ وإلا عَليهِم تَحمُّل النَّتائِج، وعَمليّة التَّهميش للأُردن ودَورِه بَدأت وستَتصاعَد.

***

حَمَلات “التَّكريه” المُتصاعِدة في بعض دُوَل الخليج وخاصَّةً في السُّعوديّة بالشَّعب الفِلسطيني، واتِّهامه ببيع أرضِه، وتَوظيف جيشٍ إلكترونيّ وكُتَّاب كِبار مِن المُقرَّبين للنِّظام في إطار مُخطَّطٍ مُحكِم يسير جَنبًا إلى جنب مع عَمليّة تطبيع مُتعاظِمة مع إسرائيل تَعكِس الدَّور الخَليجيّ في مُحاولةِ تَمرير هذهِ الصَّفقة، وما اعتقال خَمسة نُشَطاء ونشيطات في السُّعوديّة أمس مِن المَعروفين لمُعارَضتهم التَّطبيع إلا أوَّل الغَيث.

استهداف مِحوَر المُقاومة، وقَصف مَواقِع إيرانيّة في سورية من قِبَل إسرائيل وطائِراتها وصَواريخها، وفرض عُقوباتٍ على السيد حسن نصر الله وتِسعةٍ من قِيادات حزب الله، ووَضع الحزب كله، بجِناحَيه السِّياسيّ والعَسكريّ على قائِمة الإرهاب، كُلُّها إجراءاتٍ تَصُب في إطار الخَطوات الأمريكيّة لفَرض صَفقةِ القَرن، واستغلال حالة الضَّعف العَربيّة والإسلاميّة الرَّاهِنة، باعتبارِها فُرصَةً تاريخيّةً لن تتكرَّر.

لا نَستبِعد إعلانًا إسرائيليًّا وَشيكًا بالقُبول بمُبادَرة السَّلام العَربيّة، بعد تَفريغِها من أهم أركانِها، أي حَسم مُستَقبل القُدس المُحتلَّة وإخراجها من المُعادِلة، وإزالتها من مائِدة أي مُفاوِضات قادِمة، مِثلما لا نَستبعِد زِيارات مُتبادِلة بين مَسؤولين إسرائيليين وعَرب من مِنطَقة الخليج بعد عِيد الفِطر المُبارك.

الصَّيف العَربي القادِم قد يَكون صَيفًا تَطبيعيًّا بامتياز، وقد يَشهَد إزاحَة السِّتار عن تفاصيل الصَّفقةِ المَسمومة.. اللَّهمُ إنّنا قَد بَلَّغنا.. واللَّهمُ فاشهَد.

عطوان: نشفق على أموال السيد نصر الله في بنوك الغرب ويخوته الفارهة

عبد الباري عطوان: قرار وزارة الخِزانة الأمريكيّة بفَرضِ عُقوباتٍ على السيِّد حسن نصر الله، أمين عام “حزب الله” ونائِبه الشيخ نعيم قاسم، وأعضاءِ مَجلس شورى الحِزب، لم يَكُن مُفاجِئًا، خاصَّةً أنّه جاءَ بعدَ الانتصار السِّياسيّ الكَبير الذي حَقَّقه الحِزب في الانتخابات البَرلمانيّة اللُّبنانيّة الأخيرة، لكن الأكثر إيلامًا بالنِّسبةِ إلينا أن يأتِي هذا القرار بالتَّعاوُن والتَّنسيق مع مَركز مُكافَحة تمويل الإرهاب التَّابِع لحُكومات مَجلس التَّعاون الخَليجيّ السِّت، وإعلانِها تَعهُّدِها واستعدادِها الكامِل لتَطبيقِه فَورًا.
هذهِ هِيَ المَرَّة الثَّالِثة التي تَفرِض الإدارة الأمريكيّة عُقوباتٍ على السيِّد نصر الله، فالأُولى كانت عام 1995 بِذَريعة تَعطيل عمليّة السَّلام، والثَّانِية عام 2012 لتَدَخُّلِه في الحَرب السُّوريّة، والثَّالِثة اليوم بِتُهمَة زعزعة استقرار مِنطقة الشَّرق الأوسَط، ولكنَّها المرّة الأولى التي يَنضَم فيها الشيخ قاسم إلى لائِحة شَرف العُقوبات الأمريكيّة.
مُعظَم هؤلاء المُدرَجين على لائِحة العُقوبات هذهِ هُم من الجَناح السِّياسيّ للحِزب، ممّا يعني أن الولايات المتحدة وحُلفاءها الخَليجيين السِّتَّة لم يَعودوا يُفَرِّقون بين الجَناحَين السِّياسيّ والعَسكريّ، ويَعتبِرون الحِزب حَركةً إرهابيّة، وقال ستيفن منوتشي، وزير الخَزانة الأمريكيّة التي فَرَضَت هذهِ العُقوبات “إنّ دُوَلنا مُجتمعة، أي أمريكا ودُوَل الخليج، رَفضت التَّمييز الزَّائِف بين هَذين الجَناحَين”.
ومِن المُفارَقة أنّ هذا القرار الأمريكي يأتِي بعد يومين من الاحتفال بنَقل السِّفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلَّة، واستشهاد أكثر من سِتِّين مُتظاهِرًا مَدنيًّا أعزَلاً بِرصاص القَنَّاصة الإسرائيليين على حُدود قِطاع غزَّة، بالإضافةِ إلى تَصاعُد درجة التَّوتُّر بين آيران الدَّاعِم الرئيسي لحِزب الله، والولايات المتحدة بَعد انسحاب الأخيرة من الاتِّفاق النَّوويّ.
لا نَعتقِد أنّ السيِّد نصر الله لن يَعرِف النَّوم قَلقًا من هذهِ العُقوبات، وتأثيراتِها على أرصِدَتِه الماليّة في البُنوك الأمريكيّة أو الأوروبيّة، لأنّه وحَسب معلومات مُوثَّقة لدينا، لا يَملُك أيَّ حِسابٍ في المَصارِف اللبنانيّة أو غير اللبنانيّة باسمِه، ولا يَعرِف شَيء اسمه البِطاقات الائتمانيّة، أو دفاتِر الشِّيكات، ولا يَزيد راتِبُه من الحِزب عن 1300 دولار، باعترافِه في حَديثٍ أجرَته مَعه مَحطَّة “الميادين” الفَضائيّة.
السيِّد نصر الله لا يَملُك اليُخوت الفارِهة، ولا الطَّائِرات الخاصَّة، ولا يقضي إجازته الصَّيفيّة على شواطِئ الرِّيفيرا الفرنسيّة، والشَّتويّة في جُزر المالديف أو مُنتجعات سيشل، وإنّما بين أتباعِه في الضَّاحِية الجنوبيّة، أو في جِبال جنوب لبنان الشَّامِخة التي يَطُل مِنها على أراضي فِلسطين المُحتلَّة، ويَستَنشِق هواءها النَّقيّ، مُنتَظِرًا يوم التَّحرير الأكبَر، وهُو قادِمٌ حَتمًا.
ما يُقلِقنا هو التزام مركز مُكافَحة تمويل الإرهاب الخليجي، ودُوَلِه السِّت بتَطبيق هذهِ العُقوبات، الأمر الذي قد يُعرِّض عَشرات الآلاف من الأشقاء اللُّبنانيين للكثير من المَتاعِب فيها، بِحُجَّة الانتماء إلى “حزب الله”، أو إقامَة علاقاتٍ ماليّة أو تَعاطُفيّة معه، فالقانون غائِب في مُعظَم هذهِ الدُّوَل، والقَضاء العادِل من المُستحيلات السَّبع في غالبيّتهما، وأوامِر الاعتقال ومِن ثُمَّ التَّرحيل تَصدُر في دَقائِق، والتَّنفيذ في ساعاتٍ مَعدودة، حتّى لو كانَت التُّهمَة مُخالَفة سَير، أو قَطعِ إشارةِ مُرور.
السيِّد نصر الله ورِفاقُه مُستَهدَفون لأنّهم هَزَموا إسرائيل مَرَّتين، الأولى عِندما أجبَروا قُوَّاتِها على الانسحاب مِن طَرَفٍ واحِد عام 2000، والثَّانِية عندما تَصدُّوا لعُدوانِها بِرُجولة في تموز (يوليو) عام 2006، ولو كانَ الحِزب تَدخَّل في سورية تحت الرَّايَةِ الأمريكيّة لهَطَلت عليه المِليارات مِثل المَطر، ولكنّه قرَّر الوُقوف في خَندق المُقاومة، وإفشال المُخطَّط الأمريكيّ الإسرائيليّ بتَفتيت سورية على غِرار ما حَدث في ليبيا واليَمن والعِراق.
نحن على ثِقَةٍ بأنّ تأثير هذهِ العُقوبات سَيكون مَحدودًا جدًّا، إن لم يَكُن مَعدومًا، وفَرضِها وغيرها، كان مُتوقَّعًا، في ظِل أجواء الحَرب التي تَقرع طُبولَها حاليًّا أمريكا وإسرائيل وحُلفاؤها العَرب القُدامى الجُدد، ولا يُخامِرنا أي شَك بأنّها لن تُرهِب السيِّد نصر الله ورِفاقُه، وربّما لا نُبالِغ إذا قُلنا أنّ الخَوف والهَلع يتصاعَد حاليًّا في صُفوف من فَرَضوها.
من اختارَ السَّير على دَربِ المُقاومة، وقَدَّم ابنه شَهيدًا، ويَنتَظِر هو نفسه الشَّهادة في أيِّ لحظةٍ، لا نعتقد أنّه يتوقَّف لَحظةً أمام هَذهِ العُقوبات، وسَيكون النَّصر حَليفُه بإذنِ الله.. والأيّام بَيْنَنَا.

عطوان عن العقوبات الامريكية والخليجية : إنّه الهَلع مِن مِحوَر المُقاومة.. والخَوف على مُستَقبل إسرائيل ووجودِها

قرار وزارة الخِزانة الأمريكيّة بفَرضِ عُقوباتٍ على السيِّد حسن نصر الله، أمين عام “حزب الله” ونائِبه الشيخ نعيم قاسم، وأعضاءِ مَجلس شورى الحِزب، لم يَكُن مُفاجِئًا، خاصَّةً أنّه جاءَ بعدَ الانتصار السِّياسيّ الكَبير الذي حَقَّقه الحِزب في الانتخابات البَرلمانيّة اللُّبنانيّة الأخيرة، لكن الأكثر إيلامًا بالنِّسبةِ إلينا أن يأتِي هذا القرار بالتَّعاوُن والتَّنسيق مع مَركز مُكافَحة تمويل الإرهاب التَّابِع لحُكومات مَجلس التَّعاون الخَليجيّ السِّت، وإعلانِها تَعهُّدِها واستعدادِها الكامِل لتَطبيقِه فَورًا.

هذهِ هِيَ المَرَّة الثَّالِثة التي تَفرِض الإدارة الأمريكيّة عُقوباتٍ على السيِّد نصر الله، فالأُولى كانت عام 1995 بِذَريعة تَعطيل عمليّة السَّلام، والثَّانِية عام 2012 لتَدَخُّلِه في الحَرب السُّوريّة، والثَّالِثة اليوم بِتُهمَة زعزعة استقرار مِنطقة الشَّرق الأوسَط، ولكنَّها المرّة الأولى التي يَنضَم فيها الشيخ قاسم إلى لائِحة شَرف العُقوبات الأمريكيّة.

مُعظَم هؤلاء المُدرَجين على لائِحة العُقوبات هذهِ هُم من الجَناح السِّياسيّ للحِزب، ممّا يعني أن الولايات المتحدة وحُلفاءها الخَليجيين السِّتَّة لم يَعودوا يُفَرِّقون بين الجَناحَين السِّياسيّ والعَسكريّ، ويَعتبِرون الحِزب حَركةً إرهابيّة، وقال ستيفن منوتشي، وزير الخَزانة الأمريكيّة التي فَرَضَت هذهِ العُقوبات “إنّ دُوَلنا مُجتمعة، أي أمريكا ودُوَل الخليج، رَفضت التَّمييز الزَّائِف بين هَذين الجَناحَين”.

***

ومِن المُفارَقة أنّ هذا القرار الأمريكي يأتِي بعد يومين من الاحتفال بنَقل السِّفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلَّة، واستشهاد أكثر من سِتِّين مُتظاهِرًا مَدنيًّا أعزَلاً بِرصاص القَنَّاصة الإسرائيليين على حُدود قِطاع غزَّة، بالإضافةِ إلى تَصاعُد درجة التَّوتُّر بين آيران الدَّاعِم الرئيسي لحِزب الله، والولايات المتحدة بَعد انسحاب الأخيرة من الاتِّفاق النَّوويّ.

لا نَعتقِد أنّ السيِّد نصر الله لن يَعرِف النَّوم قَلقًا من هذهِ العُقوبات، وتأثيراتِها على أرصِدَتِه الماليّة في البُنوك الأمريكيّة أو الأوروبيّة، لأنّه وحَسب معلومات مُوثَّقة لدينا، لا يَملُك أيَّ حِسابٍ في المَصارِف اللبنانيّة أو غير اللبنانيّة باسمِه، ولا يَعرِف شَيء اسمه البِطاقات الائتمانيّة، أو دفاتِر الشِّيكات، ولا يَزيد راتِبُه من الحِزب عن 1300 دولار، باعترافِه في حَديثٍ أجرَته مَعه مَحطَّة “الميادين” الفَضائيّة.

السيِّد نصر الله لا يَملُك اليُخوت الفارِهة، ولا الطَّائِرات الخاصَّة، ولا يقضي إجازته الصَّيفيّة على شواطِئ الرِّيفيرا الفرنسيّة، والشَّتويّة في جُزر المالديف أو مُنتجعات سيشل، وإنّما بين أتباعِه في الضَّاحِية الجنوبيّة، أو في جِبال جنوب لبنان الشَّامِخة التي يَطُل مِنها على أراضي فِلسطين المُحتلَّة، ويَستَنشِق هواءها النَّقيّ، مُنتَظِرًا يوم التَّحرير الأكبَر، وهُو قادِمٌ حَتمًا.

ما يُقلِقنا هو التزام مركز مُكافَحة تمويل الإرهاب الخليجي، ودُوَلِه السِّت بتَطبيق هذهِ العُقوبات، الأمر الذي قد يُعرِّض عَشرات الآلاف من الأشقاء اللُّبنانيين للكثير من المَتاعِب فيها، بِحُجَّة الانتماء إلى “حزب الله”، أو إقامَة علاقاتٍ ماليّة أو تَعاطُفيّة معه، فالقانون غائِب في مُعظَم هذهِ الدُّوَل، والقَضاء العادِل من المُستحيلات السَّبع في غالبيّتهما، وأوامِر الاعتقال ومِن ثُمَّ التَّرحيل تَصدُر في دَقائِق، والتَّنفيذ في ساعاتٍ مَعدودة، حتّى لو كانَت التُّهمَة مُخالَفة سَير، أو قَطعِ إشارةِ مُرور.

***

السيِّد نصر الله ورِفاقُه مُستَهدَفون لأنّهم هَزَموا إسرائيل مَرَّتين، الأولى عِندما أجبَروا قُوَّاتِها على الانسحاب مِن طَرَفٍ واحِد عام 2000، والثَّانِية عندما تَصدُّوا لعُدوانِها بِرُجولة في تموز (يوليو) عام 2006، ولو كانَ الحِزب تَدخَّل في سورية تحت الرَّايَةِ الأمريكيّة لهَطَلت عليه المِليارات مِثل المَطر، ولكنّه قرَّر الوُقوف في خَندق المُقاومة، وإفشال المُخطَّط الأمريكيّ الإسرائيليّ بتَفتيت سورية على غِرار ما حَدث في ليبيا واليَمن والعِراق.

نحن على ثِقَةٍ بأنّ تأثير هذهِ العُقوبات سَيكون مَحدودًا جدًّا، إن لم يَكُن مَعدومًا، وفَرضِها وغيرها، كان مُتوقَّعًا، في ظِل أجواء الحَرب التي تَقرع طُبولَها حاليًّا أمريكا وإسرائيل وحُلفاؤها العَرب القُدامى الجُدد، ولا يُخامِرنا أي شَك بأنّها لن تُرهِب السيِّد نصر الله ورِفاقُه، وربّما لا نُبالِغ إذا قُلنا أنّ الخَوف والهَلع يتصاعَد حاليًّا في صُفوف من فَرَضوها.

من اختارَ السَّير على دَربِ المُقاومة، وقَدَّم ابنه شَهيدًا، ويَنتَظِر هو نفسه الشَّهادة في أيِّ لحظةٍ، لا نعتقد أنّه يتوقَّف لَحظةً أمام هَذهِ العُقوبات، وسَيكون النَّصر حَليفُه بإذنِ الله.. والأيّام بَيْنَنَا.

عطوان: ما هِي خَطوات ترامب القادِمة بعد إلغائِه الاتِّفاق النَّوويّ

ربّما تكون حالة الهُدوء الحاليّة على الجَبهةِ السُّوريّة بعد مَعرَكِة تبادُل الصَّواريخ فَجر الخميس الماضي بين إيران وإسرائيل “مُؤقَّتةً”، لأنّها تأتي في سِياقٍ أضخم وأكثر تعقيدًا، ونتيجةَ صَفقةٍ عَقدها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زِيارته لموسكو يوم الأربعاء الماضي، من غَير المُعتَقد أن تُعمَّر طَويلاً، لأنّ موسكو لن تَستطيع الاستمرار في مَسك العَصا من الوَسَط لفَترةٍ طَويلة.

السُّؤال الذي يتردَّد بقُوَّةً هذهِ الأيّام في العواصِم الغربيّة يتمحور حول خَطوات الرئيس دونالد ترامب المُقبِلة بعد إلغاء الاتِّفاق النَّوويّ مع إيران، والدَّور الإسرائيليّ المُتوقَّع في المَرحلةِ المُقبِلة.

هُناك خياران مُترابِطان أمام الرئيس الأمريكي، أحدهما يُؤدِّي إلى الآخَر:

ـ الأوّل: أن يتم تفكيك الاتِّفاق وإعادة التَّفاوض عليه مُجدَّدًا، بحيث يتضمَّن النَّص الجديد وَقف مُطلَق ودائِم لتَخصيب اليورانيوم ودون تحديد أيِّ سقفٍ زمنيٍّ، وهذا التَّفكيك لا يُمكِن أن يتم إلا بمُوافَقة أو استسلام إيراني.

ـ الثَّاني: البِدء باتِّخاذ خَطواتٍ عمليّة لتَغيير النِّظام في طِهران بدءًا بفَرض حِصار خانِق يُؤدِّي إلى انهيار الاقتصاد، ودَفع الشَّعب الإيراني إلى الثَّورة، في حال فَشل الخِيار الأوّل، ونَفَّذَت إيران تهديداتِها بالعَودة إلى التَّخصيب.

***

الرئيس ترامب يَعتقِد أنّ إجراءات الحِصار المُوجِعة ربّما تَدفع القِيادة الإيرانيّة إلى الرُّضوخ لمَطالِبه والجُلوس إلى مائِدة الحِوار تمامًا مِثلما حصل مع كوريا الشَّماليّة ورئيسِها كيم جونغ أون، مِثلما يُروِّج المُقرَّبون مِنه.

لا نُجادِل مُطلقًا بأنّ الحِصار على كوريا الشَّماليّة كان قاسِيًا فِعلاً، وإذا كانت قَسوته هي الدَّافِع الفِعلي لرَئيسِها للقُبول بالمُفاوضات، فإنّ الأمر استغرق أكثر من عَقدين على الأقل قَبل أن يُعطِي مَفعوله، مُضافًا إلى ذلك أنّه لم يَمنع السُّلطات الكُوريّة الشَّماليّة من الاستمرار في تجارِبها وإنتاج رؤوس نوويّة، وصواريخ باليستيّة يُمكِن أن تُوصِّلها إلى الهَدف الذي تُريد، وربّما يُفيد التَّذكير أيضًا بأنّ الرَّئيس الكوبي فيدل كاسترو استطاع أن يُقاوِم الحِصار الأمريكي أكثر من خمسن عامًا ولم يَستسلِم.

ما يُمكِن قوله استنادًا إلى ما تقدَّم، أنّ الرِّهان على الحِصار لتَركيع القِيادة الإيرانيّة غير مَضمون النِّتائج، وأنّ ترامب نفسه قد لا يُعمِّر في السُّلطة حتى يَتحقَّق هذا الهَدف على أيِّ حال، ولهذا لا نَستبعِد أن يتم الانتقال إلى الخِيار العَسكريّ لتغيير النِّظام بالقُوّة، وإسرائيل تدفع بقُوّة في هذا الاتجاه، ولا نَستبعِد أن يكون القَرار قد اتُّخِذ فِعلاً، ويمكن الاستناد إلى أمرين مُهمَّين يُرجِّحان هذهِ النَّظريّة:

ـ الأوّل: مقال كتبه جون كريكاو، الضابط السابق في وكالة المُخابرات المَركزيّة (سي أي إيه) قبل يومين في موقع “كونسريتوم نيوز″، قال فيه أنّه بعد استدعائِه من باكستان حيث كان يُقاتِل تنظيم “القاعدة”، إلى مقر الوكالة في ربيع عام 2002، أبلغه رئيسه أنّ البيت الأبيض اتَّخذ قرارًا بغَزو العِراق والإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين في شباط (فبراير) عام 2003، وإنشاء أكبر قاعِدة أمريكيّة في جَنوبِه، وأضاف “إتُّخِذ القرار وبَدأت بعدها مرحلة البَحث عن الذَّرائِع، والسِّيناريو العِراقي يتكرَّر حاليًّا في إيران”.

ـ الثَّاني: تصريح خطير أدلى بِه جون بولتون، مُستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ الجديد في خِطابٍ ألقاه في مُؤتمر للمُعارضة الإيرانيّة، (مُجاهدي خلق) في باريس ونَقلته صحيفة “الفايننشال تايمز” وقال فيه “أنّ حُكم الملالي في إيران لن يَحتَفِل بالعيد الأربَعين (11 فبراير) الذي يُصادِف شتاء عام 2019، وسَنراكُم هُناك في طِهران).

مرحلة جمع الذَّرائِع لتبرير أي عُدوانٍ أمريكيٍّ على إيران بدأت قَبل أن يُلغِي ترامب الاتِّفاق، من خِلال حملات إعلاميّة مُكثَّفة تقودها إسرائيل وحُكومات عربيّة تتَّهِم إيران بخَرق الاتِّفاق، وإقامَة مراكز سريّة لتَخصيب اليورانيوم، وتهديد أمن واستقرار الشَّرق الأوسط بَل والعالم بأسرِه، من خِلال دعمها لمُنظَّمات إرهابيّة، أبرزها تنظيم “القاعدة”، ولم يَكُن من قبيل الصُّدفة أن يُقَدِّم نتنياهو عَرضه لما أسماه وثائِق البرنامج النَّووي الإيراني قبل أيّامٍ من قرار ترامب.

لا نَستبعد أن تكون إسرائيل التي بَدأت الحرب ضِد إيران على الأراضي السُّوريّة، رأس حِربة في الحَرب الأمريكيّة القادِمة ضِد إيران، ونَذكر جيِّدًا أن ديك تشيني، نائب الرئيس جورج دبليو بوش، واحِد من أبرز مُهندِسي الحَرب على العراق، قال قبل بِضعة أسابيع من مُغادَرته البيت الأبيض (نوفمبر 20018)، بعد فوز الرئيس باراك أوباما في الانتخابات الرئاسيّة، أنّ الحَرب المُقبِلة ستكون ضِد ايران، وأمريكا لن تُشعِل فتيلها، ولكن إذا هاجمت إسرائيل طِهران فإنّها، أي أمريكا، ستَقِف إلى جانِبها.

الرئيس ترامب ردَّ على التَّهديدات الإيرانيّة باستئنافِ تخصيب اليورانيوم فور إلغاء الاتِّفاق بالتَّحذير مِن “عواقِبٍ وَخيمة” إذا أقدمت إيران على هذهِ الخُطوَة.

مايك بومبيو، وزير الخارجيّة الأمريكي الجَديد سيبدأ بالحَشد للحَرب في أوروبا والخليج والشَّرق الأوسط، بالطَّريقةِ نفسها الذي فَعلها كولن بأول قبل الحرب على العراق، ولن نَستغرِب خُروجه على شاشات التَّلفزة مُلوِّحًا بوثائِق وصُور تُؤكِّد وجود مراكز تخصيب سِريّة إيرانيّة على طريقة نتنياهو.

الجِنرال محمد علي الجعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، كان مُصيبًا في رأينا عندما تَوقَّع أمس وبعد ترحيبِه بإلغاء ترامب للاتِّفاق، أن يَحذوا الأوروبيّون حذو الرئيس الأمريكي، ويَقِفوا في خَندقِه في نِهاية المَطاف، وما لم يَقُله أو كاد “أن الكُفر مِلَّة واحِدة”.

***

لا نَعرِف كيف سيكون ردَّ الإيرانيين على كُل هذهِ السِّيناريوهات التَّهديديّة، وما نَعرفه أن الرئيس ترامب وصُقورِه ابتداءً من بومبيو وانتهاءً ببولتون أحرجوا المُعتدلين، وقَوَّضوا قاعِدتهم الشَّعبيّة، ولمَصلحة الجَناح المُتشدِّد في طِهران الذي لم يكن مُطلَقًا من بين المُؤيِّدين للاتِّفاق النَّوويّ.

ربّما يكون التَّهديد الذي أصدره العميد عباس سدهي رئيس مكتب العلاقات الشعبيّة في القُوّات المُسلَّحة الإيرانيّة الذي قال فيه أنّه “إذا هاجم الكيان الصهيوني إيران فإنّ عليه أن يعلم بأنّ تسوية حيفا وتل أبيب بالأرض سَتكون أمرًا حتميًّا”، مُضيفًا “أنّ العَدو يُعلِن جيِّدًا، أنّ “عهد أُضرب واهرُب” قد ولَّى، وأن القُوّات المُسلَّحة والحَرس الثوري على استعدادٍ لتَنفيذ أيِّ استراتيجيّة يُوعِز بِها قائِد الثَّورة”.

 

لدينا إيمانٌ راسِخ بأنّ الحَرب المُقبِلة سَتكون مُختلِفة، وأنّ إسرائيل لن تَنتصِر فيها، وأن بولتون لن يَحتفِل بهَزيمة الثورة الإيرانيّة العام المُقبِل في طِهران.. وما علينا إلا الانتظار.

عطوان: لماذا تراجَعت روسيا عن وُعودِها بتَسليمِ مَنظومة صواريخ “إس 300” لسُوريَة؟

بعد العُدوان الثُّلاثيّ الأمريكيّ الفَرنسيّ البِريطانيّ على سورية يَوم 14 نيسان (إبريل) الماضي الذي استَهدف مواقِع عَسكريّة بأكثَر من 103 صواريخ، صَرَّح سيرغي لافروف، وزير خارجيّة روسيا، بأنّ بِلادَه لم تَعُد مُلزَمةً أخلاقيًّا بعَدم تسليم الجَيش السُّوريّ مَنظومة صَواريخ “إس 300” المُضادَّة للطَّائِرات، وأكَّد مَصدرٌ سوريٌّ عَسكريٌّ أنّ قَرارًا صَدر بِتَسليم هذهِ الصَّواريخ مَجًّانًا كَرَدٍّ على هذا العُدوان، وللتَّصدِّي لأيِّ عُدوانٍ قادِم.

أثار هذا المَوقِف الرُّوسيّ ارتياحَنا والكَثير من أمثالِنا الذين لا يَقبلون الظُّلم والعُدوان والإهانات لسُوريَة أو لأي بَلدٍ عَربيٍّ مُسلِم، ولكنّه أثارَ في الوَقتِ نَفسِه قَلَق القِيادة الإسرائيليّة بشَقَّيها السِّياسيّ والعَسكريّ، حتّى أنّ إفيغدور ليبرمان وزير الحَرب الإسرائيليّ هدًّد بأنّ سِلاح الجَو الإسرائيليّ وصَواريخِه ستَقصِف هذهِ المَنظومات في العُمق السُّوريّ مهما كانَت النَّتائِج.

جيش الاحتلال الإسرائيليّ شَنًّ ثلاثة اعتداءاتٍ بالصَّواريخ على سورية في أقل من عَشرةِ أيّامٍ، إحداها عندما كان بنيامن نتنياهو يَزور موسكو ويلتَقِي الرئيس فلاديمير بوتين مَساءَ الأربعاء الماضي، ولم نُشاهِد أيَّ أثَرٍ لمَنظومة “إس 300” تتصدَّى لهذا العُدوان الإسرائيليّ على أهدافٍ عَسكريّةٍ سُوريّةٍ وإيرانيّةٍ، الأمر الذي أثار العًديد من علاماتِ الاستفهام.

***

أمس تَطوَّع فلاديمير كوجين، مُساعد الرئيس الروسي لشُؤون التَّعاون العَسكريّ والتِّقنيّ، بالإجابةِ عن هذهِ التَّساؤلات وحَل هذا اللُّغز في تَصريحٍ لصحيفة “إيزفيستيا” الرُّوسيّة الرسميّة، عندما نَفى تَسليم روسيا لهَذا النَّوع من الصَّواريخ المُتقدِّمة إلى سورية، مُبرِّرًا هذهِ الخُطوَة بالقَول “أن لدى سورية مَنظوماتِ دِفاعٍ جَويٍّ مُختَلفة سوفيتيّة وروسيّة حَديثة مثل منظومة “بانتسير” أظهرت جَميعًا نجاعَتها من خِلال التَّصدِّي للهُجوم الصَّاروخي للعُدوان الثُّلاثي”.

هذا التَّصريح، ومِن مَسؤولٍ روسيٍّ في هذا المَنصِب الرَّفيع، وفي هذا التَّوقيت، يعني أنّ القِيادة الرُّوسيّة تراجَعت عن وُعودِها السَّابِقة في تَسليم صواريخ “إس 300” إلى الجيش السُّوري لأسبابٍ ما زالَت خافِيةً علينا، فهل نَجح نتنياهو في إقناعِ القِيادة الروسيّة بعَدم تقديم هذه الصَّواريخ لسورية عندما زار موسكو الأربعاء الماضي، أم أنّه وجَّه إليها تهديدات إسرائيليّة، وربّما أمريكيّة بقَصفِها، وجَر روسيا بالتَّالي إلى حَربٍ مع البَلدين على الأرضِ السُّوريّة؟

لا نَعرِف بالضَّبط ما حَدث، ولم تَصدُر أي تصريحات روسيّة حول البَديل الذي حَصلت عليه موسكو مُقابِل التراجع عن تَسليم هذا النُّوع المُتطوِّر من الصَّواريخ لروسيا، ولكنَّنا نَستبعِد في الوَقتِ نَفسِه أن يَتجرَّأ نتنياهو على تِكرار تهديدات وزير حَربِه ليبرمان لروسيا بقَصف بطَّاريّات صواريخها في سورية، فلُغَة التَّهديد ربّما لا تُجِدي نًفعًا مع الرئيس بوتين، المَعروف باعتدادِه بِنَفسِه، والتَّمَتُّع بأعلى دَرجاتِ الكَرامة.

سورية، وفي ظِل الغارات الصَّاروخيّة الإسرائيليّة المُتزايِدة على أراضيها، باتَت في حاجَةٍ ماسَّةٍ إلى هذهِ المَنظومات الدِّفاعيّة الرُّوسيّة المُتقدِّمة، للدِّفاع عن نَفسِها، وعدم استجابة القِيادة الرُّوسيّة لمَطالِبها المُلِحَّة في هذا الصَّدد يحتاج إلى تَفسيرٍ من قِبَل القِيادة الرُّوسيّة لقِطاعٍ عَريضٍ من “الرأي العام” العَربيّ الذي يرى فيها حَليفًا مَوثوقًا يُمكِن الاعتماد عليه، فسوريا أولى من تركيا، أو أي دَولةٍ أُخرى في المِنطَقة باتَت على وَشَك الحُصول على مَنظوماتِ صواريخ أكثر تَطوُّرًا، أي “إس 400”.

نُدرِك جيّدًا أنّ القِيادة الرُّوسيّة لا تُريد أن تَنجَر إلى حَربٍ عالميّةٍ ثالِثة مع أمريكا وإسرائيل وحِلف النِّاتو، مِثلَما نُدرِك أيضًا أنّ علاقاتِها مع دَولة الاحتلال الإسرائيلي قَويّة جِدًّا، وتُريد الحِفاظ عليها، ولكن ما نُحَذِّر مِنه في الوَقتِ نَفسِه، هو أنّ إسرائيل باتَت تَبتَز روسيا، وتتطاوَل عليها، وتَتجرَّأ على تَوجيهِ التَّهديدات المُهينة لها، وتُقدِم على غاراتٍ صاروخيّةٍ تَهدِف إلى إحراجِها، ونَسف إنجازاتِها في سورية على مَدى السَّنوات السَّبع الماضِية الأمر الذي يَتطلَّب مَوقِفًا حازِمًا يَرتَقِي إلى مَكانَة روسيا كدَولةٍ عُظمَى تستعيد مكانَتها في العالم بِشَكلٍ مُتسارِع.

***

هَذهِ العَربدة الإسرائيليّة يَجِب أن تتوقَّف، ويُوضَع لها حَد فَورًا، ومن القِيادة الرُّوسيّة على وَجه التَّحديد، وأوَّل خُطوَة في هذا المِضمار تَزويد سورية وإيران بِمَنظومة صواريخ “إس 300” لمَنع مِثل هذهِ الانتهاكات الإسرائيليّة لأجوائِها، االهم إلا إذا حَصلت القِيادة الرُّوسيّة على تَعهُّدٍ إسرائيليٍّ صُلب بِوَقف هَذهِ الانتهاكات، وهذا ما نَشُك فيه بِحُكم مَعرِفَتنا بالغَطرسةِ الإسرائيليّة، وعَدم التزامِها بأيِّ عُهودٍ مَدعومةٍ بالرَّئيس دونالد ترامب وصِهرُه جاريد كوشنر.

نأمَل أن نَسمَع في الأيّام المُقبِلة حلًّا رُوسيًّا مُقنِعًا لهذا اللُّغز الإسرائيليّ، ويُسعِدنا أكثَر أن تَفِي بِتَعهُّداتِها وتُسَلِّم هذهِ المَنظومة لسُوريَة في أسرعِ وَقتٍ مُمكن، في ظِل التَّوتُّرات الحاليّة في المِنطَقة والتَّوَقُّعات بِحُدوثِ عُدوانٍ إسرائيليٍّ وَشيك.

عطوان: نعم.. بَدأت مَرحَلة مُواجَهة الأُصَلاء بعد هَزيمَة الوُكَلاء.. وأن تَصِل الصَّواريخ الإيرانيّة إلى هَضبة الجُولان المُحتَل وتَفشَل القُبّة الحَديديّة في اعتراضِ مُعظَمِها تَطوُّرٌ غَيرُ مَسبوقٍ..

ليس جَديدًا أن تَقصِف الصَّواريخ الإسرائيليّة أهدافًا عَسكريّةً في العُمقِ السُّوريّ، فقد أغارَت طائِراتُها أكثَر مِن مِئة مرّة في السَّنواتِ القَليلةِ الماضِية على هذهِ الأهداف، وباعترافِ قائِد طَيرانِها العَسكريّ، ولكن الجَديد، وغير المَسبوق، أن تَصِل الصًّواريخ الإيرانيّة إلى هضبة الجولان، وتَفشل القُبّة الحَديديّة الإسرائيليّة في اعتراضِ عَددٍ مِنها باعترافِ إفيغدور ليبرمان، وزير الحَرب الإسرائيليّ، عندما قال أنّ “بعض” هذهِ الصَّواريخ تَم اعتراضها وتَدميرها، والبَعض الآخر لم يَصِل إلى الأهداف العَسكريّة التي أرادَ تَدميرَها.

فإذا كانت القُبّة الحَديديّة فَشِلَت في التَّصدِّي لعِشرين صاروخًا إيرانيًّا أطلقها مِحور المُقاومة من طِراز “غراد” و”فجر” “المُتواضِعة” وهُما نِتاج صناعته العَسكريّة، فكيف سَيكون حال هذهِ القُبّة، وإذا ما جَرى إطلاق عَشرات الآلاف من الصَّواريخ “المُتقدِّمة” دُفعَةً واحِدة، ومن أكثر من مَصدَر؟

الوزير ليبرمان يكذب كعادَتِه عندما قال أنّ الصَّواريخ التي أطلقتها طائِراتِه دَمَّرت البُنيَة التَّحتيّة العَسكريّة الإيرانيّة في سورية بالكامِل، لسَببين: الأوّل أنّ نِصف هذهِ الصَّواريخ (80 صاروخًا) جَرى اعتراضها حسب بيان وزارة الدِّفاع الرُّوسيّة، والثَّاني أنّ مِئة غارة إسرائيليّة استهدَفت البُنَى التَّحتيّة لسُورية ولحزب الله على مَدى السَّنوات القَليلةِ الماضِية، ودُون أن يَعتَرِضها أحد، فَشِلت في القَضاء عليها، وتَضخَّمَت هذهِ “البُنى” بِشكلٍ لافِتٍ في السَّنواتِ الأخيرة.

***

لا نُجادِل مُطلقًا في أنّ هذهِ الهَجمات الصَّاروخيّة المُتبادَلة تَضع إيران وإسرائيل على حافَّةِ حَربٍ شامِلة بين أقوى قُوَّتين إقليميَّتين في مِنطقة الشَّرق الأوسط، فهذهِ هي المَرَّة الأولى التي تَدخُل فيها إيران الحرب بشَكلٍ مُباشر ضِد إسرائيل، في وَقتٍ يُطَبِّع مُعظَم العَرب العَلاقات معها استسلامًا، ويُسانِد بعضهم هذهِ الضَّربات الإسرائيليّة في وَضَح النَّهار دُونَ خَجَلٍ أو حَياء.

خَسائِر هذهِ المُواجَهة الصَّاروخيّة بين مِحور المُقاومة وأذرُعِه ودولة الاحتلال ما زالَت غَير معروفة، فسورية اعترفت رسميًّا باستشهادِ ثلاثة عَسكريين، وتَدمير رادار  وبعض المَخازِن، (مركز حقوق الإنسان السُّوري المُقرَّب من المُعارَضة تَحدَّث عن مَقتَل 23 شَخصًا من بينهم 18 إيرانيًّا)، بينما تَكتَّمت السُّلطات الإسرائيليّة على خسائِرها، ولكن المِعيار الحقيقي ليس في الخَسائِر البَشريّة والمادِيّة، وإنّما في الخَسائِر المَعنويّة في هذه الحالة، وفي الجانِب الإسرائيلي تحديدًا، فأن يَجري فتح المَلاجِئ في هضبة الجُولان المُحتَل، ونُزول آلاف المُستوطنين إليها احتماءً من الصَّواريخ يعني الكثير لدَولةٍ قَلِقة مَرعوبة لا تَشعُر بالأمن والاستقرار وتَخشى من الحاضِر قبل المُستقبل.

أكثر ما كان يُقلِق القِيادة الإسرائيليّة في شَقَّيها السِّياسيّ والعَسكريّ، أن تتحوَّل سورية إلى جَبهةِ مُواجَهة، في وَقتٍ استسلمت “دُوَل المُواجَهة” العَربيّة سابِقًا ورَضخت للإملاءات الإسرائيليّة والأمريكيّة، ووقَّعت “اتِّفاقات سلام”، بِما في ذلك قِيادة مُنظَّمة التَّحرير الفِلسطينيّة، والغارات الصَّاروخيّة التي استهدَفت الجُولان السُّوري المُحتَل تُؤكِّد حُدوث ما كانت تَخشاه هذهِ القِيادة، وبات الجِنرال قاسم سليماني رئيس فيلق “القدس” يَتربَّع في مَقرِّه الجديد قُرب حُدود فِلسطين المُحتلَّة مع سورية ويَضَع خُطَط الهُجوم، بالتَّنسيق مع حُلفائِه وذِراعِه الضَّارِب في جَنوب لُبنان.

ما حَدث فجر اليوم الخميس هو مُجرَّد “بروفَة” مُصَغَّرة في إطار “سيناريو مُواجَهة” أكبر قد نَرى تفاصيله المَيدانيّة في الأيّام والأسابيع المُقبِلة، وهو سيناريو يُثير هلع الإسرائيليين، مُستَوطنين كانوا أو حُكوميين مَعًا.

***

نتنياهو وترامب اتَّفقا أثناء زِيارة الأوّل لواشنطن في آذار (مارس) الماضي، على مُخطَّط دَموي لاستنزاف النِّظام الإيراني تَمهيدًا لتَغييره، ولكن فُرَص هذا المُخطَّط في النَّجاح تَبدو مَحدودةً حتى الآن، وخاصَّةً بعد الانتكاسةِ الأخيرة لأصحابِه على الأرضِ السُّوريّة.

السُّؤال الذي يَطُل برأسِه وَسَط رُكام الصَّواريخ الإيرانيّة، والإسرائيليّة، هو حَول غِياب مَنظومات الصَّواريخ الرُّوسيّة من طِراز “إس 300” في هذهِ المَعركة، ولماذا لم تَفِ موسكو بوعودِها إلى سورية بتَزويدِها بمِثل هذهِ المَنظومات في ظِل تَزايُد الاعتداءات الإسرائيليّة؟

هل نَجحَت زِيارة نتنياهو الأربعاء إلى موسكو، واللِّقاء الذي جَمعَهُ مع الرئيس بوتين في مَنع أو تَأجيل تسليم هَذهِ الصَّواريخ؟

لا نَملُك إجابةً، وكل ما صَدَر عن القِيادة الرُّوسيّة حتى الآن هو مُطالَبة الجانِبين الإيراني والإسرائيلي بِضَبط النَّفس، وهذا في تَقديرِنا “غَيرُ كافٍ” لأنّ إسرائيل هِي المُعتَدِية، وهي التي تَستهدِف المَواقِع السُّوريّة والإيرانيّة مَعًا.

السيِّد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله” كان أوّل من تَنبَّأ بهذا التَّطوُّر العَسكريّ والسِّياسيّ المُزَلزِل عندما قال في آخر خِطاباتِه (قبل أربعة أيّام) بأنّ مَرحلة مُواجَهة الأُصَلاء (إسرائيل أمريكا وبَعض حُلفائِهم العَرب) بَدأت، بعد هَزيمةِ الوُكَلاء، ولا نَستبعِد أن يكون مَصير “الأُصَلاء” نفَس مصير “الوُكَلاء” أيضًا.. أو هكذا نَأمَل.. والأيّام بَيْنَنَا.