نفد صبر بوتين النووي فعلّق الاتفاقيات… ردّت واشنطن بوقف التعاون حول سورية

0
48

لأن الإعلام العالمي والعربي تحت السيطرة الأميركية والخليجية، صار الخبر الأول هو الصادر ليلاً بتوقيت بيروت عن واشنطن بتعليق التعاون مع موسكو حول سورية والحديث عن نفاد الصبر، ولأن البحث عن الحقيقة يوصل بعد الكلام المسرّب لوزير الخارجية الأميركية جون كيري في مخاطبته للمعارضة السورية إلى مكان آخر، يظهر اليأس الأميركي من فعل شيء ذي قيمة في سورية، وأفضل ما لديهم هي نصائح كيري للمعارضة السورية بعدم ركوب موجة التصعيد، لأنها ستعني القضاء عليهم نهائياً، كما نقلت الـ «نيويورك تايمز» في التسجيل المسرّب لكلام كيري، وفيه إعلان حاسم للعجز عن تقديم سلاح نوعي أو القيام بحرب لإسقاط الرئيس السوري كرمى لعيون المعارضة، لأن الشعب الأميركي لا يريد حروباً والكونغرس لن يعطي تفويضاً، وفقاً لكيري، ولأن الدور العسكري الروسي قانوني وشرعي، ولا غطاء قانوني لأميركا إلا مجلس الأمن الذي يعطل أي غطاء فيه الفيتو الروسي الصيني، وماذا يبقى إذن؟ يسأل المعارضون ويجيب كيري، القبول بحكومة موحدة في ظل الرئيس السوري والذهاب لانتخابات بضمانات دولية لتكافؤ الفرص والنزاهة فيها ينافسون خلالها على الرئاسة الرئيس بشار الأسد.

 

خطاب أميركي لا يلقى آذانا صاغية لدى الحلفاء، فلماذا تتعب نفسها واشنطن المثخنة بجراحات حلفاء تورطوا وورطوها بحرب لا طائل منها، ولا أفق للفوز فيها، وبتسويات لن تجلب لهم الكثير، وستسبب صداماً مع حلفاء يكابرون ويصرون على رفض التسويات، تتقدمهم السعودية التي يكفيها ما معها من وجع الرأس، هموم ما بعد الـ «جاستا» وتجميد الأموال والودائع بقانون، وحالة إفلاس تنتظرها مع سوق نفط راكد، وحرب أسعار لا يوقفها إلا تفاهم مع موسكو وطهران يبدأ في السياسة، وإلا بتوازن في كميات الإنتاج يزيد الإفلاس السعودي إفلاساً.

تنكفئ واشنطن بصمت وتنتظر، أن يصرخ الحلفاء تحت ضغط النار، أو ينهاروا بسببها، فيحتاج المنتصرون لشرعية نصرهم، خصوصاً سورية، باستعادة السفارات والعودة للأسواق والمصارف، وهنا لا بد من واشنطن.

لماذا صخب الحديث عن وقف التعاون بلغة تصعيدية إذن؟

يقودنا البحث فوراً إلى خبر الصباح الذي أعلنه الكرملين بتوقيع من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوقف العمل باتفاقية تدوير البولوتنيوم، والأهم ملحقاتها الموقعة عام 2010، والاتفاقية تعني منع استخدام المواد المشعة المستعملة في المفاعلات والأسلحة النووية التي يجري سحبها من الخدمة وإتلافها، مرة أخرى في أسلحة جديدة. وهذا يعني تخفيف حجم الترسانة النووية لدى البلدين الأهم في مجال التقنيات العسكرية النووية في العالم، لكن واشنطن تحت ضغط صناعات السلاح التي تحتاج لتشغيل مصانعها وبيع منتجاتها للحكومة والجيش الأميركيين، وتشكل عصباً هاماً في صناعة السياسات الأميركية عطلت التنفيذ، مراراً ولا تزال، لضمان تسويق كل ما تصنعه من صواريخ ويبقى بلا تسويق بانتظار تجهيزه بالوقود النووي والرؤوس النووية، بسبب عدم تناسب سرعة التخصيب مع سرعة إنتاج الصواريخ وفقاً لمصدر عسكري متابع للصناعات التسليحية الأميركية. والحاجة الماسة كي يتم التناسب لإعادة استعمال البلوتنيوم المفترض تدويره لمجالات غير عسكرية وفقاً للاتفاقية، وبعد التسويف المتمادي في التطبيق أميركياً، وضماناً لتوازن استراتيجي عسكرياً، قرر الرئيس الروسي وقف التدوير ومنح الصناعات العسكرية الروسية حقاً مشابهاً لمنافستها الأميركية، ساحباً البساط من تحت أقدام الرئيس الأميركي الجديد الذي سيكون عليه مواجهة سباق تسلّح خطيراً وجديداً ومتسارعاً وعليه أن يختار التفاهم ومواجهة مصالح صناعات السلاح واللوبيات التي تمثلها، أو ترك الانفلات نحو تصاعد المنافسة النووية بين موسكو وواشنطن تحكم موازين العالم.

قرار موسكو الذي تضمّن عبارة نفاد الصبر، صباحاً استنسخته واشنطن ليلاً وحوّلته لقرار انسحاب من التفاهم حول سورية، وليس بيدها بدائل، كما قال كيري، بينما الميدان يقول لحلفائها إن غداً لناظره قريب.

موسكو التي تتصرف هذه المرة كقوة قائدة على المستوى الدولي، وليس فقط كقوة منافسة أو مكافئة، فتتولى زمام المبادرة في اتخاذ القرارات الكبرى، هي موسكو اللاعب الأهم على ساحة الشرق الأوسط التي يقصدها الرئيس سعد الحريري لعرض مبادرته الرئاسية طالباً تسهيل المهمة مع الحلفاء الذين يملكون بأيديهم مفاتيح تعويم زعامة الحريري المنهارة، بعدما كشف الدبلوماسي الإيراني حسين أمير عبد اللهيان عن نصيحة سعودية تقف وراء مبادرة الحريري، تنطلق من ضيق ذات اليد وترمي لحماية ما يمكن من نفوذ في لبنان قبل وقوع كارثة الانهيار العسكري في سورية والانهيار المالي في السعودية.

تلاقي الحريري والعماد ميشال عون كثنائي يظهر في وسائل إعلام التيار الوطني الحر ولا يظهر في وسائل إعلام تيار المستقبل، ورغم ذلك صارت الرئاستان الأولى والثالثة مترابطتين كتطلّع لحل ينتظره اللبنانيون، وقطعته موجات التصعيد التي رافقت رسائل بكركي في محاولة لرفع البطاقة الصفراء باستنهاض كرامة رئاسية تحول دون قبول سلة التفاهمات التي وصفتها بلوائح الشروط، فجاء الردّ من عين التينة برفع البطاقة الحمراء بالتذكير بلوائح أسماء مرشحين بالإيحاء أنها قد تكون سبباً للسعي لتعطيل وصول مرشح معين، يتهم رئيس المجلس النيابي نبيه بري بعرقلة وصوله.

 

بقي السؤال الأهم يدور في صالونات السياسة عن مصدر البطاقة الصفراء من بكركي، وكيف تحوّلت إلى حملة على الرئيس بري في محطة تلفزيونية ليست محسوبة على بكركي، رغم الأصدقاء المشتركين، من رؤساء سابقين، هم أصدقاء مشتركون مع جهة إقليمية ممولة تبحث عن دور فقدته ويصعب عليها استعادته، فهل حملت الدوحة رسائل التعطيل؟

والسؤال الأبعد هل كان الفيتو السعودي على العماد عون ترجمة لفيتو على وصول مرشح حليف لحزب الله ويشكل وصوله للرئاسة نصراً له؟ ولحساب مَن تتحرّك قطر للهدف ذاته، إذا صحت التحليلات عن وقوفها بالوكالة وراء هذا التصعيد الذي يريد تفخيخ المسار الرئاسي بين الكرامة والميثاقية، ولا يعلم الذين استنفروا لترداد مضمونه بلغات مختلفة كل على طريقته، ومن موقعه لحسابات تعنيهم، مَن سيستفيد من التصعيد بالتأكيد وإلا لما أقدموا، بمثل ما يقدم بعض المتحمّسين للعماد عون على إطلاق المواقف السلبية نحو عين التينة وطلب الودّ من بكركي وتثمين موقف الحريري، من دون أن ينتبهوا أنهم يعقّدون مهمة العماد عون ويعرقلون طريقه إلى الرئاسة.

البناء