نبيه البرجي : الهنود الحمر والهنود البيض

0
220

حين قرع صمويل هانتنغتون، صاحب نظرية «صدام الحضارات»، جرس الانذار من اندثار «الجنس الابيض» في الولايات المتحدة أمام زحف الملونين، سأل الكاتب الاميركي آلن غينسبورغ (اليهودي الذي تحوّل الى البوذية): لو كان للهنود الحمر ان يستنوا تشريعاً بحظر دخول المهاجرين الى ارضهم، هل كانت قامت الامبراطورية الاميركية؟.

حتماً لا، ولم يقل غينسبورغ بفوضوية او بعشوائية، الهجرة، ليسأل ما اذا كان هانتنغتون من ذلك الفريق من المفكرين والسياسيين الذين ترعرعوا في الغابات لو في المدن أو في الجامعات او تحت رداء السيد المسيح.

الكاتب الاميركي لاحظ ان الديناميكية الفذة التي تتمتع بها الولايات المتحدة سببها انها نشأت خارج الايقاع القبلي للدول الاخرى، وبمنأى عن صخب التاريخ، ليشير الى حساسية التفاعل بين الثقافات والحضارات.

كثيرون توقفوا عند كلام دونالد ترامب حول اقامة جدار بين بلاده والمكسيك وحيث تحشد الحدود على مسافة 3152 كيلومتراً، وهي الحدود التي يطرقها سنوياً أكثر من 100 مليون شخص ذهاباً واياباً.

هؤلاء لم يتوقفوا كثيراً عند الجدار الذي يريد الرئيس الخامس والاربعين، وفي زمن العولمة وسقوط الاسوار بين الاسواق، تشييده مع بقية العالم، لم يقل بمبدأ مونرو (1823)، والابتعاد عن لعنة التاريخ التي يحملها سكان الضفة الاخرى من الاطلسي على ظهورهم. قال بما هو أسوأ..

لا ريب ان هناك مجتمعات عديدة في الكرة الارضية تتمنى الحد من الهيمنة الاميركية، والتدخل في مسارات الدول، حتى ان اندريه مالرو لاحظ كيف ان وكالة الاستخبارات المركزية بذلت قصارى جهدها لاخراج شارل ديغول من الاليزيه.

لاحظ ايضا كراهية فرانكلين روزفلت للجنرال الفرنسي حتى انه سعى لاقتطاع ارض فرنسية (ومعها قطعة من بلجيكا) لاقامة دولة فالونيا، وتحطيم انف ديغول..

اما في العالم الثالث فحدث ولا حرج، انظمة، بما فيها انظمة كبرى، تدار بالخيوط، وربما بالاحذية ايضا، اذا ما اخذنا بقول بابلو نيرودا «اولئك الذين يشبهون احذيتهم» لانهم «يدوسون على الوردة وعلى زجاج القمر»

عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو استخدم تعبير «غروب الآلهة» لدى مقاربته «الانحدار النوعي» لدى القادة حتى في دول تعتبر متقدمة، مستعيداً تسمية ريتشارد فاغنر لسنفونيته الشهيرة.

سأل ما اذا كانت الحضارات قد شاخت او تمكنت الى هذا الحد، لم يعد هناك لا الاسكندر ذو القرنين، ولا أتيلا الجبار، ولا نابوليون بونابرت، شيء ما يشبه انهيار التاريخ.

انه دونالد ترامب الذي كشف ان اهل السياسة في اميركا الذين أكثرهم تخرجوا من أرقى الجامعات في العالم يبدون، في نظرتهم الى الاخرين، كما لو انهم اتوا للتو من الادغال، تلك النظرة الفظة، والمتعالية، الى الاخرين كل الاخرين..

الكاتبة توني موريسون قالت «لكأنه صراع الوحوش»، لا يتزلجون على ظهور الآخرين فحسب بل انهم يتزلجون على ظهور بعضهم البعض، داخل الحزب الديموقراطي يُسحق رجل يدعى بيرين ساندرز لانه يدعو الى الابتعاد عن «التماثيل الخشبية التي  هرمت»، ودائما لمصلحة مرشحة من الاستبلشمانت وتلاحقها الفضائح، وداخل الحزب الجمهوري يبدو المشهد وكأنه كوكتيل من الايديولوجيات الشرهة…

لاحظوا ذلك القتال على المناصب، ذئاب بياقات بيضاء، واكثرهم من الذين ينظرون الى العالم بعيون الديناصورات لا بعيون الملائكة كما أمل تومان جيفرسون «الهنود البيض غير الهنود الحمر».

اميركا أمام هزات كبرى، العالم ايضاً، ماذا عن الشرق الاوسط؟ «انه الجحيم ايها الغبي» لمن سمع الكلام الاخير لتوماس فريدمان وآخرين…