نصراني متغيب.. الأملاك العقارية لمسيحيي إدلب خارج حيازتهم

0
189

نيار خليفة

“لم يبقَ لنا في إدلب شيء. لا أملاك ولا بيوت ولا إيجارات كلها صارت للهيئة الشرعية”، بهذه الكلمات وصف عيسى (اسم مستعار) من مدينة إدلب، ما حلّ بالممتلكات العقارية لعائلته بعد سنوات من سيطرة الفصائل الإسلامية على المدينة.

“كان لدينا منزل وأرض زراعية وعدد من المحلات، وكنا قد أجّرناها جميعها عن طريق موكّل والدي الذي كان يحوّل لنا هذه الإيجارات بشكل دوري، وفي عام 2019 أصدرت (الهيئة الشرعية) قرارًا ينص على مصادرة أي أملاك لا يُديرها أو يُشرف عليها أصحابها الأصليون، ونتيجة لذلك سحبوا منا كل أملاكنا وصارت الإيجارات تذهب إلى (الهيئة)”، روى عيسى في حديثه إلى عنب بلدي تفاصيل خسارتهم ممتلكاتهم.

أضاف عيسى، “حاولنا كثيرًا استعادة أملاكنا عن طريق وكيلنا الذي يمتلك وكالة عامة، لكننا لم نتمكن من تحصيل أي شيء، حتى إننا حاولنا نقل أثاث منزلنا إلى مكان سكننا الحالي في محافظة أخرى، إلا أن (الهيئة) رفضت إخراج أي شيء خارج إدلب من أملاك المسيحيين خصوصًا”.

مصادرة ممتلكات المسيحيين في إدلب لم تقتصر على الأهالي الذين هجروا المحافظة، إذ إن جدة عيسى البالغة من العمر 86 عامًا، التي تسكن وحيدة في إحدى القرى المسيحية، كانت كلما غادرت منزلها، المكوّن من غرفة واحدة، لزيارة أبنائها في محافظات أخرى، تعود لتجد أن قفله قد كُسر وأقامت به إحدى العائلات بحجة أنها نازحة، وأشار عيسى إلى أنها كانت في كل مرة تتقدم بشكوى إلى “الهيئة الشرعية”، وتضطر لأن تنام خارج منزلها لمدة شهر على الأقل حتى تقوم “الهيئة” بإيجاد مأوى آخر للعائلة لتتمكن من العودة.

وإضافة إلى ذلك، سيطر العديد من قادة الفصائل وعناصرها على منازل المدنيين، وأقاموا فيها دون موافقة أصحابها، ولفت عيسى بهذا السياق إلى أنه في عام 2015، وعقب بسط الفصائل الإسلامية سيطرتها على مدينة إدلب، ذهب والده وأعمامه لزيارة منزل العائلة وإحضار ما يلزمهم من أغراض، إلا أنهم تفاجؤوا بوجود شخص تونسي الجنسية، وآخر فرنسي مع زوجاتهم، ورفضوا إدخالهم إلى المنزل.

“نصراني متغيب”

فرض الإيجارات على الملكيات العقارية طال أيضًا سكان القرى المسيحية الموجودة في ريف إدلب، الذين نزحوا إليها من محافظات أخرى، إذ إنهم يضطرون لدفع الإيجارات إلى “الهيئة” وفق ما قاله مازن (اسم مستعار)، وهو أحد الأهالي الذين نزحوا إلى قرية اليعقوبية المسيحية بريف إدلب منذ سيطرة “الجيش الحر” عليها عام 2012.

مقالات مشابهة :  نشطاء سوريون: عبوة ناسفة تستهدف دورية روسية في درعا

وأشار مازن لعنب بلدي إلى أنه منذ سيطرة “هيئة تحرير الشام” على القرية، بدأت بفرض إيجارات على قاطني منازل المسيحيين، وكانت بمثابة “غنائم” لهم، ولفت إلى دفعه حوالي 50 ألف ليرة كأجرة لعدد من المنازل.

وقد أجّرت “الهيئة” جميع المنازل والأراضي والمحال التجارية في ثلاث قرى متجاورة هي اليعقوبية والجديدة والقنية، وفقًا لمازن، الذي أفاد بأنه على جميع المدنيين دفع الإيجار لـ”الهيئة”، بما في ذلك الأرامل ونساء “الشهداء”، ولكن يُستثنى من ذلك العناصر التابعون لها.

وأضاف أنه حتى المنازل التي لا تزال دون إكساء، يحسبون لأصحابها الذين قاموا ببنائها عدد الأعوام التي سكنوها، ليقولوا لهم فيما بعد إنه تم انتهاء مدة استثمارها وهي لم تعد ملكًا لهم، وعليهم دفع إيجارها لـ”الهيئة”.

وحصلت عنب بلدي على صورة من “عقد إيجار مدني”، صادر من قبل المديرية العامة للعقارات- فرع جسر الشغور التابعة لـ”تحرير الشام”، يظهر تأجير المديرية منزل مواطن مسيحي في منطقة اليعقوبية لمدة ثلاثة أشهر.

واللافت في العقد هو إشارة “تحرير الشام” إلى مالك العقار الأساسي دون ذكر اسمه الحقيقي، وذلك بعبارة “نصراني متغيب”، في إشارة إلى أهالي القرية الأصليين، وهم من العوائل المسيحية الذين نزحوا عنها، وبدأت “الهيئة” بالتصرف بأملاكهم بذريعة غيابهم.

نصراني متغيب.. الأملاك العقارية لمسيحيي إدلب خارج حيازتهم

حالة من فقدان الحقوق وضياعها طالت آلاف العائلات المسيحية في محافظة إدلب، التي اضطرت إلى مغادرة مدنها وقراها، والهجرة إلى خارج البلاد، أو النزوح إلى مناطق سورية أخرى منذ سيطرة الفصائل الإسلامية، تاركة وراءها ملكياتها العقارية من منازل وأراضٍ ومحال تجارية، أما من اختاروا البقاء فيواجهون مضايقات تشعرهم بأنهم غير مرحب بهم، فهم ممنوعون من ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية علنًا، أو إقامة فعاليات احتفالية، أو إظهار رموزهم الدينية، فضلًا عما طال الكنائس من هجمات وعمليات استيلاء وانتفاع.

في عام 2012، سيطرت فصائل “الجيش الحر” على معظم المناطق في ريف إدلب، وكانت قرية الغسانية أولى المناطق المسيحية التي وقعت تحت سيطرتها.

وبين عامي 2015 و2018، سيطرت الفصائل الإسلامية على مدينة إدلب وعلى ما تبقى من ريف المحافظة، وهي الفترة التي غادر خلالها أغلبية المسيحيين المنطقة، ليتبقى منهم عدد قليل من الأسر، يشكل كبار السن أغلبيتهم.

مصادرة مئات الملكيات العقارية “كسلاح حرب”

على الرغم من عدم صدور أي قرار رسمي معلن من قبل “هيئة تحرير الشام” أو غيرها من الفصائل المسيطرة في إدلب، بجواز مصادرة أملاك المسيحيين الغائبين، وثّقت منظمات حقوقية وشهود عيان مئات عمليات المصادرة ووضع اليد على الأملاك العقارية، إضافة إلى الاستيلاء على إيجاراتها، دون الاعتداد بالتوكيلات الممنوحة من قبل أصحاب هذه الأملاك لموكليهم الموجودين في المحافظة.