“مِحوَر المُمَانعة”… بين الهزيمة الإقتصاديّة والرُضوخ للشُروط!

0
66

مُشكلة ​لبنان​ أنّه يُشكّل جزءًا لا يتجزّأ من ​الشرق الأوسط​، ومن مشاكل هذه المنطقة العميقة والمُزمنة والتي لا تنتهي! وفي المَرحلة الأخيرة، تضاعفت مشاكل لبنان مع تحوّله-رغمًا عنه، إلى جزءٍ لا يتجزّأ من “مِحور المُمَانعة” الذي تُقوده ​إيران​ في المنطقة. فما هي آخر التطوّرات في ما خصّ أزمات ومشاكل كلّ من إيران و​اليمن​ و​سوريا​ و​العراق​ والأراضي الفلسطينيّة، وهل سيستطيع لبنان الصُمود في ظلّ الحرب الإقتصاديّة والماليّة الضارية التي تُخاض ضُدّ “محور المُمانعة” الذي يرفض الرُضوخ لشروط التسويات، ويُصرّ على المُواجهة حتى النهاية؟.

بالنسبة إلى إيران التي تعتبر نفسها مُنتصرة ميدانيًا في سوريا والعراق واليمن ولبنان والأراضي الفلسطينيّة، بغضّ النظر عن الإرتدادات الإقتصاديّة والماليّة المُدمّرة على شُعوب هذه الدول، فهي تُواصل حتى تاريخه كباشها مع ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة في ما خصّ الملفّ ​النووي الإيراني​. والرسائل الأمنيّة الإيرانيّة مُتواصلة، إن في اليمن حيث تستمرّ عمليّات إطلاق ال​صواريخ​ والمُسيّرات لضرب ​السعودية​، وإنّ في العراق حيث تستمرّ الهجمات الصاروخيّة ضُدّ أهداف أميركيّة، أو حتى في البحر حيث تُستهدف السُفن ال​إسرائيل​يّة، إلخ. والرسائل الأمنيّة الإيرانيّة مُستمرّة أيضًا في سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينيّة، حيث تتواصل التحضيرات للمعركة الكبرى، عبر تجهيز أرضيّة المُواجهة مع إسرائيل، عبر تحصينات قتالية وتحضيرات لوجستيّة تمتدّ من ​الجولان​ السُوري المُحتلّ، مُرورًا ب​مزارع شبعا​ اللبنانيّة المُحتلّة، وُصولاً حتى ​الناقورة​، من دون أن ننسى قطاع غزّة. وفي الوقت الذي قام الرئيس الأميركي الجديد ​جو بايدن​ بتمديد “قانون الطوارئ الوطني” بشأن العُقوبات على إيران والصادر في العام 1995، لمدّة عام إضافي، في إنتظار أن تتراجع إيران خطوة إلى الوراء، تُفاوض هذه الأخيرة بشكل مُباشر مع ​روسيا​ وبشكل غير مباشر مع دول ​الإتحاد الأوروبي​، للتوصّل إلى تسويات جديدة للمنطقة ككلّ، وتسعى ​طهران​ لكسر الطوق حولها من خلال تعزيز تعاونها مع بكين، لتلتفّ على عُقوبات ​واشنطن​.

ومن الضروري الإشارة إلى أنّ هامش تحرّك باقي الجهات التي تنتمي إلى “مِحور المُمانعة” الذي تتزعّمه إيران، أيّ العراق ولبنان واليمن وفلسطينيّي غزّة وحتى سوريا، مَحدود جدًا، حيث أنّ طهران تملك أوراق التفاوض عنهم جميعًا! أكثر من ذلك، إنّ الجماعات المُسلّحة والمُدرّبة والمُموّلة من قبل إيران والتي تتمتّع بنُفوذ كبير في هذه الدول، قادرة بسُهولة على عرقلة أيّ مُحاولة للخروج من هذا المحور، وعلى منع توقيع إتفاقات مُنفصلة مع الأميركيّين أو مع غيرهم. وبالتالي، ما لم تنجح المُفاوضات مع إيران في التوصّل إلى تسويات تنهي الأعمال القتاليّة وأجواء التوتّر، لا مجال لعودة الإستقرار إلى الشرق الأوسط، ولا إلى لبنان بطبيعة الحال.

وليس بسرّ أنّه تُوجد مُحاولات أميركيّة لربط أيّ إتفاق جديد مع إيران بشأن ملفّها النووي، بمواضيع شائكة تخصّ ساحات مُلتهبة أخرى من المنطقة. فإسرائيل تريد إنسحاب القوّات الإيرانيّة والمجموعات القتاليّة الموالية لطهران من سُوريا، وتريد وقف قيام إيران بتزويد “​حزب الله​” بصواريخ دقيقة وبنشر صواريخ بعيدة المدى في محيطها. والسُعودية تريد أن تتوقّف إيران عن مدّ الحوثيّين ب​الصواريخ​ الباليستية وبالطائرات من دون طيّار التي تُستخدم في مُهاجمتها، وبوقف التمدّد العسكري والسياسي الإيراني في كامل المنطقة العربيّة، من ​البحرين​ إلى لبنان. والولايات المتحدة الأميركيّة تريد وقف الهجمات ضُدّها، وألاّ تكون التسويات في الشرق الأوسط على حساب مصالحها ونفوذها في الإقليم، وهي تريد أيضًا أن تتوقّف إيران عن عرقلة ​مسيرة​ التطبيع القائمة بين إسرائيل وعدد من الدول العربيّة، وعن مُحاربة مُحاولات التوصّل إلى تسوية للقضيّة الفلسطينيّة وفق الرؤية الأميركيّة للحلّ النهائي، إلخ.

وكلّ العُقوبات الإقتصاديّة والضُغوط الماليّة وعمليّات الحصار التي دمّرت إقتصاد إيران والعراق وسوريا واليمن ولبنان والأراضي الفلسطينيّة، ستبقى قائمة إلى حين التوصّل إلى تسويات للمنطقة ككلّ. وطالما أنّ إيران ترفض الرُضوخ للشروط المَطلوبة منها، فإنّ الأزمات الحياتية والمعيشيّة التي تُعاني منها دول “محور المُمانعة” مُرشّحة للإستمرار في المدى المَنظور. وهذا يعني أنّ ​حالات​ ​الفقر​ والعوز و​البطالة​ التي تعمّ هذه الدول ستستمرّ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مسألة إنهيار قيمة العُملاتالوطنيّة في هذه الدول في مُقابل سعر صرف ​الدولار​ الأميركي(1). والمعركة مَفتوحة على كل الإحتمالات طالما أنّ عمليّات عضّ الأصابع المُتبادلة ستستمرّ بين طهران وواشنطن، في ِإنتظار أن تنجح التدخّلات الغربيّة بوضع مسار التسويات على الطريق الصحيح.

وفي الإنتظار، يرزح لبنان تحت وطأة الصُعوبات المَعيشيّة والحياتيّة المُدمّرة، من دون أي أفق بعد للحدّ من سرعة الإنهيار وتأخيره، في إنتظار التسويات المُنتظرة. والخوف كلّ الخوف، أن تتأخّر هذه التسويات إلى وقت لا يعود معه من المُمكن الخروج من واقع الإنهيار، أو أن تأتي هذه التسويات بين الدول العُظمى والدول الإقليميّة الكبرى، على حساب الدول الصغيرة والضعيفة، ومنها لبنان! وفي حال بلغنا مرحلة الإنهيار الكامل، سنُصبح أسرى إنتظار حفنة من الدولارات من الخارج، لنشتري أبسط مُتطلّبات ​الحياة​ من غذاء ودواء و”فيول”، في مُقابل تنازلات بالجملة عن حقوقنا، من قضايا مثل ​اللاجئين​ الفلسطينيّين، و​النازحين​ السُوريّين، و​ترسيم الحدود​، وإستخراج ​النفط والغاز​، إلخ.

(1) في لبنان أقلّ بقليل من 13000 ليرة لبنانية للدولار، في سوريا نحو 4000 ليرة سورية للدولار، في إيران أكثر من 42000 ريال إيراني للدولار، في اليمن قرابة 900 ريال يمني للدولار، في العراق أكثر من 1450 دينار عراقي للدولار.