ما حقيقة التفاهم الروسي التركي في سوريا؟

0
53

مع إحتدام المعارك العسكرية على الساحة السوريّة، لا سيّما في المناطق الشماليّة، ترتفع مؤشرات وجود إتفاق روسي-تركي حول تقاسم النفوذ، يراعي مصالح الجانبين، بعد أن سيطر التوتر، في السابق، على علاقتهما، بسبب حادثة إسقاط أنقرة طائرة حربية تابعة لموسكو.

في الفترة الأخيرة، أي تلك التي تلت محاولة الإنقلاب الفاشل في تركيا، كان من الواضح أن هناك رغبة من الجانبين باعادة العلاقات إلى طبيعتها، لا بل حتى رفع مستوى التنسيق بينهما في الملف السوري، وهو ما ترجم من خلال تغاضي موسكو عن عملية “درع الفرات”، التي تقودها أنقرة، بعد أن كانت تضع خطوطاً حمراء على أي تدخل عسكري لها في سوريا.

على هذا الصعيد، يبدو أن “عقلنة” الخيارات سمحت بالوصول إلى شبه إتفاق، كان الحديث عن مضمونه محصوراً بالرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، لتأمين أرضية أفضل لإطلاق مفاوضات سياسية حول الملف السوري المُعقد، بطريقة تضمن حفظ مصالح كل من أنقرة وموسكو معاً، نظراً إلى أن المواجهة لن تساهم بالوصول إلى نتائج إيجابية بالنسبة لهما.

في هذا السياق، تريد تركيا اليوم، بعد أن كانت تطمح إلى إسقاط الدولة السورية والسيطرة عليها، الوصول إلى مدينة الباب، وهي أصبحت على مقربة منها، لتحقيق العديد من الأهداف، أبرزها: القضاء على الحلم الكردي بانشاء كيان مستقل في الشمال السوري، من خلال منع الوصل بين الكونتونات الثلاثة: عين عرب، عفرين، الحسكة، تأمين منطقة آمنة تسمح لها باعادة النازحين السوريين إليها، حفظ موقع لها في مستقبل سوريا السياسي.

بالنسبة إلى روسيا التي باتت اللاعب الأساسي على الساحة السورية، هي تريد اليوم الإنتهاء من المعارك الدائرة في مدينة حلب، بسبب موقعها وقيمتها السياسية والإقتصادية، وكانت تدرك منذ البداية أن هذا الأمر يتطلب الوصول إلى تفاهم مع أنقرة، التي تقدم مختلف أشكال الدعم إلى فصائل المعارضة السورية. وتعتبر موسكو أن السيطرة على حلب تسمح لها بالعودة إلى برنامجها الأساسي، أي إطلاق مسار المفاوضات السياسية بالتزامن مع العمليات العسكرية على صعيد محاربة الإرهاب، بالتزامن مع إستمرار إستهدافها مواقع “داعش” وجبهة “فتح الشام”، أي جبهة “النصرة” سابقاً، بعد أن كانت أعلنت، في الأيام الأخيرة، عن حملة واسعة النطاق في ريفي إدلب وحمص.

وعلى الرغم من أن هذا المسار يأتي في لحظة من الغموض على المستويين الدولي والإقليمي، بسبب “زلزال” الإنتخابات الأميركية التي قادت إلى وصول المرشح “الجمهوري” دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يبدو أن موسكو تراهن على العلاقة التي تجمعها مع الرئيس المُنتخب لإطلاق المفاوضات السياسية، لا سيما أن ترامب أبدى خلال حملته الإنتخابية حرصاً على التفاهم مع بوتين حول الملف السوري، وأعلن أن هدفه محاربة الإرهاب لا إسقاط الرئيس بشار الأسد، في حين أن أنقرة لم تعد تبدي كامل ثقتها بواشنطن، نظراً إلى أنها تقف وراء دعم الأكراد وتمتنع عن تسليمها المعارض فتح الله غولن، بالإضافة إلى عدم ضمانها مشاركة تركية فاعلة في معركة تحرير الموصل.

ما تقدم يدفع إلى التساؤل عن إمكانية إطلاق مفاوضات سياسية في وقت قريب، بعد رسم المعادلات العسكرية على أرض الواقع، في حين كانت بعض الدول الإقليمية تراهن على إعادة قلب موازين القوى من جديد في حال فوز المرشحة “الديمقراطية” هيلاري كلينتون بالإنتخابات الأميركية، بالتزامن مع إستمرار إعتراض دمشق على أي دور تركي في المستقبل السوري، وعبّر عن ذلك الأسد بشكل واضح من خلال وصفه أردوغان بـ”الرجل المريض المصاب بجنون العظمة”، وتأكيده بأن “كل إرهابي أتى إلى سوريا جاء عبر تركيا”، في وقت تشدد فيه القوات الكردية على تصنيف الأتراك بالمحتلين، وتعلن الرغبة في محاربتهم.

في المحصلة، هذا الإتفاق سيقود إلى توازنات ميدانية جديدة على الأرض السورية، قد تساعد، بوجود ترامب في البيت الأبيض، على إطلاق مسار المفاوضات السياسية، لكن هذا الأمر لن يكون سهلاً على الإطلاق، وسيواجه الكثير من المطبات في طريقه، لكن الأكيد أن هذه الصورة ستتضح أكثر مع تسلم الإدارة الأميركية الجديدة السلطة فعلياً.

النشرة اللبناني