من العراق إلى سوريا فاليونان.. “طال انتظارنا ومستقبلنا معلّق”

0
58

هربا من حرب العراق إلى سوريا، لم يهنأ العيش لعائلة فرح ورياض فاضطرت للهرب من جديد، ولكن إلى أوروبا هذه المرة، أملا بإيجاد حياة آمنة ومستقرة. في اليونان، واجهت العائلة واقعا صعبا، لم يكن في حسبانها، مروا “باختبار الصبر”، وعاشوا كآلاف طالبي اللجوء، في مخيم مالاكاسا قرب العاصمة أثينا، بانتظار معالجة ملف طلب لجوءهم وهي عملية قد تطول لسنوات.

تقف الأربعينية فرح إلى جانب فرنها الصغير، تصفّ “حبات الكبّة” في طبق كبير بينما تلهو طفلتيها ديما (6 سنوات) ومايا (3 سنوات) على السجادة التي غطت أرض غرفتهم، “أبيع بعض المعجنات لأهل المخيم.. إنها الطريقة الوحيدة لكسب بعض المال هنا”. 

على بعد حوالي 50 كيلومترا من العاصمة أثينا، بجانب نقطة عسكرية يونانية، تعيش العائلة العراقية كغيرها من مئات العائلات والأطفال والشبان في مخيم “مالاكاسا”، حيث تطول إقامتهم فيه لسنوات، في انتظار انتهاء معالجة ملف طلب لجوءهم. 

“الصبر مفتاح الفرج”، الأم العراقية تشعر وكأنها تمر”باختبار الصبر”آملة بإيجاد حياة مستقرة، تحاول إبقاء البسمة على وجهها أثناء حديثها مع فريق مهاجر نيوز “17 عاما مروا منذ أن هربنا من منزلنا في بغداد، ولم نعرف الاستقرار حتى الآن”. 

تتعالى أصوات الفتاتين الصغيرتين اللتين تقفزان إلى جانب النافذة الصغيرة والوحيدة لغرفتهما “جاء أبي ومعه أغراض وثياب.. أمي تعالي وانظري”. يدخل رياض ومعه كيس صغير فيه بعض الأغراض التي حصل عليها من منظمة الهجرة الدولية التي تدير المخيم تحت إشراف الحكومة اليونانية. 

وفقا لكريستين نيكولايدو، متحدثة رسمية باسم المنظمة الدولية للهجرة، يعيش في هذا المخيم 1,611 طالب لجوء، يشكل الأفغان النسبة الأكبر منهم. 

من حرب العراق إلى حرب سوريا 

تجتمع العائلة كلها حول الأب الذي دخل بصحبة فتاته البكر، شام ذات الـ11 عاما، “أردنا تسميتها شام لأنها ولدت في مدينة دمشق التي نزحنا إليها هربا من العراق. خلت أننا بدأنا حياة جديدة في سوريا لكن للأسف لم نستطع البقاء هناك. وكان مصيرنا كالعديد من باقي السوريين، الهرب مجددا من بلد الحرب بحثا عن بلد آمن نجد فيه مستقبل أفضل لأطفالنا”، يقول الأب فيما تكمل فرح تحضير البرغل واللحمة لصنع الكبة. 

تقيم العائلة العراقية في هذا المخيم منذ حوالي عامين، “عبرنا بحر إيجة من السواحل التركية ووصلنا إلى جزيرة ليروس نهاية عام 2017 حيث أودعونا في مركز احتجاز رودوس وأجبرونا على تسجيل بصماتنا”، تضيف فرح “كنا في سجن. لم أتخيل أنني في أحد الأيام سأدخل السجن مع أطفالي. كان الوضع مريعا هناك. لم يكن هنالك ما يكفي من المياه الصالحة للشرب”. 

أمضت العائلة 30 يوما في مركز احتجاز رودوس المغلق المعروف بسمعته السيئة، قبل أن تنقلهم السلطات إلى البر الرئيسي، نظرا لتدهور الحالة الصحية للأم التي أجرت عملية جراحية ليدها بعد أن أصيبت بورم كان لا بد من استئصاله. “أودعونا في مخيم مالاكاسا وأقمنا داخل خيمة في القسم الآخر من المخيم، ولكن منذ بضعة أشهر تمكنّا من إيجاد مكان متاح في هذه الغرف مسبقة الصنع”. 

بعد مرور أكثر من عامين على وصولهم إلى اليونان، “حصلنا أخيرا على حق اللجوء وأول ما فعلناه، هو طلب وثيقة السفر”. 

عائلة فرح ورياض في مخيم مالاكاسا قرب العاصمة أثنيا، حصلوا أخيرا على وثيقة سفر اللاجئ. الصورة: مهاجرنيوز/دانا البوز

عائلة فرح ورياض في مخيم مالاكاسا قرب العاصمة أثنيا، حصلوا أخيرا على وثيقة سفر اللاجئ. الصورة: مهاجرنيوز/دانا البوز

الانتظار 

الحصول على حق اللجوء في اليونان، لم يكن سوى مجرد مرحلة مؤقتة لهذه العائلة التي لا تزال تبحث عن وجهتها النهائية. 

توضح فرح “وجهتنا الأساسية كانت ألمانيا، لكنهم أجبرونا على تسجيل بصماتنا هنا. لم نمتلك الخيار، ولم نرد خوض مغامرة عبور طريق البلقان مع أطفالنا بطريقة غير شرعية، أهدرنا 3 سنوات من عمرنا ومن مستقبل أطفالنا في هذه الحياة البائسة في اليونان”. 

اعتقدت العائلة أن حصولها على حق اللجوء أخيرا سيكون نهاية “الانتظار الطويل” والانتقال إلى ألمانيا حيث توجد عائلة رياض، “فرحتنا لم تكتمل بعد حصولنا على الرد الإيجابي لطلب لجوئنا”. تشرح فرح الخطأ الذي تسلل إلى وثيقتها ووثيقة ابنتها “أخطأوا في المعلومات المسجلة داخل وثيقة السفر. سجلوني وابنتي تحت الجنسية السورية، وبذلك أصبحت معلوماتنا متضاربة بين بطاقة الإقامة ووثيقة السفر”، الأمر الذي قد يدفع أمن المطار للتشكيك بصحة الوثائق “قد يتهموننا بتزوير أوراقنا”. 

تحاول العائلة تصحيح الخطأ منذ حوالي سبعة أشهر، يقول رياض، “أمضي أيامي وأنا أمسك هاتفي المحمول أملا بوصول خبر من دائرة الهجرة يريحني ويخلصنا من هذا الانتظار المميت”. 

البطء في الإجراءات الإدارية يجعل مستقبل العديد من العائلات معلقا، وكذلك الأمر بالنسبة لعائلة مريم المتحدرة من طاجكستان والمتزوجة من أديب الأفغاني، “نقيم في مخيم مالاكاسا مع ولدينا وننتظر الرد على طلب لجوئنا منذ أكثر من عامين.. لا شيء حتى الآن..”. 

تمضي مريم غالبية وقتها مع أطفالها، ويتوجب على أديب بين حين وآخر الذهاب إلى أثينا لشراء ما ينقصهم من حاجيات لا يستطيعون إيجادها في منطقة المخيم، المعزولة عن خدمات المدن،

“ع في بعض الأحيان عبلي الذهاب إلى أثينا بالقطار، تستغرق الرحلة حوالي ساعة تقريبا”. 

عائلة مريم وأديب في مخيم مالاكاسا لطالبي اللجوء قرب العاصمة اليونانية. الصورة: مهاجرنيوز/دانا البوز

عائلة مريم وأديب في مخيم مالاكاسا لطالبي اللجوء قرب العاصمة اليونانية. الصورة: مهاجرنيوز/دانا البوز

البحث عن الأمان والاستقرار 

الهم الأكبر بالنسبة لفرح ورياض هو تأمين حياة أفضل للفتيات، “أخاف من تحطم مستقبل فتياتي الثلاث. أريد لهن حياة مشرفة. أريدهن أن يكبرن وهن متعلمات ويحصلن على شهادات جامعية. لكن مستقبل عائلتي معلّق، ورحلتنا طالت”. 

تتوقف فرح لبرهة عن الكلام وتنهال دموعها، فتكمل باكية “لم أكن لأترك بيتي في بغداد، لكن الفوضى سادت مدينتنا بعد حرب عام 2003 وتعرضنا للتهديد من قبل المليشيات المتطرفة لأن زوجي كان يعمل في حانة لبيع الكحول”. 

 بعد حصولها على أوراق اللجوء اليوناني، أملت العائلة بالذهاب إلى “دولة أوروبية تستطيع العيش فيها بأمان”، تقول فرح، “ابنتي ديما رأت حادثة رهيبة حصلت هنا أمام غرفتنا، كانت شاهدة على موت أحد السوريين طعنا نهاية سبتمبر/أيلول 2018، جراء مشاجرة كبيرة نشبت بين الأفغان والسوريين. أصيبت الصغيرة بالصدمة وبقيت بحالة نفسية صعبة لعدة أسابيع بعد الحادثة”.

تعقيدات ما بعد اللجوء 

بعدها، بدأت مشاكل جديدة تواجههم، ما جعلهم أكثر إلحاحا وتصميما على قرارهم بالرحيل. 

“بعد أن حصلنا على حق اللجوء، أوقفوا المساعدات المالية التي كنا نتلقاها شهريا. ولا يوجد حاليا لدينا أي دخل مادي سوى القليل من اليوروهات التي تجنيها زوجتي من بيع المعجنات هنا. قطعوا المساعدات المادية عنّا وتركونا دون أي حل”. 

طرقت فرح وزوجها أبوابا عديدة لإيجاد عمل لكن دون جدوى، “ذهبت إلى أحد الأفران في القرى المجاورة “علّي إقناعهم بمهاراتي في الطبخ، لكنهم قالوا لي: نحن عائلة صغيرة نقتات على عملنا في هذا المخبز وليست لدينا القدرة على توظيف أي شخص آخر”.  

 محاولات الزوجين بإيجاد عمل باءت جميعها بالفشل، “طلبنا أكثر من مرة حضور دروس لتعلم اللغة اليونانية علّ ذلك يسهل علينا إيجاد عمل.. لكن في كل مرة كنا نعود خائبين”. 

المنتدى اليوناني للاجئين، ينتقد سياسة الهجرة والاندماج التي تتبعها الحكومة اليونانية، ويرى جورج العضو في الجمعية غير الحكومية أن “اللاجئين لا تتوفر لديهم المعلومات الكافية حول سير الإجراءات في اليونان، ولا توجد رغبة سياسية حقيقية لإدماج اللاجئين في اليونان”. 

“يأتي العاملون في المنظمة الدولية للهجرة يوميا إلينا، ويطلبون منا الخروج من المخيم لأننا حصلنا على حق اللجوء”، فمخيم مالاكاسا مخصص لطالبي اللجوء فقط، “لكن إلى أين نذهب؟”.

الحكومة اليونانية تقول إنها وضعت برنامجا جديدا للإسكان “هيلوس” لمساعدة اللاجئين على إيجاد سكن، “لكنهم طلبوا منا أن ندفع إيجار أول شهرين، أي 900 يورو، ومن ثم هم يتكفلون بالدفع لمدة 6 أشهر. لكن من أين نؤمن إيجار أول شهرين؟ ماذا نفعل؟ نحن على وشك أن نتشرد في الشوارع بعد أن حصلنا على حق اللجوء. 

المحامية اليونانية كريستينا أعربت عن قلقها إزاء وضع اللاجئين في اليونان، وقالت خلال مقابلة مع مهاجر نيوز “أنا خائفة من السياسة التي تتبعها الحكومة اليونانية تجاه المهاجرين، وخائفة من أن يتشرد آلاف اللاجئين في الشوارع بسبب الإجراءات البيروقراطية وعدم رغبة اليونان بإدماج اللاجئين في المجتمع.. كل شيء يشير إلى أن التمويل الذي تحصل عليه اليونان لمساعدة اللاجئين يذهب إلى مراكز الاحتجاز والسجون و قسم مراقبة الحدود لمنع دخول المهاجرين”. 

تتساءل العائلة عما سيحل بها، “أهذا مصيرنا؟ من سيء إلى أسوأ؟”. 

تقول فرح “خشيتي ليست فقط على عائلتي وإنما أخشى أيضا على آلاف العائلات العالقة على الجزر اليونانية، وأحزن على المصير الذي ينتظر هؤلاء الذين يهدرون أموالهم ووقتهم للمجيء إلى هذا الوضع في اليونان”.