من مضيق هرمز الى التحول الإماراتي في اليمن.. محاولة لفهم المشهد

0
65

لتفكيك المشهد الحالي في المنطقة وخاصة في بؤرة التوتر الأكثر خطورة الخليج، على خلفية التصعيد الحاصل بين ايران والغرب، لا بد من فهم خلفيات مجريات الأحداث الظاهرة بدء باحتجاز ناقلة النفط الايرانية في مضيق جبل طارق من قبل البحرية البريطانية، وانتهاء بالتحول الاماراتي في اليمن، وهذا ما سنحاول القيام به بهذا العرض الموجز.

قبل حوالي أسبوع قامت البحرية البريطانية باحتجاز ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق بزعم أنها ذاهبة إلى سوريا، إيران نفت هذه المزاعم، وما أربك المشهد هو تصريح فوري من الخارجية الاسبانية يقول “إن الاحتجاز جاء بطلب واشنطن”، وهذا كان متعمدا من إسبانيا لانها كانت منزعجة للغاية من التصرف البريطاني في مياه متنازع عليها بين الطرفين.

 هذا التصريح من جانب اسبانيا كشف حقيقة الموقف لطهران، بأن القضية تتعلق بصادراتها النفطية، وليس بعقوبات الاتحاد الأوروبي على سوريا، وأن بريطانيا لعبت دور القفازات لليد الأمريكية.

أخذ صناع القرار في طهران قرارا حاسما بالرد، الرد كان وفق أحد المسارين التاليين، أما احتجاز سفينة بريطانية، وأما الرد باستهداف مراكز نفطية حيوية. فضلت إيران تأجيل التنفيذ إلى ما بعد يوم الأحد 7 تموز يوليو، وهو موعد إعلان خطوتها بخفض التزامها بالاتفاق النووي ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم.

ابلغت إيران جميع الأطراف الأوروبية أن مسألة الرد على احتجاز الناقلة أصبح بحكم الأمر الواقع، اذا لم يتم الافراج عنها، وعلى الجميع أن يعلم ذلك.

الثلاثاء 9 تموز (يوليو) وصل المبعوث الفرنسي “امانويل بون” إلى طهران وفي حقيبته ملفين: الأول يتعلق بأزمة الناقلة والثاني بالاتفاق النووي، ناقش “بون” مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني الادميرال “علي شاماخاني” أزمة الناقلة، طالبا منه تأجيل الرد على احتجاز الناقلة وإعطاء باريس وقتا لحل المسألة، ويبدو أن شامخاني أعطى موافقة على هذا الاقتراح.

بينما خصص اجتماعه الثاني مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف لطرح اقتراح يقوم على “التجميد مقابل التجميد” أي تجميد إيران خطوتها المقبلة مقابل تجميد خطوات العقوبات المقبلة. وحمل المبعوث الفرنسي من طهران أفكارا حول هذه المبادرة، وقبل أن يغادر “بون” طهران، أعلنت بريطانيا أن خمس زوارق سريعة إيرانية حاولت احتجاز ناقلة نفط بريطانية في مياه الخليج. ولكنها تراجعت بعد تهديد من فرقاطة عسكرية بريطانية كانت متواجدة في مضيق هرمز . ايران نفت هذه المزاعم .

 يمكن تفسير هذا المشهد على الشكل التالي، لا يمكن أن تنوي إيران احتجاز ناقلة نفط في مضيق هرمز ولا تستطيع، هذا أمر مفروغ منه . مضيق هرمز منقسم طوليا إلى قسمين، قسم من الجهة العربية، وهذا الجزء لا تبحر فيه الناقلات بسبب مياهه الضحلة، القسم الآخر من جهة إيران، وهو ممر الناقلات بسبب عمق مياهه، أي أن الناقلات تمر بمحاذاة الضفة الإيرانية للمضيق، والتالي يمكن لإيران اذا ما قررت احتجاز ناقلة أن تراقبها عن كثب وتعرف أن كانت ترافقها سفن حربية أم لا، وعلى هذا الأساس سوف تعد القوة البحرية الايرانية عملية الهجوم، ما يعني أنه لا يمكن أن يحصل ظهور مفاجيء لسفينة حربية بريطانية أثناء العملية الايرانية دون أن تعلم البحرية الايرانية بها مسبقا، اذا ما حقيقة ما حدث؟ يوجد تفسير واحد ووحيد، وهو أن إيران أوصلت رسالة لبريطانيا أنها قادرة على الرد  باحتجاز ناقلة بريطانية، ولكنها لم تفعل، وهي بذلك التزمت بالمبادرة الفرنسية وبذات الوقت أظهرت القدرة واوصلت رسالتها.

في الخليج بما يتعلق بشق الحرب في اليمن ثمة تحول إماراتي ظهرا علنا، وكنا قد رصدناه هنا بشكل مبكر جدا .

ونشرت “راي اليوم” قبل اكثر من اسبوعين تقريرا تحت عنوان “أبو ظبي تطرق أبواب موسكو هل الموقف الاماراتي في طور التغيير؟ وهل ستنسحب من الحرب في اليمن” وأورد التقرير  معلومات قالنا فيها أن الإمارات بصدد الانسحاب التدريجي من الحرب في اليمن.

وتحدّثت مصادر مطلعة لصحيفتنا  نشرناها بتاريخ 30 من شهر حزيران الماضي عن خلفيات القرار الإماراتي، وكشفت عن دور كبير لعبه حاكم إمارة دبي “محمد بن راشد آل مكتوم” في وصول الامارات لهذا القرار، وقال المصدر لنا  إن “ال مكتوم”  عقد اجتماعا مع ولي عهد الامارات الحاكم الفعلي للدولة محمد بن زايد، أكد فيه ال مكتوم أن دبي غير مستعدة لدفع ثمن كبير جراء أقدام الحوثيون على استهداف مراكز حيوية في دبي ردا على مشاركة الإمارات في الحرب، وقال المصدر حينها  أن “ال مكتوم” ذهب إلى حد التلويح بالخطر على وحدة الإمارات اذا ما استمرت السياسية الإماراتية تجاه اليمن على هذا النحو. وكشف تقرير “راي اليوم” عن رسالة وصلت إلى الإمارات وهي عبارة عن صور فيديو لطائرة مسيرة يمنية تحلق فوق مطارات الإمارات، في إشارة واضحة إلى إمكانية استهدافها، طبعا الأخبار الآن حول هذه المعلومات تملأ الصحافة العربية والغربية.

الجديد هو أن وزير الخارجية الإيرانية “محمد جواد ظريف ” تحدث علنا في مقابلة مع “قناة الميادين” عن هذا التحول ، واكد ان الإمارات لديها مقاربة مختلفة لقضايا المنطقة، ورفضت الإفصاح أن كان الامارتيون زاروا طهران أم لا، مصدر تحدث لنا عن خلفيات التحول الاماراتي من وجهة نظر أبو ظبي، بعيدا عن المعلومات التي اوردناها . وقال أن الإمارات تحاول رصد وأستباق امرين، الأول نتائج الانتخابات الأمريكية، إذ لا تريد الامارات الدخول في مراهنان كاملة على فوز دونالد ترامب، وتضع احتمال لمرحلة ما بعد ترامب ، والأمر الاخر احتمال حصول تفاوض مباشر بين ايران والولايات المتحدة ، سيكون على حساب دول الخليج العربية ، وتبدو فيه الإمارات كمن تلقى صفعة مباغتة، ويستبعد المتحدث أن تكون الإمارات تتصرف بشكل أحادي بعيدا عن الحليف السعودي ، بهذا المسار .

المنطقة بلا أدني شك مقبلة على تحولات كبرى، من إيران الى الخليج وصولا إلى سوريا، وعن تحولات سوريا لنا حديث لاحق .

كمال خلف