موسكو… دمشق… طهران

0
44

في أحد برامج «التوك شو»، قال أحدهم، بلغة الواثق، ان علاقته الاستراتيجية مع الكرملين في أحسن حال. آنذاك، كتبنا أن الرجل كان يقصد أن علاقته الاستراتيجية مع سندويتش الفلافل في أحسن حال.

على الضفة الأخرى، ساسة، وكتّاب، ينظرون الى الكرملين من خلال طبق الفلافل، أو طبق الكافيار. هؤلاء الذين يختالون، بالطرابيش الحمراء، بين يدي دونالد ترامب، أحياناً كثيرة بين يدي بنيامين نتنياهو، يفترضون أن سياسات القيصر ينبغي أن تتماهى، ميكانيكياً، مع السياسات السورية أو مع السياسات الايرانية.

شائعات عن خلافات جوهرية بين الدول الثلاث. كم تبدو التعليقات كاريكاتورية حين يشيرون الى خلافات بين موسكو وطهران حول من يضع يده على الجيش السوري الذي سيبقى سورياً، سورياً فقط، حتى تتوقف الكرة الأرضية عن الدوران.

بتفاؤل ساذج، يتوقعون انفجار العلاقات في اي لحظة بسبب السياسات الروسية، كما لو أنه ليس من مصلحتنا، والوضع العربي في قعر الزجاجة، أن تكون موسكو على تواصل مع «تل أبيب»، أو مع أنقرة. هي التي علاقتها وثيقة بالرياض أيضاً.

يسألون، دون الالتفات الى معادلة قايين وهابيل التي تحكم الحالة العربية من المحيط الى الخليج، أين الروس من الغارات الصاروخية على سوريا؟ لا يلاحظون البتة أن القاذفات «الاسرائيلية» لم تعد تحلق، على هواها، في الأجواء السورية. أكثر من ذلك يعلمون كل التفاصيل حول غرفة العمليات المشتركة في الأردن. ألم تكن دبابات الميركافا جاهزة للتوجه الى دمشق، ووراءها قوافل العرب ورايات العرب؟

الايرانيون كانوا يزمعون تفجير الجبهة مع مرتفعات الجولان. نظرية الروس، في ذلك الوقت، اعطاء الأولوية لتفعيل الدولة في سوريا، وقد تعرضت، على مدى سنوات الحرب، الى اختراقات دراماتيكية، في العديد من القطاعات ذات الطبيعة الاستراتيجية.

هكذا تمكنت ديبلوماسية القيصر، وبالتنسيق الكامل مع القيادة السورية، من حمل الايرانيين على الابتعاد عن خطوط فض الاشتباك، على أن تعود القوات السورية الى التموضع في المنطقة بعدما كانت حكومة بنيامين نتنياهو تراهن على ادارة الخيوط من خلال ادارة الفوضى على تلك الخطوط.

الغريب أن الذين يشكلون، بصورة أو بأخرى، جزءاً من المحور الأميركي ـ «الاسرائيلي»، أخذوا على الايرانيين تراجعهم عن المواجهة (والتحرير)، وأخذوا على الروس تفاهمهم مع «اسرائيل». لم يتنبهوا الى أن المؤازرة الروسية حالت دون تنقيذ سلسلة من البدائل التي وضعت لمصلحة بنيامين نتنياهو، وحلمه في ان يقوم بجولة بطائرة هليكوبتر فوق عاصمة الأمويين.

من الطبيعي أن تكون لكل من موسكو، ودمشق، وطهران، رؤيتها الخاصة، رؤيتها التكتيكية كما رؤيتها الاستراتيجية، لادارة المشهد، كما لادارة تحولات المشهد. هذا منطق الأشياء. حتماً ليست دمشق، وليست طهران، تحت المشيئة الروسية. هنا لا مجال لا للعبة الدمى، ولا للاستنساخ الآلي للعبة الأمم.

فارق شاسع بين أن تكون دولة ما حليفة، أو صديقة، للكرملين، وبين أن تكون دولة ما حليفة، أو صديقة، للبيت الأبيض. الأميركيون لا ينظرون الى العرب، كل العرب دون استثناء، أكثر من كونهم بقايا أحافير جيولوجية لا جدوى منها.

التعامل الأميركي مع الملف الفلسطيني هو المثال، وحيث التبني المطلق للسياسات الاسرائيلية، والعداء المطلق للحقوق الفلسطينية. ماذا تعني «صفقة القرن» سوى تكريس الدياسبورا، وتحويل الجاليات الفلسطينية الى ألغام معلبة داخل الدول المضيفة؟

الروس حذروا الدول العربية الضالعة في السيناريو الذي وضعته الأدمغة التوراتية في الولايات المتحدة. جاريد كوشنر، بالضحالة السياسية والديبلوماسية، ليس أكثر من ناطق ببغائي باسم السيناريو. لم يأت، ولا يأتي، وحيداً الى المنطقة، بل يصطحب خبراء محنكين في الأداء السياسي، وفي الأداء الديبلوماسي.

لا أحد أخذ بالتحذيرات الروسية من أن تنفيذ الصفقة التي لا ترتكز الى اي اساس تاريخي، أو جغرافي، أو فلسفي، أو اخلاقي، لا بد أن يفضي الى تصدعات بنيوية في ارجاء المنطقة. كيف يمكن أن يهال التراب، أو أن يهال الزمن، على نحو 15 مليون فلسطيني.

ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومسؤول الشرق الأوسط السابق في مجلس الأمن القومي، اعتبر أن ما يحدث بمثابة الهولوكوست. هنا لا يقتل الفلسطينيون في غرف الغاز، وانما في الغرف الديبلوماسية.

البلدان الثلاثة ضحايا العقوبات الأميركية. لكل منها أزماتها الخاصة، نقاط القوة ونقاط الضعف. أحياناً تتناقض الرؤى. غالبية الأحيان تتقاطع، مع اقتناع الثلاثي الروسي ـ السوري ـ الايراني بأن المدة المتبقية من الولاية الأولى للرئيس الجمهوري ستكون حافلة بالاحتمالات (وبالمفاجآت) الصعبة. هذا يجعل الحلف أكثر ترابطاً، واكثر تماسكاً، في التصدي للحظات المجنونة التي قد يحاول البيت الأبيض فرضها.

ثمة قناعة ثابتة في العواصم الثلاث بأن الصفقة ستنفجر كما القنبلة. شظاياها لن تتوقف عند حدود. حتى في القارة العجوز يسألون ما اذا كان دونالد ترامب قد قرر الانتحار في الشرق الأوسط.

قد يكون عليه أن يستشير هنري كيسنجر الذي وصف المنطقة بـ«الحيوان الميتايزيقي» الذي يستحيل ترويضه لا بالقاذفات ولا بالقفازات.

الديار- نبيه البرجي