من قتل السفير الروسي في دار أردوغان؟

0
51

 

في لحظة حافلة بالتطورات، تركياً وإقليمياً، أردت رصاصات مباغتة للضابط مولود ميرت ألطنطاش السفير الروسي لدى أنقرة اندريه كارلوف، وهو يفتتح معرض صور «روسيا بعيون أتراك».

لكن القاتل التركي الذي وقف بهدوء غريب خلف السفير الروسي متحينا الفرصة المناسبة لقتله، الذي عاجلت قوات الأمن التركية الى قتله (لا محاولة اعتقاله) بعد دقائق، أدى قبل تصفيته السريعة المشهد الدعائي الملائم، وهو يرفع يده اليسرى في الهواء مكبرا ومتوعدا وداعيا الى الانتقام لحلب، على شاكلة مشاهد الاعدام التي روج لها «الجهاديون» في سوريا والعراق وغيرهما، وهم يجهزون على ضحاياهم بالآلاف.

الفارق هذه المرة أن القاتل رجل أمن، وهو في قلب العاصمة انقرة ويرتدي سترة رسمية، وما كان له ان ينفرد بالوقوف خلف السفير الروسي وحيدا لولا أن أهليته الامنية تسمح له بذلك، خصوصا أن أجواء التعبئة في أوساط الاعلام التركية الموالي للرئيس رجب طيب أردوغان والتيار الإسلامي الإخواني – التركي عموما، كثفت في الاسابيع الماضية من حملات التشهير بالجرائم الروسية في سوريا، بالتلاقي مع حملات اعلامية واسعة في بعض وسائل الاعلام الخليجي والتواصل الاجتماعي، بررت ضرورة الاقتصاص من السياسات الروسية في المنطقة واستهداف السفارات والسفراء الروس. الاستنتاج البديهي أن السفير الروسي كان يجب أن يخضع لاجراءات امنية اكثر تشددا في مثل هذه الاجواء، خصوصا أيضا أن السفير كارلوف يؤدي دورا حيويا في استعادة الحرارة للعلاقات بين البلدين بعد فترة التوتر والقطيعة، وساهم بشكل فاعل في تحقيق اختراقات ديبلوماسية بين البلدين بما في ذلك الملف السوري المعقد، وحلب تحديدا.

وبكل الأحوال، يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معرفة «من وجَّه يد القاتل»، ولا يبدو أنه يعتزم التراجع عن المضيّ في التفاهمات التي باتت تجمعه مع اردوغان، وأثمرت من بين ملفات عديدة، تسوية حلب الجارية حاليا. وعلى الرغم من أن كثيرين سارعوا الى ربط اغتيال السفير الروسي بحادثة اسقاط المقاتلة الجوية الروسية، إلا أن مسارعة اردوغان الى استنكار الجريمة من ثم التنصل منها بسهولة، والاعراب للرئيس الروسي عن تعازيه وعزمه على الاستمرار في محاربة الارهاب، وتسريب أوساطه الامنية أن جماعة فتح الله غولن، قد تكون متورطة في الاغتيال، كلها أمور، جعلت من الممكن التوقع أن مسار التفاهم الروسي ـ التركي، مستمر في الوقت الراهن، وهو سيتجسد مجددا اليوم باللقاء الثلاثي مع ايران في العاصمة الروسي موسكو، للتباحث في متابعة التسويات السورية تحديدا.

وبذلك، قد يبقى السؤال الاهم الآن بنظر كثيرين، ما إذا كانت جريمة اغتيال السفير الروسي تمثل عمل «ذئب منفرد» متعاطف مع احدى الجماعات «الجهادية» في سوريا والعراق، أم أن جهات أمنية داخلية أو خارجية متضررة ربما من التقارب بين موسكو وانقرة، تقف خلفها، وما اذا كان اغتيال السفير كارلوف، سيكون بداية لسلسلة استهدافات للمصالح الروسية في تركيا نفسها وحول العالم. إلا أن المؤكد أن سلسلة الهجمات والتفجيرات التي شهدتها تركيا خلال الشهور القليلة الماضية، كلها تؤكد أن التيار الارهابي التكفيري في الداخل التركي، الذي رعته أجهزة الامن التركية بشكل أو بآخر ـ أو تغاضت عنه في بعض الاحيان- أصبح عصيا على الاحتواء.

وأظهرت لقطات تلفزيونية ألطنطاش وهو يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق ويقف خلف كارلوف، وبعدما فرغ من إطلاق نيران مسدسه على السفير الروسي، صرخ قائلاً: «نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما دمنا على قيد الحياة»، وتابع «لا تنسوا حلب، لا تنسوا سوريا».

وفيما ذكر مسؤول أمني تركي، رفض الكشف عن اسمه، أن ثمة «دلائل قوية للغاية» تشير إلى أن المهاجم ينتمي لشبكة الداعية فتح الله غولن وأبرز منافسي اردوغان، نفى مسؤول يقدم الاستشارات الإعلامية لحركة غولن يدعى ألب أصلان دوجان، أي صلة للحركة بالاغتيال.

 

بوتين

بوتين اعتبر في أول تعليق على مقتل كارلوف أن حادث الاغتيال يُعد استفزازاً يستهدف العلاقات الطيبة بين روسيا وتركيا والتسوية في سوريا، مؤكداً أن الرد الوحيد على هذا الاغتيال يكون بتعزيز محاربة الإرهاب. وأوضح المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف أن بوتين اجتمع بوزير الخارجية سيرغي لافروف، ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين، ومدير جهاز الأمن الفدرالي الروسي ألكساندر بورتنيكوف، حيث استمع إلى تقاريرهم المفصلة بشأن اغتيال السفير.

وشدد بوتين على ضرورة معرفة «من وجَّه يد القاتل»، مؤكدا أنه اتفق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تشكيل مجموعة عمل مشتركة مع الخبراء الأتراك، لإجراء التحقيق في القضية.

 

أردوغان

قال أردوغان: «نعلم أن هذا العمل يستهدف ضرب مرحلة تطبيع العلاقات بين تركيا وروسيا، ولكن الإدارتين الروسية والتركية تملكان الإرادة الكافية للتصدي لهذا الاستفزاز»، مضيفاً «خلال اتصالي مع السيد بوتين بعد الحادث توافقت آراؤنا على أن هذا الهجوم هو عمل استفزازي وليس هناك أي خلاف بيننا في هذا الخصوص». وتابع «نسعى مع روسيا لإنهاء مأساة حلب واخراج المحاصرين بداخلها، وعازمون على مواصلة التنسيق مع الرئيس بوتين بهذا الخصوص».

وكالة «الأناضول» نقلت عن رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم تأكيده أنّ روسيا وتركيا لن تقعا في فخ الإرهابيين، قائلاً «تم القضاء على المهاجم من قبل قواتنا الأمنية».

وفي سياق ردود الفعل الدولية على الاغتيال، ندد وزير الخارجية الاميركي جون كيري باغتيال السفير الروسي وأكد أن واشنطن «على استعداد لتقديم مساعدتها لروسيا وتركيا في التحقيقات لكشف ملابسات الاعتداء»، فيما أصدر قصر الإليزيه بياناً أدان فيه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، مقتل كارلوف.

 

لقاء موسكو الثلاثي

وفي سياق الجهود المبذولة لوضع حد للحرب الدائرة في سوريا، بحث بوتين في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني حسن روحاني الأزمة السورية بالتفصيل، وخاصة الوضع في حلب.

وجاء في بيان صدر عن الكرملين، أن الرئيسين شددا على أهمية الجهود المشتركة من أجل المساعدة في إطلاق العملية السياسية الحقيقية الهادفة إلى حل الأزمة في سوريا في أقرب وقت، لافتاً إلى أن الطرفين أعربا عن دعمهما لتنظيم المفاوضات بين ممثلين عن الحكومة السورية وما تسمى «المعارضة المعتدلة» في العاصمة الكازاخية، أستانا، باعتبار ذلك «خطوة مهمة» في سياق التسوية السورية.

وفيما سرت شبهات من أن يؤثر اغتيال السفير الروسي في تركيا على العلاقات بين موسكو وأنقرة، خاصة أنه تم عشية الاجتماع الثلاثي المقرر في موسكو بين روسيا وتركيا وإيران، أكد رئيس لجنة الأمن في مجلس الدوما الروسي ليونيد سلوتسكي أنّ الاعتداء لن يؤثر سلباً على العلاقات بين البلدين. واستبعد في تصريح لقناة «روسيا 24» احتمال إلغاء الاجتماع الثلاثي المقرر انعقاده في موسكو حول الأزمة السورية، قائلاً: «أعتقد أن الاجتماع (الذي سيعقد) في ظل هذه الحادثة المأساوية، سينتهي بنتائج بنّاءة».

وفي إطار اجتماع اليوم، أعرب لافروف في وقت سابق عن أمل موسكو «إجراء مفاوضات بنَّاءة ومفصلة مع الأطراف التي لديها قدرة على تحسين الأوضاع على الأرض في سوريا، فيما لا تزال دول الغرب منخرطة في خطبها البلاغية والدعاية والضغوط على من يصغي إليها».

وذكرت وزارة الخارجية الروسية في بيان، أن وزراء دفاع كل من روسيا سيرغي شويغو وإيران حسين دهقان وتركيا فكري إيشيق سيشاركون في الاجتماع المذكور إلى جانب وزراء خارجية الدول الثلاث، سيرغي لافروف ومحمد جواد ظريف ومولود جاويش أوغلو.

وأضافت أن الاجتماع اليوم سيركز على دراسة سبل تسوية الأزمة السورية ويهدف إلى الإسهام في تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن.

سفیر إیران لدی موسكو مهدي سنائي أوضح أن أحد محاور المباحثات التي سیجریها ظریف ودهقان مع نظرائهم الروس والأتراك في موسکو هو التعاون الإقلیمي.

وقال في حسابه على تطبیق «تلغرام»، إن الاجتماع الثلاثي سيبحث قضایا تتعلق بأوضاع الشرق الأوسط والأزمة السوریة والتعاون الإقلیمي، لافتاً إلى أن أهمیة هذه المباحثات تأتي بعد التطورات الإیجابیة التي شهدتها الساحة السوریة.

مسؤول في وزارة الخارجية التركية أوضح أن «الروس اقترحوا ان تجتمع تركيا وروسيا وايران لإيجاد حل، بخصوص حلب بشكل أولي، يمكن توسيعه ليشمل الانحاء الاخرى من سوريا»، معرباً عن أمله في أن تعطي المحادثات «دفعا» لجهود حل النزاع.

وتابع «انه ليس اجتماع معجزة، سيكون بمثابة فرصة جيدة لفهم ما يحصل»، مشدداً على أن أنقرة مصممة على موقفها في وجوب رحيل الرئيس السوري بشار الاسد لكي يمكن التوصل الى حل في سوريا.

 

مجلس الأمن

صوت مجلس الأمن الدولي بالاجماع، أمس، على نشر سريع لمراقبين تابعين للامم المتحدة في الأحياء الشرقية لحلب للاشراف على عمليات الاجلاء من المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة فصائل «المعارضة» المسلحة.

من جهته، أعلن المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، بعد اجتماع مجلس الأمن، أنه من المخطط استئناف المفاوضات السورية في جنيف، في الثامن من شباط المقبل، موضحاً أنه سيواصل مشاوراته مع أطراف النزاع بهذا الشأن.