هل فعلاً دمشق أرخص مدن العالم؟!

0
64

عشتار محمود

تداولت المواقع الإعلامية السورية النتائج التي وصلت لها دراسة وحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) التي تجري مقارنة لمجموعة من السلع تقارب 138 سلعة وخدمة مختلفة من الأساسيات: الطعام واللباس والسكن والتعليم… لتستنج بأن سورية تسجّل أقل أسعار لتكاليف المعيشة قياساً بـ 133 مدينة مدروسة عبر العالم.

وبالفعل قياساً بتكاليف المعيشة في نيويورك المأخوذة كمعيار مئوي في الدراسة فإن دمشق بالفعل ستكون أقل عواصم العالم تكلفة في المعيشة، ولكن تداول هذا المؤشر بمفرده وبمعزل عن جملة معطيات يعتبر تضليلي ويمكن أن نجمل الأفكار التالية حول الموضوع:

أولاً والأهم إن تكاليف المعيشة تقاس بالقدرة الشرائية للعملة ولوسطي الدخل، وأكثر من ذلك والأهم لوسطي الأجر وهو الدخل المتاح للأغلبية الأكبر من السوريين. فتكاليف الأساسيات في دمشق تتجاوز 500 ألف ليرة في العام الحالي للأسرة وتفوق 300 ألف ليرة للغذاء والمشروبات الأساسية فقط، وبالمقابل فإن الأجر الوسطي يقارب 60 ألف ليرة وتحتاج أسرة من الشغيلة لـ 5 دخول وسطية لتأمين أساسيات الغذاء فقط!

ثانياً إن الأسعار متباينة في سورية مقارنة بالأسعار العالمية، حيث تضاهي أسعار السلع الغذائية الأساسية الأسعار العالمية رغم أن جزءاً هاماً منها ينتج محلياً، وهذه الارتفاعات اشتدت كثيراً تحديداً في عام 2020 مع تراجع إنتاج الغذاء في سورية ومع ارتفاع وتيرة تصدير وتهريب الخضروات الأساسية، ومع ارتفاع كلف النقل. وإذا ما تمّ قياس الكلفة الحقيقية لسلة الغذاء مقارنة بنسبتها للدخل، فإن تكاليف الغذاء في سورية قد تكون ضمن الأعلى عالمياً نظراً لأنها أصبحت تشكل نسبة تفوق 60% أو أكثر من إنفاق الأسر. بينما لا تتجاوز تكلفة الغذاء من الإنفاق في دول أخرى نسبة 10-20% من مجمل إنفاق الأسر.

ثالثاً ينبغي قياس أسعار المواد بنوعيتها، فقد يكون المستهلك السوري يدفع سعراً مقابل كغ الأرز أقل من السعر الذي يدفعه المواطن اللبناني مثلاً للرز مسعراً بالدولار، ولكن بالمقابل فإن النوعية المستوردة لسورية هي بتصنيف أدنى وأسعار استيراد أقل لأنواع من الدرجات الرابعة والخامسة… ولكن السوريين يدفعون أسعار تقابل سعر الأرز من الدرجة الأولى أو الثانية في لبنان ومصر. والأمر ذاته في السلع المنتجة محلياً مثل الألبان والأجبان، وحتى في قطاع الألبسة، بل حتى في الأدوية… وبالعموم تكيّف السوق السورية نفسها مع مستوى الدخل المتدني للسوريين بأن تسعّر بأسعار عالمية ولكن تقلل التكاليف على حساب النوع ما يعني أننا ندفع مبالغ أعلى مقابل أنواع أقل.

الأسعار المرتفعة في سورية جدياً وقياساً بالأسعار العالمية هي للسلع التي تستخدم في حفظ قيمة الأموال، مثل العقارات على سبيل المثال فرغم الجمود في سوق العقارات إلا أن الأسعار مثبتة عند مستويات مرتفعة تحصر التداول في أصحاب الأموال الراغبين في تحويل أرباحهم بالليرة إلى سلع تحفظ القيمة.

أخيراً إن المعيار الأساس لقياس تكاليف المعيشة في مدينة ما، يجب أن يكون محسوباً على أساس قدرة أهلها على الإنفاق وتأمين هذه الحاجات… وبهذا المعيار قد تكون دمشق من أغلى مدن العالم لأن الدخول الوسطية لغالبية سكانها هي ضمن الأقل عالمياً إن لم تكن الأقل!

المشهد