ميثاق ابــراهــيــم

0
32

نبيه البرجي/

 أكثر من أن يكون مثيراً لجوء بعض كبار الباحثين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة الى أسطورة «التنين الأحمر» الذي يبتلع الشمس والقمر. لاحظوا أن «التنين الأصفر» لن يكتفي بابتلاع أميركا، حتى اذا ما واصلت أسنانه في الانتفاخ، لا بد أن يبتلع الكرة الأرضية…

من هنا قولهم ان زيارة مايك بومبيو ومارك اسبر الأخيرة للهند انما تتوخى الاعداد لاقامة سور آسيوي حول سور الصين العظيم. بحيث لا يعود من مكان لكلام آلان بيرفيت، في كتابه «عندما يستيقظ التنين»: «هؤلاء، أصحاب الأحذية الضيقة، والعيون الضيقة، من يصنعون خيالنا في القرن الحادي والعشرين» !

وكان يفغيني بريماكوف، الشخصية الروسية الفذة ورئيس الوزراء السابق، قد عوقب من قبل واشنطن باقصائه، كلياً، عن الكرملين حين دعا في بكين ونيودلهي الى اقامة المثلث الروسي ـ الصيني ـ الهندي الذي «يحول دون الأميركيين وتحويلنا الى هنود حمر…».

التنامي الأسطوري في القدرات الصينية جعلت وزير الدفاع السابق الجنرال جيمس ماتيس يقول « لن ننام بين أسنان التنين». أين الشرق الأوسط في هذه الحال؟

 بعد توقع البنك الدولي نضوب النفط  في غضون 15 عاماً، بدا صندوق النقد الدولي وكأنه يرثي  المنطقة العربية. التقهقر الاقتصادي بصورة دراماتيكية.

 من هنا قول موشيه هالبرتال، الاستاذ الاسرائيلي في جامعة نيويورك، «لم يبق أمام الدول العربية الا اقامة «علاقات تفاعلية» مع اسرائيل، أي السعي الحثيث الى «الاقتصاد الآخر»، لا محاولة الدخول الى التكنولوجيا بقدمي شهريار. دعا الى التوأمة، تحت «ميثاق ابراهيم»، بين الدماغ اليهودي والمال العربي.

في رأي هالبرتال، لا مستقبل للبلدان العربية، وحتى لا بقاء للبلدان العربية بعدما أظهر العقد الأخير أن الأتراك والايرانيين الذين يتقاطعون في عملية الدمج بين الهاجس الجيوسياسي والهاجس الايديولوجي قد يلتقيان يوماً ما على بلقنة المنطقة على أساس طائفي أو مذهبي. الخلاص في التماهي الاستراتيجي مع اسرائيل الذي اذ يؤمن التوازن مع القوتين الاقليميتين، يحول دون تلك الدول والاضمحلال.

هالبرتال يرى أن الأميركيين «سيفككون خيامهم ويرحلون الى الشرق الأقصى». على نحولافت يشير الى مخاوف اسرائيلية من قيام كوندومينيوم عسكري تركي ـ ايراني. يستدرك سريعاً ليقول ان هذه المسألة أشبه ما تكون بقرع الطبول عند أبواب المستحيل !

الأبحاث ترى أن الغاز الذي يتوافر بكثافة شرق المتوسط قد يحل محل النفط في غضون السنوات العشر المقبلة. لهذا كانت الخطط التركية والايرانية البحث عن الغاز الذي لا بد أن يستقطب الاستراتيجيات الكبرى. القرار الأميركي هو السيطرة على خطوط الانتاج، كما على طرق النقل، من أجل منع الهواء عن التنين.

 من هنا كان تعليق قناة «فوكس نيوز»، وقبيل الانتخابات الرئاسية: «اذا بقي دونالد ترامب لولاية ثانية فقد يعيد الصين  الى زمن الفحم الحجري، وربما الى زمن العصر الحجري».

هذا الكلام أثار الباحث الاقتصادي الأميركي جيمس غالبريث الذي علق قائلاً «اذا بقي ترامب فقد نعود كلنا الى العصر الحجري». سأل «أليست الحرب العالمية الثالثة بحاجة الى مثل هذا المشعوذ؟».

ها هو ظل دونالد ترامب ينحسر، تدريجاً، عن البيت الأبيض. البنتاغون هو الذي يعد الهندسات الاستراتيجية التي تتعلق بالمستقبل. لا مجال البتة لحصول أي تخلخل في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب مهما تغيرت خارطة المصالح. الشرق الأوسط هو الباب الخلفي (الباب الذهبي) للشرق الأقصى. من هنا بالذات قراءة العناوين الرئيسية لصراعات القرن.

في ضوء هذه البانوراما، نخشى، كلبنانيين نحسب  أن الكرة الأرضية تدور حولنا، أن نستعيد قول محمد الماغوط «ندخل القرن الحادي والعشرين كما تدخل ذبابة الى غرفة الملك…» !!