نبيه البرجي : قهرناهم…!

0
71

 

 

اليوم الذي بكى فيه الجنرالات…

الذين حملوا على ظهورهم عظام يهوذا، الآتون من ليل النصر، وليل يهوه، لكي يقتلونا، ويهدموا منازلنا، ويحرقوا حدائقنا، ولكي يغتالوا الكبرياء الذي صنعناه، وبكل الكبرياء الذي في الارض، وفي أيدي الرجال، وفي صرخات الامهات، في 25 أيار 2000.

هل تذكرون ما قاله الكاتب الاسرائيلي ديفيد غروسمان الذي قتل ابنه الوحيد في وادي الحجير «اليوم الذي عدنا فيه جثثاً»، وقال «اسرائيل اليوم كلها جثة»، وسأل «لماذا صنع الجنرالات لنا كل ذلك العار».

يا وادي الحجير الذي ماتت فيه الاسطورة، ألم تكن الميركافا التي لا تقهر اسطورة الجيش الذي لا يقهر؟ قهرناه وجعلناه يولول من كان يتصور ان الجنود الاسرائيليين الذين سحقوا بجنازير الدبابات الاسرى المصريين في شبه جزيرة سيناء، والذين هدموا البيوت بل والذين هدموا حتى الهواء فوق رؤوس الفلسطينيين، ينتحبون ويستغيثون في وادي الحجير.

الذين قالوا انهم سيحولون الضاحية الى هيروشيما، ولقد حولوها بين قهقهات العرب، وتمنيات ذلك الطراز من المسؤولين اللبنانيين الذين يراهنون على تحويل بلدهم الى مستوطنة للذل، وللانحناء أمام حذاء، وعصا، يوشع بن نون…

لكن الرجال بقوا رجالاً، الاطفال بقوا اطفالاً، النساء بقين نساء، كلهن بوجوه الجبال، وبوجوه الاودية، وبوجوه الانهار التي زغردت في ذلك اليوم لأن يهوذا عاد يحمل جثته على ظهره.

اي عالم، اي مجتمع دولي، ذاك الذي لم يهتز حين كانت القاذفات تثأر من المدنيين باستخدام آلاف الاطنان من القنابل تلقي بها على الضاحية، وعلى مدن وقرى الجنوب والبقاع؟ من زار الضاحية في ذلك اليوم ورأى الحقائب المدرسية، لعب الأطفال، صور أيام زمان، بين الحجارة، الحجارة التي تحولت في ذلك اليوم الى صرخة، نحن باقون…

لكأننا أمام ذلك الجنرال الأميركي (نورشاد) الذي قال عن الفيتناميين «كنت أرى في عيونهم اننا باقون وانتم راحلون». الضاحية بقيت لأنها الشمس، وهم رحلوا لأنهم قبائل الغيب، وقبائل العدم.

هل هو الجيش الذي لا يقهر (وقهرناه) حين يستوحي نصوص التوراة في قتل كل شيء. ذاك الكلام الرائع لغروسمان «لقد طاردتنا حتى الاشياء، الأشياء التي ظننا اننا قتلناها».

في ذلك اليوم من آب 2006، توقفت «العمليات العدائية» تبعاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 1701، وكان هناك في واشنطن، كما كان هناك في اورشليم، كما كان هناك في بيروت، من يراهن على قتل آخر بندقية في ايدينا لنتحول أمام البربرية، والى الابد، دولة من الزجاج وشعبا من الزجاج.

كل اللبنانيين قاتلوا، كلهم فتحوا منازلهم للذين ذهبت منازلهم، وكلهم فتحوا صدورهم لاولئك الذين في صدورهم كل آهات الدنيا.

رحلوا وانتصر لبنان، وكان يمكن ان تكون اللحظة لحظة العرب، لكن السيناريو الآخر كان جاهزاً لوضعه موضع التنفيذ. هذا زمن السنّي والشيعي، هذا زمن الشاشات التي لا تستضيف سوى الافاعي، ولا تنطق سوى بلغة الافاعي حين يصبح الكلام اليومي عن السنّة والشيعة كلام النخب (اي نخب؟)، وكلام الذين لا مكان لهم سوى بين الاقدام المرصعة بالذهب، العباءات الموشاة بالذهب.

وهذا زمن نبش القبور، والرقص بين القبور، اذ كيف للانظمة التي ترعرعت على ثقافة الأقبية ان تعرف ما هي ثقافة الافق، وكيف لأصحاب العمائم الذين ترعرعوا على «فقه الكراهية» ان يعرفوا ماهو الله وما هي مخلوقات الله؟

هذا الزمن الذي لحراثة العدم، لصناعة العدم، لعبادة العدم. الذين في لحاهم، وفي صيحاتهم، وفي اظافرهم، كل ما انتجته تورا بورا، ومن أسامة بن لادن حتى ابي بكر البغدادي…

اليوم يوم الكبرياء، اليوم الذي من أجلنا كلبنانيين، ككل اللبنانيين، أشرقت الشمس، وستظل بنادقنا، راياتنا هي من تصنع الأمل، ومن تصنع العزيمة بأننا سنظل حماة الارض من برابرة، وهراطقة هذا الزمان.