هل ستقع الحرب بين الجيشين السوري والتركي؟

0
190

تصاعدت اللهجة التركية المهاجمة لسورية منذ بدأ الجيش السوري عملية ناجحة لتحرير إدلب وريف حلب من الميليشيات المسلحة، بعد العديد من المحاولات الفاشلة السابقة التي ترددت أخبار عن أنها شهدت أخطاء كبيرة وأظهرت ضعفاً في التنسيق بين وحدات الجيش.

أما هذه العملية فلم تشهد أي تراجع تقريباً، واستطاع الجيش السوري تحرير مساحة كبيرة من الأرض، تضمنت نقاطاً أساسية استراتيجية مثل تحرير معرة النعمان وسراقب، وتحرير الطريق الدولي الواصل بين حلب ودمشق وتأمين مساحات جيدة شرقه وغربه. تضمنت أيضاً التقدم إلى ما بعد العديد من نقاط الاحتلال التركي (نقاط مراقبة) بحيث صارت محاصرة من قبل الجيش السوري الذي حرص على عدم المس بها، ربما رغبة من القيادة السورية في عدم تصعيد المواجهة مع المحتل التركي مباشرة في غمار انشغاله بالحرب ضد الميليشيات التابعة له.

وقد تكون هذه العملية العسكرية هي الأنجح على الإطلاق في تاريخ الحرب السورية الممتدة لأكثر من عشر سنوات، سواء من حيث السرعة والدقة في تحقيق الأهداف، أو في الخسائر البشرية القليلة التي تكبدها الجيش السوري خلالها، رغم أنها من أشرس المعارك التي خاضها الجيش السوري. وتعكس هذه النتائج نجاح التخطيط والتدريب الطويلين الذين سبقا العملية، في الوقت الذي لم يكن الوقت متاحاً في جميع المعارك السابقة مع الميليشيات المسلحة.

ورغم التهديدات الكبيرة التي وجهها الرئيس التركي إلى دمشق باتخاذ إجراءات “شديدة” إذا لم ينسحب الجيش السوري بنهاية شهر شباط الحالي من المناطق التي حررها، كان رد الجيش السوري والخارجية السورية واضحين بأنه لا تراجع عما تم تحريره، وتأكيد على الاستمرار بالعملية العسكرية، إذ أكد بيان القيادة العامة للجيش السوري اليوم على أن “الاعتداءات التركية لن تفلح في حماية الإرهاب التكفيري المسلح ولن تثني الجيش عن متابعة أعماله القتالية في محافظة إدلب وغرب حلب وجنوبها لتطهيرها من رجس الإرهاب المسلح بمختلف مسمياته وإعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق على امتداد الجغرافيا السورية”.

جاء هذا البيان اليوم في الوقت الذي تم تداول أخبار عن إسقاط طائرة مروحية سورية فوق إدلب بصاروخ أطلقته الميليشيات التابعة لتركيا، وفي الوقت الذي لم يصعد الحليف الروسي من لهجته تجاه التعزيزات العسكرية والتهديدات التركية، إلا أن تصريحاته التي تؤكد على أن استمرار هجمات الإرهابيين ضد المدنيين والجيش السوري والقوات الروسية العاملة في سورية هو أمر غير مقبول، تؤكد أن روسيا ليست بصدد التراجع عن دعمها للعملية العسكرية السورية التي حظيت بدعم جوي قوي من سلاح الجو الروسي، إلى جانب سلاح الجو السوري.

من جهة أخرى، يبدو أن النجاح الذي حققه الجيش السوري قد دفع بأمريكا إلى إعادة “دعمها” لأردوغان، حليفها في الناتو، عبر عدة تصريحات من بينها تأكيد جيمس جفري، المبعوث الأمريكي إلى سورية، أن الولايات المتحدة الأمريكية تود “أن تقدم أكبر قدر ممكن من الدعم” لتركيا التي تواجه “تهديداً حقيقياً في إدلب من النظام السوري وروسيا” كما قال.

وتبعه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بتأكيده أن الولايات المتحدة “تنسق مع تركيا الرد” على عملية تحرير إدلب وريف حلب. مؤكداً أنه أرسل جيمس جفري إلى أنقرة من أجل “تنسيق الخطوات رداً على الهجوم المزعزع للاستقرار”.

وفي السياق سيشارك وزير الدفاع التركي خلوصي أكار في اجتماع وزراء دفاع حلف الأطلسي في بروكسل يومي الخميس والجمعة القادمين، فيما أكد بيان لوزارة الدفاع التركي أن “إدلب” ستكون على جدول أعمال الاجتماع الذي يضم وزراء دفاع أمريكا وفرنسا وأوكرانيا و اليونان وبريطانيا.

وتزامناً مع هذا الدعم الامريكي الصريح للمحتل التركي، أرسلت أنقرة المزيد من التعزيزات العسكرية إلى داخل محافظة إدلب، فقد أكدت جهات عدة وصول المئات من عناصر الكوماندوز التركية، وهي القوات الخاصة الأكثر تدريباً ووحشية في الجيش التركي، إلى إدلب، مزودة بالعديد من أنظمة التشويش على الاتصالات ووحدات الإسعاف العسكرية.

وتشير المعطيات إلى أن القيادة السورية تسعى بكل جهودها لتجنب الصدام المباشر مع تركيا، فتجنبت أي تعرض لنقاط احتلالها في إدلب، وربما يكون سقوط قتلى أتراك في تفتناز التي لم تحرر بعد، بسبب قصف سوري حسب وكالات الانباء التركية، ناجم عن ازدحام عناصر الميليشيات في محيط نقطة المراقبة التركية.

ويبدو أن أنقرة أيضاً حرصت على عدم التصعيد الفعلي مكتفية بالتصعيد الكلامي، حتى بدا واضحاً أن هذه العملية العسكرية لتحرير إدلب وريف حلب ليست كسابقاتها، فهي لا تهدف إلى “الرد” فقط على الميليشيات التي أبقتها تركيا في “مناطق خفض التصعيد” رغم الاتفاقات بين أنقرة وموسكو بضرورة سحبها، بل إنها عملية تحرير فعلية تمضي بنشاط في خطتها، فتأكدت أنها ستخسر كل ما حققته خلال السنوات التسعة الماضية من دعم الفصائل المسلحة بمختلف مسمياتهم، إذا لم تسارع إلى التحرك الفعلي.

ويبدو الاصطفاف واضحاً في جبهة إدلب وريف حلب، فمن جهة تقف سورية وروسيا وإيران في جهة تحرير الأرض السورية من المحتلين جميعهم، بمن فيهم الميليشيات المسلحة ، تقف تركيا وأمريكا وفرنسا ولندن إلى جانب تلك الميليشيات، ضمنا “داعش” والقاعدة الإرهابيين.

وتحاول موسكو أن تخفف من وقع الصدمة على أنقرة، ضمن سياستها الهادئة لجرها إلى المزيد من الابتعاد عن أمريكا وحلف الناتو، ولذلك كانت جميع تصريحات مسؤوليها بهذا الخصوص “مدروسة بعناية”. ويقع في هذا السياق الاتصال الهاتفي المزمع عقده اليوم بين بوتين وأردوغان، والذي أكدت موسكو أنه سيشدد على “حل” مسألة إدلب استناداً إلى اتفاق سوتشي، بما يعنيه ذلك من التأكد من خلو مناطق خفض التصعيد حول إدلب من أي ميليشيات مسلحة وإرهابية.

رغم كل ذلك، من غير المرجح أن تقع حرب حقيقية اليوم أو في الأفق القريب بين الجيش السوري والجيش التركي. فدمشق تتجنب ذلك لأسباب عدة منها أن هدفها الأساسي اليوم هو الميليشيات المسلحة بحد ذاتها، أي ذريعة وجود التركي، ومنها أن الجيش التركي جيش قوي وقد يكون الصدام معه اليوم مكلفاً جداً للجيش السوري المنهك من حرب تستمر منذ 9 سنوات في ظل وضع اقتصادي يشهد المزيد من التدهور، ومنه العلاقة الوطيدة مع روسيا التي تعتمد عليها سورية في جانب العلاقة مع أنقرة، وتنسق معها على أعلى مستوى.

أما أنقرة، فمن الواضح أنها تحاول جاهدة الخروج من المأزق، فمن جهة هي لا تريد أن تخسر كل شيء في شمال غرب سورية بضربة واحدة، ومن جهة أخرى لا تريد حرباً قد تكون شرارة حرب واسعة النطاق إذا قررت موسكو أن لا تترك دمشق وحيدة فيها، إلى جانب أن الحرب المباشرة بين الجيش التركي والجيش السوري قد تستقطب المزيد من السوريين في إدلب وفي الجزيرة السورية إلى جانب الدولة والجيش السوريين، خاصة مع توارد الأخبار عن إمكانية فتح حوار جدي بين دمشق والميليشيات الكردية الانفصالية التي تسيطر على مساحات واسعة في شرق سورية، بدعم أمريكي وفرنسي صريح.