موقع رأي اليوم : البرلمان العراقي يحظر حزب البعث في بغداد ويدعمه في سورية.. اي تناقض هذا؟ وكيف يشّرع الاحزاب الطائفية ويحظر العروبية

0
49

تشكل سياسات الاقصاء الطائفي والعنصري والنزعات الثأرية الانتقامية السبب الرئيسي الابرز لاستمرار حالة الفوضى والتدهور والفساد وعدم الاستقرار التي يعيش في ظلها “العراق الجديد”، ووجود قطاع عريض في اوساط النخبة العراقية السياسية الحاكمة يتمسك بها، ويرفض التعلم من دروس الـ 13 عاما الماضية، اي منذ غزو القوات الامريكية للعراق.

قانون اجتثاث البعث، الذي تبناه الحاكم العسكري الامريكي بول بريمر بتحريض من الدكتور احمد الجلبي، وما ترتب عليه من تقويض وهدم للدولة العراقية ومؤسساتها العسكرية والامنية، هو الذي بذر بذور الانقسام الطائفي اولا، ونشوء جماعات اسلامية متشددة مثل “الدولة الاسلامية”، واكد تهمة الطائفية والعنصرية بالحكم العراقي، وتجربته البرلمانية والادارية.

قبل يومين اصدر مجلس النواب العراقي (البرلمان) قانونا بحظر حزب البعث من اي عمل سياسي في البلاد، ومنع وصوله الى السلطة، او المشاركة في الحياة السياسية او التعددية الحزبية، وتضمن التشريع الجديد فرض عقوبات على مؤيديه ومن يروج له.

السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي، واحد من ابرز قياديي حزب الدعوة، كان من الطبيعي ان يقف خلف هذا القرار، وان يرحب به، مدعوما بتحالفه من الاحزاب المؤتلفة مع حكومته، ووصف هذا القانون بانه “انتصار للشعب العراقي ولعوائل الشهداء”، ووضع هذا الحزب الى جانب الاحزاب والتنظيمات التكفيرية.

ومن المفارقة انه بينما كان السيد العبادي يحتفل بهذا الانتصار، تنشغل الاوساط العراقية بفضائح الفساد التي تسود الدولة، ويتورط فيها الكثير من الوزراء والنواب، على رأسهم رئيس البرلمان سليم الجبوري، ووزير الدفاع خالد العبيدي، وجرى منع كل من ورد اسمه في القائمة من السفر حتى ينتهي تحقيق لجنة مشكلة من مجلس النواب نفسه معهم.

لا نجادل مطلقا في ان حزب البعث ارتكب وحكوماته اخطاء كبيرة، وكان حزبا ديكتاتوريا، تصدى بالقمع، والقبضة الحديدة، والقتل، والتعذيب لكل من حاول تفكيك العراق، او انتهاك سيادته ووحدته الترابية، والاهم من كل هذا وذاك، انه لم يكن حزبا طائفيا، بل يعادي الطائفية ويحاربها ايا كانت هويتها المذهبية او العرقية، ويؤمن بالهوية الواحدة الجامعة لكل العراقيين.

من المفارقة ان السيد العبادي وحلفاءه يتزعمون احزابا طائفية اقصائية، والاخطر من ذلك انهم بينما يشرعون اجتثاث حزب البعث في العراق يتحالفون ويدعمون نسخته الاصلية في سورية، والفرق بينهم وبين حزل البعث، انهم جاءوا الى الحكم رافعين راية الديمقراطية وحقوق الانسان والمصالحة الوطنية.

نفهم لو ان السيد العبادي وتحالفه قدموا البديل النموذجي المضاد لحزب البعث الذي يشيطنونه، وحققوا الامن والازدهار والاستقرار للعراق، والتعايش بين كل اطيافه العرقية والمذهبية، ولكنهم جاءوا بالبديل الاسوأ، وكرسوا الطائفية في ابشع صورها، وهوياتها في البلاد، وقادوها الى الدمار والخراب والفساد، واهدار وسرقة اكثر من الف مليار دولار من ثرواتها وبات الشعب العراقي الابي الشهم الكريم يواجه الجوع والحرمان والقتل وانعدام الخدمات الاساسية من الماء والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها، ويترحم بعضه على ايام البعث والرئيس صدام حسين.

“العراق الجديد” بات نموذجا للفساد ونهب المال العام، والفوضى الدموية، والسيارات المفخخة، والتقسيمات الطائفية البغيضة، العراق اليوم بلا هوية جامعة موحدة، ولا حكم رشيد، ولا تعايش حضاري انساني بين مكوناته، وبدعم من الولايات المتحدة الامريكية التي ما زالت تحتفظ بأكثر من 5000 جندي وضابط على ارضه وتدير شؤونه من خلف ستار، وسط مباركة وترحيب النخبة الحاكمة.

نحن هنا في هذه الصحيفة “راي اليوم” لا ندافع عن حزب البعث، ولا ايديولوجيته، وانما ندافع عن العراق والتعايش بين ابنائه، وسيادته الوطنية وعروبته واسلامه الجامع الموحد، وندين بأقوى العبارات السياسات الطائفية الاقصائية الانتقامية التي اوصلت العراق الى هذا الوضع البائس الذي يعيشه، “العراق الجديد” هو الذي يطبق النموذج الديمقراطي بعيدا عن كل انواع الاقصاء، ويحقق المصالحة الوطينة والعدالة الاجتماعية، وهذا ليست موجودا.

اخيرا نقول اذا كان البعض في النخبة العراقية ما زال ينطلق من نزعاته الثأرية ضد حزب البعث بسبب كراهيته للرئيس الراحل صدام حسين، فان الرئيس صدام رحل، وجميع اركان حكمه جرى اعدامهم، او مات في السجن، فلماذا هذا الخوف والرعب من اناس في المقابر، وهم الذين يسيطرون على مقدرات العراق، ويملكون جيشا، واجهزة امنية، وجمعوا بين “الحسنيين”، اي الدعم الامركي والايراني معا؟