هل قصف قاعدة “عين الأسد” الأمريكيّة الأضخم في العِراق يعني بدء تخلّي إيران عن نظريّة “الصّمت الاستراتيجي” لرفع العُقوبات؟

0
76

يُجَسِّد الهُجوم الصّاروخي “الغامِض” الذي استهدف قاعدة “عين الأسد” الأمريكيّة في مِنطقة الأنبار غرب العِراق كسرًا لسِياسة “الصّمت الاستراتيجي” الذي التزمت بها السّلطات الإيرانيّة طِوال السّنوات الماضية، وخطوة مُهمّة على طريق الإيفاء بوعودها بإخراج جميع القواعد والقوّات الأمريكيّة من العِراق والمِنطقة انتقامًا لمقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

هذا الهُجوم الذي تَمّ بعشرة صواريخ فجر اليوم الأربعاء حسب بيان للجيش العِراقي، هو الثّاني من نوعه بعد هُجومٍ آخَر قبل أُسبوعين على قاعدة جويّة أمريكيّة في قلب مطار أربيل عاصمة إقليم كردستان، وأدّى إلى مقتل أحد المُتعاقِدين وإصابة ما يَقرُب من عشرة آخرين، ولا ننسى الهُجوم الأكبر الذي استهدف القاعدة نفسها التي زارها الرئيس ترامب خفيةً ردًّا على اغتِيال اللواء سليماني مُباشرةً في كانون ثاني (يناير) عام 2020.

هذه الصّواريخ التي جرى إطلاقها من منطقة ريفيّة تَبعُد ثمانية كيلومترات من القاعدة الأمريكيّة الأضخم والأكثر تحصينًا، من المُرجّح أن تَقِف خلفها حركة عراقيّة مُوالية لإيران، أرادت الانتقام لغارة أمريكيّة استهدفت قاعدةً لها قُرب الحُدود السوريّة العِراقيّة قبل بضعة أيّام ممّا أدّى إلى مقتل أكثر من عشرين من كوادرها.

عندما نقول إنّ السّلطات الإيرانيّة بدأت تتخلّى تدريجيًّا عن سياسة “الصّبر الاستراتيجي”، وعبر حُلفائها في العِراق، وربّما لاحقًا في سورية واليمن وجنوب لبنان في المرحلة الأولى، فإنّنا نَقصِد أنّها بهذا القصف الصّاروخي، ولقاعدةٍ أمريكيّة، انتقلت إلى مرحلة الرّد، ليس فقط على الهجمات الأمريكيّة، والأُخرى الإسرائيليّة وإنّما أيضًا على الكثيرين في المحور الأمريكي، الذين ظلّوا يُعايرونها بامتِصاص الضّربات المُهينة وعدم الثّأر لضحاياها سواءً اللواء سليماني أو عُلماء الذرّة البارزين، وآخِرهم محسن زادة، حسب أقوال أحد اللّبنانيين المُقرّبين من القِيادة الإيرانيّة.

الهُجوم الأخير على السّفينة الإسرائيليّة في خليج عُمان، والهجمات بالمُسيّرات المُلغّمة على قصر اليمامة السعودي في الرياض، وبالصّواريخ على مطار أبها وقاعدة خميس مشيط السعوديّة، كلّها تأتي في إطار التوجّه الإيراني الجديد المُباشر وغير المُباشر، وهذا ما يُفَسِّر الزيارة المُفاجئة التي قام بها الفريق أوّل الركن فياض الرويلي رئيس هيئة أركان الجيش السعودي إلى بغداد يوم أمس لبحث “مِلفّات مُشتركة” أبرزها تأمين الحُدود بين البلدين مع نظيره العِراقي الفريق عبد الأمير يار.

السعوديّة تخشى أن تتحوّل الأراضي العِراقيّة إلى مِنصّةٍ لإطلاق صواريخ وطائرات مُسيّرة مُلغّمة لضرب أهداف في العُمق السّعودي القريب، من قِبَل جماعة عسكريّة في الحشد الشعبي العِراقي معروفة بعُلاقاتها التّحالفيّة القويّة مع إيران، ممّا يفتح جبهةً جديدةً في الشّمال السعودي، أُسوةً بأُخرى في الحدّ الجنوبيّ مع اليمن.

التّصعيد الإيراني الذي يبدو أنّه مُرشّحٌ للتّوسّع في الأسابيع المُقبلة ضدّ أهدافٍ أمريكيّة وإسرائيليّة، يتزامن مع تَصعيدٍ آخَر يتمثّل في رفض القِيادة الإيرانيّة دعوةً أوروبيّة لمُفاوضاتٍ غير رسميّة مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لبحث كيفيّة إحياء الاتّفاق النووي، والتّهديد بزيادة نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60 بالمِئة، وتقليص التّعاون مع مُفتّشي وِكالة الطّاقة الذريّة الدوليّة إلى حُدوده الدّنيا.

القِيادة الإيرانيّة التي تُشاهد كيف تنهار العُملات السوريّة واللبنانيّة والسودانيّة وبدَرجةٍ أقل التركيّة والعِراقيّة، بسب العُقوبات الأمريكيّة المُباشرة أو غير المُباشرة، قرّرت فيما يبدو الانتِقال إلى مرحلة الهُجوم لرفع العُقوبات المفروضة عليها، والهُجوم على قاعدة عين الأسد قد يكون البِداية.. والمَخفِي أعظم.

“رأي اليوم”