هل يمكن لواشنطن وطهران التعاون في رسم شرق أوسط جديد؟

0
75

على غرار سجينين متخاصمين فرا معاً مقيدان إلى بعضهما البعض، ويواجهان المصير نفسه، فإن إيران وأميركا ماضيتان في تبادل الكراهية، ومحكومتان بالحوار وحتى التعاون في منطقة لا يمكن لأيٍ منهما رسم معالمها منفردةً.

هذا ما يقول الباحثان أندرو غيلمور وطوم بالايما مؤكدين أن تجنب واشنطن وطهران نزاعاً مسلحاً أوسع، والانهيار التدريجي للاتفاق النووي يعيدان التركيز على مسار ديبلوماسية أميركية إيرانية جديدة.

مستوى جديد من المواجهة.. الانسحاب الأميركي أم الإيراني أوّلاً؟

الخارجية الإيرانية: طهران لا تسعى للحرب مع أميركا

ولفت الباحثان إلى أنه يمكن للتاريخ أن يكون مفيداً. فالمواجهة الفارسية القديمة مع الغرب بدأت باندفاعة في أواسط القرن السادس قبل الميلاد من قلب الأراضي الإيرانية. وتمثلت النتيجة المدهشة في تعزيز التنوع الثقافي وتبادل العداء بين ممالك شكلت امبراطورية تضم إيران الحالية، والعراق، وسوريا، ولبنان و”اسرائيل”، وتركيا.

كما أضيفت إليها أجزاء من أوكرانيا، وبلغاريا، ورومانيا، في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد. واعتمد هذا النجاح المدهش على ديبلوماسية داخلية ماهرة، وإدارة فعالة من قبل حكام كانوا يشكلون عيون ملوك الفرس وآذانهم.

قصة بلاد فارس

وفي رأي الكاتبين، ليس مستغرباً أن صراع بلاد فارس مع الغرب في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، كان منافسة ونزاعاً. وتبدأ القصة مع سرد هيرودوتس للحروب الفارسية في 490 و480 و479 قبل الميلاد، والتي لا تزال تشكل مفهومنا المعاصر حتى الآن.

 لكننا نتجاهل الحالات المسجلة من التعاون والتعايش المحترم، والتبادل الثقافي في هذين القرنين، وهي نماذج وسوابق يمكن أن تمتد إلى تصورنا للتنافس الأميركي الإيراني اليوم. وذلك، من شأن نوع التاريخ الذي ستختار إيران والولايات المتحدة أن تؤطرا فيه ديبلوماسيتهما المستقبلية، أن يرسم حدود الحوار وكذلك القضايا الصعبة للتفاوض عليها.

بداية غير جيدة

واعتبر الباحثان أن البداية غير جيدة عندما يقفز التاريخ الحديث، المفعم بالعداوات، والإذلال المتبادل بعد الثورة الإيرانية في 1979، إلى الواجهة.

يبدو كأن الطرفين خرجا من العدم في هذه اللحظة وعلم كل منهما بوجود الآخر. وتكرر الولايات المتحدة أن إيران أخذت ديبلوماسيين أميركيين رهائن، وقتلت جنوداً أميركيين في العراق، ونشرت التشدد الشيعي، وتهدد “إسرائيل”.

ومن وجهة النظر الأميركية، فإن أدوات الثورة الإيرانية هي متابعة برنامج نووي، ورعاية الإرهاب، وتهديد طرق إمدادات الطاقة العالمية في الخليج.

مقاومة الهيمنة الأميركية!

وأضاف الكاتبان أن إيران في المقابل لا تعتذر، وترى أنها القوة الإقليمية الوحيدة التي تقاوم الهيمنة الأمريكية، بأفكارها السياسية، وبأشكال من الحكم الديني، وباستعراض القوة.

 ويُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها العدو الخارجي الذي ينتهك السيادة الإيرانية بدعمها قمع الشاه وأنها تسعى اليوم إلى إحباط الثورة التي بدأت مع الإطاحة بنظام الشاه.

وينظر إلى واشنطن على أنها تحمي إسرائيل المنافس الإقليمي لإيران، وتنشر البحرية الأميركية المعادية قبالة السواحل الإيرانية وجنوداً في العراق المجاور، وتسعى إلى احتواء التطور الاقتصادي لإيران منذ عقود بالعقوبات.

وبالنسبة إلى الطرفين، فإن الكون الجيوسياسي عمره 40 عاماً، وهما يترددان في الخوض في نقاش علني حول تعاونهما التكتيكي للخلاص من دولة تنظيم داعش. وهذا ما يبقي إطار عام 1979 مهيمناً.

وخلص الكاتبان إلى أنه عوض البقاء ثابتين في ذهنية هيرودوتس القائمة على العداء بين الشرق والغرب، يمكننا الأخذ في الاعتبار ما نمتلكه من إمكانات ومصادر كانت للامبراطورية الفارسية بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد.وإيران اليوم هي أثينا ذلك الزمان بمصادرها المحدودة.

وحسناً نفعل إذا اعتمدنا نموذجاً عملياً من العلاقات السياسية في الوقت الذي تتغير فيه الظروف الإقليمية.

من تهديد إلى عامل توازن

وبعد بضعة عقود في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، تحولت بلاد فارس من تهديد وجودي إلى عامل توازن أو ما يسميه البعض، وسيطاً في الشؤون اليونانية.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، غزا الإسكندر الأكبر الأمبراطورية الفارسية التي تحولت في نتيجة كارثية، إلى تبادل سياسي وثقافي غير مسبوق.

وحتى الانشقاقات الدينية والنزاعات العسكرية بين البيزنطيين، والفرس الساسانيين، في القرن الخامس الميلادي تميزت بديبلوماسية على مستوى عالٍ، وبتبادل ترجمات النصوص العلمية والدينية التي كانت تختزنها بيزنطية.