ناصر قنديل – ثلاثة أمور لافتة: لافروف والجولان ودمشق أنقرة

0
32

 

– انتهى زمن التغاضي والحساب سيكون على النقطة والفاصلة، هذه هي المعادلة المشتركة لثلاثة أمور لافتة صاحبت البدء بتطبيق الهدنة المقرّرة وفقاً للتفاهم الروسي الأميركي حول التعاون في الحرب الإرهاب والحلّ السياسي في سورية، ففي يوم واحد تحدّث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن الهدنة، وقال إنّ هناك مَن يسعى لتشريع النصرة، وإنّ هناك مَن يعرقل تصنيف «أحرار الشام» كتنظيم إرهابي، وأضاف مهدّداً أنّ موسكو ستنشر الملحقات الخمسة للتفاهم وأنّ واشنطن من طلبت عدم النشر لإبقائها سرية. وبعد ساعات قالت الخارجية الروسية إنه لا يمكن الصمت على التحدّي الذي يمثله إعلان التنظيمات المسلحة التي يتقدّمها جيش الإسلام وأحرار الشام وحركة نورالدين زنكي عن موقف سلبي من الهدنة والتفاهم الذي تمّ بين واشنطن وموسكو. وأضاف البيان أنّ الضغط على هذه الفصائل مطلوب من واشنطن، وبالتزامن كان الطيران «الإسرائيلي» يقصف أهدافاً سورية في الجولان فتصدّت له الدفاعات الجوية المتطوّرة وأسقطت له في مرة نادرة طائرة حربية وطائرة استطلاع، وبالتزامن صدر بيان عن وزارة الخارجية السورية يربط الموافقة على أيّ مرور للمساعدات الآتية من تركيا بالتنسيق مع الحكومة السورية، رافعاً سقف الانتقاد للمواقف التركية، واصفاً خطواتها العسكرية بالعدوان على السيادة السورية، والأهمّ التلويح بالعزم على التصدي لتحليق الطيران التركي في الأجواء السورية.

– تنتبه القيادة السورية أنّ تقاسماً للمهام يجب أن يتمّ بينها وبين حليفتها روسيا في تطبيق التفاهم، وأنّ عليها تسهيل ما تسعى إليه روسيا وتريد سورية لها أن تنجح فيه، من تسهيل لانخراط أميركي جدي في الحرب على جبهة النصرة وما يرتبط به من مسؤولية واشنطن بضبط مواقف الفصائل التي تطلب شمولها بالهدنة وتصنفها كـ «معارضة معتدلة»، ولذلك تقوم الدولة السورية بتطبيق كلّ موجباتها وفقاً للتفاهم وتترك لحليفتها روسيا ملاحقة التلكّؤ الأميركي في الضغط على الجماعات المسلحة المحسوبة عليها وعلى حلفائها، فتتفرّغ روسيا من اليوم الأول لتسجيل وتتبع كلّ موقف وسلوك وسانحة، لتقف عندها وتذكر واشنطن بواجباتها وفقاً للتفاهم، قطعاً للتذرّع بأيّ حجة للتنصل من المهمة التي تنتظرها بعد أسبوع من بدء تطبيق الهدنة، فيرفع لافروف الصوت عالياً بوجه واشنطن، ناقلاً إلى العلن التوسّطات الأميركية التي تنقل تدخلات حلفائها للتهاون مع «النصرة» وتحييد «أحرار الشام» والتغاضي عن بيان التشكيلات المتمرّدة على التفاهم، بتهوين مفاعيل تمرّدها ويهدّد بنشر الملحقات التي وردت فيها بالأسماء هذه التنظيمات كتشكيلات متفق على تصنيفها إرهابية، واعتبارها أهدافاً مشروعة للحرب، ملمّحاً إلى أنّ قبول موسكو بسرية الملحقات التي أرفقت بها ملفات مفصلة عن كلّ من هذه التشكيلات كان لتسهيل الأمر على واشنطن لتطبيق التفاهم، وليس للتمهيد للتراجع عن موجباته.

– تؤدّي موسكو المهمة على أتمّ وجه من اليوم الأول، فتظهر حازمة وحاسمة وغير متهاونة في التمسك بالحذافير التفصيلية التي تشكل بالنهاية جوهر التفاهم. فتتفرّغ سورية لجبهتين تغاضت عنهما سابقاً، واكتفت بتسجيل موقفها وحقوقها السيادية بانتظار التوقيت المناسب وها هو قد أتاها، فالطرفان الإقليميان اللذان يُشغلان بال دمشق هما دار السلطان وبيت العنكبوت، تركيا و»إسرائيل». فتركيا التي اعتبرت أنّ التطبيع في علاقتها مع روسيا والعودة إلى تشغيل قنوات التواصل والتعاون مع إيران، ورسم سقوف لتدخلها في سورية تتصل بمنع قيام شريط كردي متصل، هي تركيا التي تعرفها سورية جيداً وتعرف أنها ما لم تشعر بخطورة الموقف وضوابط الردع ستتمادى وتوسع بقوة الأمر الواقع نطاق التدخل، لذلك حافظت دمشق على موقف مبدئي برفض هذا التدخل واعتبرته عدواناً على السيادة من أول الطريق، لكنها مع التفاهم الروسي الأميركي استندت إلى أنّ هذا التفاهم يشرعن الدور الأميركي باعتباره يتمّ بالتنسيق مع المهام الشرعية لروسيا وفقاً لاتفاقها مع الحكومة السورية، فيسقط مبرّر الاستباحة الذي يمكن أن يستقوي به الآخرون وخصوصاً الأتراك، وتضعهم سورية بين حدّين، إما التنسيق مع الحكومة السورية حتى بالمعونات، أو تلقي الردّ العسكري على أيّ اختراق تقوم به طائراتها للأجواء السورية، والمخرج الوحيد المتروك للأتراك سيكون الذهاب للتفاهم مع روسيا التي تقول لهم بدون اتفاق مع الحكومة السورية لا مكان لكم في الميدان السوري، ووفقاً للتفاهم الأميركي الروسي المركب لا يتسع لأكثر من اثنين، فتوفر سورية مع حفظ سيادتها حماية لأكراد سورية وفتحاً للباب أمامهم للعودة إلى حضن وطنهم ودولتهم بعدما جرّبوا التيه في الأحلام والكوابيس الأميركية.

– «الإسرائيليون» الذين يدركون حجم تأثير التفاهم الذي يعتبر «النصرة» هدفاً لحرب أميركية روسية يصيب حزام الأمن الذي استندوا على النصرة لإقامته حول الجولان، يدركون في المقابل مخاطر الظهور كعامل تعطيل للتفاهم، فهم على علاقة يحتاجونها مع موسكو في صناعة منصات التسويات الفلسطينية «الإسرائيلية»، كما يحتاجونها لضمان عدم تعرّضهم لمخاطر حرب إقليمية يخشونها مع عودة العافية لسورية، وهم على علاقة مع واشنطن لا تتيح المجاهرة بالدفاع عن النصرة فيما واشنطن تعلنها عدواً رقم واحد، ولو كانت تدرك حجم المرارة الأميركية بفعل ذلك، لذلك عرفت سورية التوقيت المناسب للبدء بهدم جدار الأمن «الإسرائيلي» في الجولان الذي تشكل «النصرة» حجارته، ووضعت جيش بيت العنكبوت أمام امتحان رؤية الجدار يتهدّم فتتورّط «إسرائيل» متوهّمة أنّ الردّ سيكون كما في السابق لتفاجأ بالردّ النوعي، وتضطر للانكفاء ونكران سقوط طائرتيها كي لا تصير ملزمة بالردّ، وامتصت الصدمة لتتخذ قرارها على البارد، فالانفعال لا يجدي، والتصعيد قد يمنح سورية فرصة تريدها في زمن التهدئة الداخلية، لتنظيف الجنوب السوري من جهة، وفضح حقيقة العلاقة بين «إسرائيل» وأجسام من يسمّون أنفسهم بالمعارضة المسلحة، وإنجاز ميزان ردع على الحدود يريحها من العودة إلى اتفاق فك الاشتباك الذي أسقطه «الإسرائيليون» وعليهم تحمّل تبعات ما فعلوا.

– مستقبل الموازين الحاكمة للعلاقات على الحدود الشمالية الجنوبية، يبدو كأنه سيرسم في الأسبوع الذي حدّده التفاهم الروسي الأميركي للتهدئة تمهيداً للحرب على جبهة النصرة وتنظيم داعش، وليس لدى سورية وقت ضائع، فالمبادرة بيدها وهي مَن يرسم معادلات العلاقات بالآخرين اليوم.