نيكولاي تشاوتشيسكو… المظلوم الذي قتله ربيع رومانيا

0
156

دمشق – يونس أحمد الناصر

ما أصعب الكتابة عن رجل يصفه كل الإعلام الغربي و الإعلام التابع بـ” الديكتاتور”  و ما أوسع هذا الرداء الذي يسبله الاستعمار على كل قائد حاول النهوض بأمته ووقف بوجه أطماع البنك الدولي و الرأسمالية المتوحشة التي استطاعت تجييش الفقراء في كل مكان ليكونوا وقودا لحروبها و نهمها لجمع المال

الصعوبة الأخرى التي أواجهها هي غياب المراجع التي تنظر بحيادية لتجربة هذا الرجل ” الدكتاتور كما يزعمون ” و ذلك بسبب ماكنة الإعلام الغربية التي تمكنت من طمس كل جانب إيجابي بمن تستهدفهم و تحيلهم لشياطين على الشعوب التخلص منهم كي ينالوا الجنة و الثابت بأن حياة هذه الشعوب تستحيل إلى نار محرقة و فوضى عارمة تتحقق من خلالها غايات المستعمرين و هذا برأينا ما حدث لتشاوتشيسكو الذي وصفه الإعلام الغربي بـ” crazy”  أي المجنون و نشرها بين الرومان عبر مرتزقته الذين انقضوا على رئيسهم و أعدموه في أقصر محاكمة في التاريخ و أفرغوا الرصاصات الأمريكية بجسده النحيل و جسد زوجته التي تم اتهامها أيضا بالتبذير و الترف و ما إلى ذلك

الثورات الملونة أيها السادة و منها ثورات ما يعرف بالربيع العربي جعلت كل الذين ينظرون للأمور بعقلانية  لجهة التحليل و الاستنباط يعيدون النظر بكل الثورات الحديثة و البحث عن الأصابع الحقيقية التي تحركها فما تراه عيون المشاهدين في الدول التي تستهدفها الفوضى  هو ما يريد الغرب أن نراه من أننا شعوب تنتفض على قادتها الذين يبددون الثروات و يتركون الشعب يرزح في الفقر و الحاجة ,  أما الحقيقة فهي في مكان آخر لا تراه عيون الكاميرات

و ما أقوله ليس دفاعا عن حاكم هنا أو نظام هناك لا في أوربة الشرقية و لا في بلادنا العربية مع ملاحظة بأن الدكتاتوريين الحقيقيين و الفاسدين حقاً هم من تحميهم أمريكا و أدواتها

بين الثورة البرتقالية و البنفسجية و قبلها الليمون و بعدها الياسمين ,  أنهار من الدماء البريئة تتدفق في أقذر حروب يعيشها العالم و هو ما تطلق عليه أمريكا تسمية ” الحروب النظيفة”  و تقصد بذلك إشعال فتيل الاحتراق الداخلي في هذه المجتمعات عبر تغذية الصراعات الداخلية و مدها بعوامل الاشتعال عبر الإعلام الموجه  و بما يظهر الاهتمام بالحريات و الديمقراطية و سوى ذلك من الشعارات الفارغة من المضمون التي يعملون لتصديرها لنا باعتبارنا غير ديمقراطيين مع ملاحظة بأنهم غير ديمقراطيين في أمريكا ذاتها التي تعيش شريحة كبيرة منها الفقر و التهميش و سيطرة الشركات الكبرى

بوارج أمريكا التي تمخر البحار لنشر الديمقراطية تجمع الذهب المجفف من دماء شعوب الأرض لتعود به سفن القراصنة للخزائن الأمريكية

و كل من يقف بوجه نهبهم لخيرات العالم يصبح دكتاتورا و مستبدا و عليه أن يرحل سلما أم حربا و هي المعزوفة التي اعتاد على تردادها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير كالببغاء , و لم يمهلهم ترامب كثيرا حتى أعلن صراحة بأنه هو من يحمي عروشهم و لولاه لزالت هذه العروش في ساعات و عليهم أن يدفعوا لقاء ذلك و هو ما حصل و يحصل .

و الماكنة الإعلامية الغربية تجدونها تدرج أسماء كل قادة العالم الذي لا يخضعون لإرادتها في قائمة الدكتاتوريين و الفاسدين – و هم حقا الشرفاء و الوطنيين – أما الديكتاتورية و الفساد هي في هذا النظام العالمي الذي تقوده أمريكا بعد إلقائها القنبلة النووية على هيروشيما  

من كل ما سبق يمكنني القول و بثقة بأن تشاوتشيسكو لم يكن دكتاتورا و لا مجنونا  كما هو روحاني إيران اليوم الذي تجيش أمريكا عليها بوارجها و عملائها و بالمناسبة لن تستثني بوارجهم  مرتزقتها  الإيرانيين أصحاب ما سمي بـ”الثورة الخضراء” 

و تشاوتشيسكو استطاع إلغاء الدين الخارجي لرومانيا و نهض بها عمرانيا و هو ما شاهدته بعيني أثناء زيارتي لبوخارست من حيث الشوارع العريضة و النظيفة و الأبنية السامقة – و لو أنه كما قيل كان يجبر الرومان على النوم في التاسعة ليلا كما يتردد لتوفير ثمن الكهرباء – .

و تشاوتشيسكو أيها السادة نهض بالقطاع الزراعي و حقق وفورات كبيرة للتصدير للتخلص من الديون الخارجية التي كانت ترهق كاهل رومانيا

و تشاوتشيسكو أيها السادة مد يده لكل حركات التحرر من الهيمنة الاستعمارية في العالم و موقفه صريح و معروف من القضية الفلسطينية و قضايانا العربية

بقي أن نقول بأن  تحويل جريمة قتل تشاوتشيسكو إلى أيقونة لانتصار الشعوب على قياداتها  هو بروباغندا  إعلامية غربية لتشجيع الرعاع في كل مكان على تخريب مجتمعاتهم و هو ما رأيناه في الربيع الدامي العربي من ثورة الأرز إلى ثورة الياسيمين  و حريق ليبيا و ثورة مصر إلى اليمن و العراق و سورية و فراشات الربيع العربي من تيارات الإسلام السياسي تحولت لـ” دراكولا ” الروماني الذي يعيش على امتصاص دماء الضحايا

علينا إعادة النظر في كل ما مضى من الثورات الحديثة على مساحة العالم و إعادة تصويب البوصلة قبل إن تغرق السفينة بمن عليها

وسورية التي استطاعت وقف دومينو الانهيارات العربية في موجة ” ربيع نتنياهو ” تجربة حقيقية تقول بأن الإرادة الأمريكية ليست قدرا إلهياً علينا الخضوع لمشيئته و على كل المستضعفين في هذا العالم التكاتف لقتل دراكولا الحقيقي و أعني نظام القراصنة الأمريكيين و أذنابهم الغربيين و قطع أذرع هذا الأخطبوط  في كل مكان .