معامل حكومية سورية في طريقها إلى تركيا: اقتصاد إدلب تحت “رحمة” النار

0
35

إدلب|

ما إن سقطت مدينة إدلب بيد «جبهة النصرة» وشقيقاتها، حتى أصبح لقبها «الخضراء» جزءاً من الماضي، ولو إلى حين. ويأمل كثيرون ألّا تفقد لقبها الآخر “مدينة الزيتون”، ففي كل المعارك يذهب الاقتصاد أولاً… وأحياناً بلا رجعة  يحصي رجل أعمال فرّ من مدينة إدلب مع دخول المسلحين إليها ما يزيد على 100 مليون ليرة كخسائر شخصية، نجمت عن سيطرة المسلحين على ممتلكاته ونهب مستودعاته وبضائعه. الرجل الذي كان يتحدث مع «الأخبار» هاتفياً من مدينة حماه، أشار إلى خسائر كبيرة لحقت بالكثير من أصحاب الأعمال في المدينة، سواء نتيجة المعارك التي شهدتها المدينة أو لاتهام بعضهم بتأييد الدولة، وحجة المسلحين في ذلك استمرار أصحاب الأعمال بالعمل والإنتاج خلال السنوات السابقة.

ربما لا يزال الوقت مبكراً لإحصاء دقيق لخسائر اقتصاد المحافظة جراء زحف المجموعات المسلحة وسيطرتها على مدينة إدلب ثم على جسر الشغور، فالوضع العسكري مفتوح على تصعيد وتطورات كبيرة خلال الأيام القادمة، لكن ذلك لا يمنع من محاولة تلمس بعضاً من جوانب الخسارة الاقتصادية المتوقعة.

أول ما يتبادر للذهن عند محاولة تقويم الواقع الاقتصادي للمحافظة بعد التطورات الأخيرة، ضرورة البدء بالقطاع الزراعي الذي يشكّل العمود الفقري لمعيشة آلاف العائلات في المدينة والريف من ناحية، والنسبة التي يشكلها من الناتج المحلي للمحافظة من ناحية أخرى. وبحسب مدير زراعة إدلب نجيب طباع، «تشكل الزراعة ما يزيد على 30% من دخل المحافظة». لذلك، إن أي ضرر يلحق بهذا القطاع يعني أن نتائجه ستكون مؤلمة ومباشرة على آلاف العائلات، وإن كان الطباع قد بدا في حديثه مع «الأخبار» متفائلاً بإمكانية عدم تعرض الإنتاج الزراعي للضرر واستعادة الجيش السوري للمدينة ومناطقها التي تشهد وجوداً للمسلحين، إلّا أنّه يضيف أن «إنتاج المحافظة هذا العام من محصول القمح يقدر بأكثر من 150 ألف طن، وهو لا يزال بعيداً عن تأثير المعارك، كذلك الأمر

بالنسبة إلى محصول الشعير الذي يقدَّر إنتاجه هذا العام بأكثر من 100 ألف طن». أما الزيتون، فهناك «عدة أشهر تفصلنا عن موسمه، وهذه فترة سيكون خلالها الجيش قد أعاد الأمن للمحافظة».

تفاؤل مدير زراعة إدلب تقابله معلومات «متشائمة» وردت إلى وزارة الصناعة حيال مصير أكبر منشأتين صناعتين تابعتين للدولة، إذ كشفت الوزارة لـ«الأخبار» أن المعلومات التي وصلتها تفيد بأن «المجموعات المسلحة الإرهابية اقتحمت شركتي الخيوط العامة في إدلب وغزل إدلب وفكّكت خطوط الإنتاج فيهما التي تصل قيمتها حالياً إلى أكثر من 35 مليار ليرة، وبدأت بتهريبها إلى تركيا». إلا أن ما يقلق الوزارة هو «غياب أي معلومات تتعلق بمصير بعض عمال الشركتين». علماً بأن عدد عمال الشركتين وصل في شهر شباط الماضي إلى نحو 1743 عاملاً، وكانوا يتقاضون شهرياً ما يقرب من 64 مليون ليرة سورية كرواتب شهرية.

وتكشف الوزارة في بيانات إحصائية قدمتها لـ«الأخبار» أن الموجودات الثابتة للشركتين بلغت قيمتها الدفترية بنهاية شهر آذار الماضي نحو 7 مليارات ليرة، وقيمة المخزون من مواد أولية وجاهزة نحو 617 مليون ليرة، إلا أن قيمتهاالحقيقية تبلغ أكثر من ستة أضعاف القيمة الدفترية.

المعلومات «الشحيحة» هي ذاتها عند الحديث عن تأثيرات التطورات الأخيرة على القطاع الصناعي الخاص، فهناك أضرار كبيرة لحقت بالمنشآت الصناعية بفعل التخريب والنهب والاشتباكات والمعلومات، مع الإشارة إلى أن بيانات المكتب المركزي للإحصاء تبين أن عدد المنشآت الصناعية في محافظة إدلب بلغ قبل الأزمة نحو 5191 منشأة مشكلة بذلك نسبة وقدرها 5% من إجمالي عدد المنشآت الصناعية في سوريا، وبإجمالي إنتاج وصل إلى 18,171 مليار ليرة.

الأقل حملاًبعيداً عن لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية العامة، تقترب قصص الخسائرالفردية للمواطنين على اختلاف أوضاعهم وأنشطتهم الاقتصادية من رسم ملامح للكارثة التي حلت بالمحافظة الخضراء، وقد تكون قصة الصائغ أبو يوسف (اسم مستعار) إحدى تلك القصص الكثيرة، فالرجل لم يسعفه الوقت عندما خرج برفقة عائلته من مدينة إدلب، ليصطحب مشغولاته الذهبية المعروضة في محله، التي تقدر قيمتها بأكثر من 8 ملايين ليرة، ليصله بعد أيام خبر عن قيام تنظيم “جند الأقصى” باقتحام المحل ونهب محتوياته بالكامل، تماماً كما فعلوا مع جاره الصائغ أيضا بحجة أنهما من مؤيدي الدولة.

ويوضح لـ«الأخبار» أن في مدينة إدلب ما بين 13 ــ 14 محل ذهب معظمها تعرض للسرقة والنهب، وإذا افترضنا أنه في كل محل هناك مشغولات ذهبية بقيمة 7-8 ملايين ليرة، فهذا يعني أن قيمة الذهب المسروق من المحلات عندما دخلت المجموعات المسلحة تصل إلى نحو 112 مليون ليرة، وما ينطبق على الذهب ينطبق على كثير من السلع والبضائع.

وإلى حين ظهور تقديرات حول الأضرار التي لحقت بالاقتصاد «الإدلبي»، فإن الحقيقة تقول إن آلاف المزارعين حرموا الذهاب إلى حقولهم، وآلاف العمال والموظفين خسروا وظائفهم وأعمالهم، وآلاف العائلات فقدت مصدر رزقها وتحولت إلى نازحة تبحث عن مصدر رزق «يسترها»… بمعنى أن نيران الحرب تلتهم اقتصاد محافظة أخرى، أو ما بقي منه.