نبيه البرجي :لماذا لا يلتقي النيل والفرات؟

0
154

 

 

في لقاء مع الباحث المصري الكبير جمال حمدان، وفي حضرة «بابور الكاز» الذي كان المظهر التكنولوجي الوحيد في غرفته المتواضعة، قال لي ضاحكاً «حتى يهوه لاحظ حساسية التقاطع الاستراتيجي بين النيل والفرات، فكان ان اطلق وعده الشهير باسرائيل الكبرى بين النيل والفرات».

ضاحكاً ايضاً، لاحظا ن آرثر بلفور كان أكثر حنكة، بل أكثر واقعية، من يهوه الذي لو تحقق وعده لضاع اليهود بين النهرين…

في رأيه آنذاك، وقبل ان يندلع حريق في منزله، ربما ناتج عن بابور الكاز، ان التداخل الاستراتيجي بين مصر وسوريا ضرورة تاريخية مثلما هو ضرورة مستقبلية، لكن هذا الثنائي، على اهميته، يبقى من دون عمق بعيد المدى اذا لم يتحول الى مثلث ضلعه الثالث هو… العراق.

الباحث الفذ، المتقشف، الرؤيوي، وان بلغة رثة أحياناً، والذي قضى في الحريق بعدما كان رفض جائزة الدولة، تساءل ما اذا كان السبب في التباعد بين مصر والعراق ناجم عن صراع حضاري غامض، السوريون ام الفراعنة اخترعوا فكرة الخلود؟..

وسأل «لماذا لا تقاطيع مشتركة بين اخناتون، المرح والعاشق، ونبوخذ نصر المقطب الجبين والذي حين هدم هيكل سليمان اعتبر انه يهدم ذلك «الغيب الآخر»، الغيب الغبي الذي صنعه شيخ قبيلته ما لبث ان تحول الى اله (او بالعكس)؟

يأس قال جمال حمدان ان العرب لا يستحقون الخلود في الدنيا، جاء النبي محمد ليقول لهم ان الخلود في مكان آخر، ما زالوا يتقاتلون على ذلك المكان الآخر، اقصى ما يستطيع العرب ان يفعلوه هو البقاء، لا تسألوا البقاء أين…؟

حقاً ابتهجنا حين شاهدنا وزير الخارجية المصري سامح شكري في بغداد، لا ندري لماذا أتى متسللاً، هل هي الخشية من أن يسأل بعضهم: لماذا انت هناك؟

في السبعينات من القرن الفائت اتى الرئيس الراحل صدام حسين بمليون فلاح مصري الى العراق للعمل في الارض المستصلحة، الفلاح العراقي اقل قابلية للعمل، واكثر ميلا الى الكآبة. قال لي طارق عزيز «على الاقل قد يقنعون زملاءهم العراقيين بأن يكونوا اقل كآبة».

الارض بدت وكأنها تضحك، لا احد مثل المصري عاشق للأرض، لاحظوا شكل اجسامهم وهم يعملون في الارض، الا يشبه شكل من يؤدي الصلاة.

ولا مرة حاول المصريون تدمير ارضهم حتى ان جماعة الهجرة والتكفير لم تفكر في اغتيال توت عنخ أمون او ان تفجر الاهرامات. في العراق، الناس اكثر قسوة واكثر قدرة على تدمير الذات، هذا في سوريا ايضاً، في لبنان ايضاً وأيضاً..

شكري زار بغداد لأكثر من غرض. قيل انه بحث مع المسؤولين العراقيين في المساعدة على اعادة هيكلة اجهزة الاستخبارات التي تحوّل اداؤها الى فضيحة. كل مئات ملايين الدولارات التي تنفق سنويا لم تنجح في استباق عملية تفجيرية واحدة.

بسخرية مرة يحدثك ذلك العراقي الديبلوماسي العراقي الرصين الذي يعمل في احدى الدول العربية عن المسؤول الذي يترك زواره لتأدية فريضة الصلاة قبل ان يتلاشى في ليلة الويسكي، الليلة الطويلة. لكأن شهرزاد لا تزال تمشي حافية القدمين على ضفاف دجلة.

ويسأل لماذا كل ذلك النفاق (والشقاق) في العراق؟

كيف يمكن ان يحدث الذي حدث في الكرادة. اين ضياء العزاوي ليضع الغرنيكا ولكن هذه المرة بالخط الكوفي بعدما فاقت الفظاعات الدموية في العراق كل فظاعات الحرب الاهلية الاسبانية، وحيث ميليشيات الجنرال فرانكو وضعت الشاعر غارسيا لوركا الذي قصائده موشحات اندلسية (يا مناديل المرمر) امام المدفع وقتلته، اغتيال رجل بقذيفة مدفعية هل تنتج الحروب غير الوحوش؟

الوزير المصري وعد بأن تكثف بلاده جهودها لمنع العراق من التفكك. لياقة لم يقل من «الاندثار» لكن الديبلوماسية المصرية خافتة ودون صدى اين هو دور مصر لتكون هناك ديبلوماسية مصرية؟

انقرة استغربت الزيارة وبعض المعلقين سأل ما اذا كانت تمهيدا لحلف مصري – عراقي ضد تركيا اي مصر واي عراق بل واي تركيا ايضا؟