“هجرة العقول”.. وجه آخر للمأساة السورية

0
62

 الاقتصاد يخسر 8 مليون عامل… والحكومة تصمّ السَّميعَ وتعمي البصيرَ

بات مصطلح “هجرة العقول” أكثر شيوعاً في الألفية الثالثة، مع ازدياد أعداد المهاجرين من أصحاب الكفاءات من سورية إلى الدول الغنية، التي بدورها تبدي ترحيباً أكبر للنخب العلمية عن غيرهم.

 ويثير هذا النوع من الهجرات جدلاً مستمراً، فقد تناولت وكالات الأنباء ومواقع التواصل، أخبار الإبداعات السورية في دول الغرب، واستقبل عدة قادة عالميين المبدعين السوريين تكريماً لهم، إذ تكن تلك الاستقبالات مراسم للشفقة على السوريين، بل هي تكريم لاستيقاظ العقول السورية التي كانت موؤدة في بلادهم.

السوري يبدع في الخارج

عبد الرحمن الأشرف، مثلًا، ابتكر نظام بث للإنترنت قد ينافس “واتساب” في اعتماده على الشبكات الضعيفة، أو قد يرفده للانتشار أكثر في المناطق الفقيرة والمحرومة من الإنترنت، مثل بلدان العالم الثالث، وسكان القرى النائية، والعاملين في الأنفاق والمتنقلين في “المتروات”

وقامت السيدة زينة عبود بالطبخ لملكة هولندا، إذ أطعمتها الأكل الحلبي اللذيذ، رغم أنها غرقت بالبلم، وعاودت العبور بعد رحلة تهجير مأساوية قبل سنة واحدة فقط من وصولها إلى هولندا.

هذه أمثلة بسيطة من الابتكارات والإبداعات السورية التي تتفتح وتبدع، وسيكون المستقبل ملكها، وحتماً سنجد المزيد من الشباب يبدعون في عالم الفن، والأدب، وبرمجيات الكمبيوتر، واللغات، وما إلى ذلك من مجالات الابتكار.

الحكومة لا تهتم …

بعد مرور عشرة أعوام على الحرب لم نلاحظ أي اهتمام من قبل الحكومة للنظر بموضوع هجرة العقول التي ستساهم في إعادة الأعمار بحال تم الاستثمار الصحيح لها، ولكن على ما يبدو أن هم الحكومة كان احتساب حجم القطع الأجنبي الذي تخرج مع المهاجرين.

ولم ينظر وزير الاقتصاد السوري سامر خليل، إلى حجم الخسارة السورية جرّاء خروج هؤلاء، الذين تستقطبهم دول الغرب بكلّ ما أوتيت من مالٍ وقوّة، إلا من زاوية استنزاف المهاجرين للقطع الأجنبيّ.

مقدّراً أن كلاً منهم يسحب من البلد 7 آلاف دولارٍ، كاشفاً عن الخسارة التي تكبّدها اقتصاد البلد جرّاء الهجرة، والتي وصلت -حسب تصريحات الوزير-إلى 420 مليون دولارٍ، نظراً إلى أن غالبية المهاجرين باعوا ممتلكاهم وبيوتهم وسياراتهم ومصاغهم واشتروا دولاراتٍ لدفع تكاليف الهجرة، وهو نزيفٌ آخر لموارد الدولة.

الأرقام تتحدث …

تُعد سورية من البلدان الطاردة للكفاءات العلمية وهي تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية حسب مؤشر هجرة الأدمغة المعتمد ضمن منهجية قياس المعرفة للبنك الدولي بنسبة 2.3 % للمؤشر المتدرج من 1 إلى 7 حسب التقرير العربي عن المعرفة.

وبحسب أرقام مكتب المركز للإحصاء في سورية والذي حصلت “وكالة أنباء آسيا” على نسخة منها، فإن الاقتصاد خسر خلال سنوات الحرب 8 مليون عامل في القطاعين العام والخاص وبينت الأرقام أن عدد العاملين عام 2010 زاد على 8 ملايين في القطاعين، متراجعاً بنسبة 63 % علماً أن عدد الخريجين من الجامعات والثانويات المهنية ومراكز التدريب والعائدين من الإيفاد، يقل عن 100 ألف خلال 2020، أي نحو5% فقط من الخسارة في القوة العاملة

وكانت قد أكدت دراسة صادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات مداد، أن الموجة الكبيرة من الهجرة واللجوء إلى خارج سوريا منذ 2011، شملت لأول مرة شباباً وأطباء ومهندسين وعلماء وفنانين وأساتذة جامعات ومهنيين من مختلف المناطق ووفق الدراسة التي حملت عنوان “هجرة الكفاءات والعقول السورية نزيفٌ تنمويٌّ مستمرٌ”، فإن أكثر من 900 ألف سوري استقروا في ألمانيا حتى العام 2017، يوجد أكثر من 40 % من هؤلاء من أصحاب المؤهلات العالية، إضافة إلى أعداد أقل اتجهت إلى بقية البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وكندا

وذكرت الدراسة، أن القطاع الصحي خسر نسبة كبيرة من كوادره التي كانت أحد أسباب نقص الخدمات الطبية خلال الحرب، منوهة بأن التقديرات الصادرة عن النقابات المعنية تشير إلى هجرة نحو ثلث الأطباء، وخمس الصيادلة (أي 33 بالمئة و20 بالمئة على التوالي)، ما أدى إلى ارتفاع متوسط عدد السكان لكل طبيب بشكل كبير في سنوات الحرب، من 623 مواطناً لكل طبيب عام 2010، إلى 730 مواطناً لكلّ طبيب عام 2015.

وتحاول النقابات والجامعات والمؤسسات البحثية تقدير أعداد الكفاءات التي غادرت سوريا في مرحلة الحرب، إذ يقدّر عدد الأطباء، ومن مختلف التخصصات، الذين غادروا بـ584 طبيباً، إضافة إلى 2250 طبيب أسنان، أما أساتذة الجامعات، ومن مختلف الكليات، فقد بلغ 1220 أستاذاً، إلى جانب نحو 150 من حملة الدكتوراه الذين يعملون خارج الجامعة، أي في المؤسسات والوزارات المختلفة، ويقدّر عدد المهندسين بـ8521 مهندساً على تنوع تخصصاتهم، إلا أن الرقم الأكبر كان لحملة الإجازة الجامعية (المجاز) تجاوز 21480، إضافة لأعداد كبيرة جداً من الموفدين السوريين إلى الجامعات العالمية للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، وتقول الإحصاءات: إن نحو 70 % منهم لا يعودون إلى سوريا.

يبدو الحديث عن هجرة الصناعيين أخطر على الاقتصاد من هجرة الطبقات المتوسّطة أو الفقيرة، فهم يغادرون وفي جيوبهم أموالٌ تكفي لفتح معامل ومشاريع كبرى، ويخلّفون وراءهم كمّاً هائلاً من البطالة.

الحكومة تخذل أصحاب الكفاءات …

يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف في تصريح لـ”وكالة أنباء آسيا”، على تقصيرٍ من حكومة حول الموضوع، معتبراً أن عدم تعامل هذه الحكومة مع الصناعيين على أساس أنهم “متضرّرون” جعلهم يغادرون.

وبيّن يوسف أنه تم تقديم الدراسات والاقتراحات حول الموضوع، بما يضمن الحفاظ على الحياة والعمل، ويطلق مشروع إعادة الإعمار، بغرض تعويض الناس عن أضرارهم وعن مخاطر حياتهم، وتحفيزهم للعمل والإنتاج تحت ظروفٍ قاهرة، ولكي يتمكنوا من إصلاح حالهم وحال مدينتهم وبالتالي إصلاح قاطرة النموّ الاقتصاديّ في البلاد.

وأضاف الخبير الاقتصادي: لم يطلب الصناعيين أموالاً بل طلبوا الرعاية والاحتضان، تلقوا الوعود وانتظروا، ولم يحدث شيءٌ، حتى أُفرغت حلب من أهلها تدريجياً، وأصبحت الآن المدينة الأكثر تشرّداً في العالم

ولا يرى اليوسف أن وراء الهجرة أسباباً سياسية، بل يدّعي أن معظم مَنْ هاجر هم مِن فئة الموالين، لأنهم غادروا الآن وليس في بداية الحرب، وعزا هجرتهم إلى أسباب الخوف وغلاء الأسعار وانعدام الثقة بالمستقبل وانتشار الفساد وسيطرة تجار الحرب

مضيفاً، أن الحكومة خذلت هؤلاء السوريين الذين حزموا حقائبهم ولم تستطع توفير العمل لهم رغم كلّ الوعود، بل عمدت إلى حجز أموال الصناعيين والمواطنين المتعثرين ضريبياً ومصرفياً وملاحقتهم وعاقبتهم على صمودهم وبقائهم في البلاد.

واعتبر يوسف أنه من واجب الحكومة مواجهة الظاهرة وليس تجاهلها لأن النظرية الاقتصادية ونظريات التنمية تؤكد على الدور الهام الذي يلعبه رأس المال البشري في النمو طويل الأمد والمستدام، منتقداً في الوقت نفسه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لعدم امتلاكها أية بيانات عن توزع قوة العمل السورية سواء في الدول العربية والأجنبية .

وكالة أنباء آسيا – نور ملحم