ماذا يحضّر الروس للبنان؟

0
10

عندما تلجأ مديرة تخطيط الاستخبارات في معهد دراسات الحرب الأميركيّة جينيفير كافاريلا(1)، الى مخاطبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر الإعلام، للتحذير مما يحصل في سوريا، فهذا يعني ان المكاسرة بين البيت الأبيض و”دولة الأمن القومي” تمر بمرحلة صعبة، لم يسبق ان شهدت مثيلاً لها الولايات المتحدة الأميركية. التباين بين الموقفين كبير، تمّ ترجمته بإنسحاب أميركي من سوريا، والإعتراف ضمنياً بالدور الروسي الجديد. صارت موسكو الآمرة الناهية في بلاد الشام، لكن تركيز الروس الآن فقط على المسار السوري، لإنهاء التهديد المسلّح، عبر معارك أو مفاوضات، المهم إستعادة دمشق لهيبتها السلطوية، واعادة المناطق التي خرجت منذ عام 2011 الى حضن الدولة السورية. نجحت موسكو في خطواتها السورية، وهي تدير الآن اعادة الجنوب الى خريطة الدولة.

تحذير “الأمن القومي” الأميركي ترامب، عبّرت عنه رسالة كافاريللا، التي قالت ان روسيا صارت قادرة على الوثوب الى السودان، وافريقيا الوسطى، وعلى اعتراض الناتو اوروبياً. كله من خلال وجود الروس في سوريا. من هنا تطالب كافاريللا الرئيس الأميركي بإعادة التموضع، وتأهيل ما تبقى من القوى المسلحة “المعارِضة” في الجنوب، “قبل فوات الآوان”، والاّ ستكون بحسب الخبيرة المذكورة كل المصالح الأميركية في خطر. لا تكتفي هنا، بل تضع خطة لقواعد اشتباك جديدة، تقوم على أساس تضافر الجهود التركية-الكردية. أي إبتداع تحالف بين أنقره و”وحدات حماية الشعب” الكردية، و”إلاّ فإن داعش والقاعدة سيكونا موجة المستقبل من جديد، وسيصعب الإنتصار عليهما”. التناقض بدا واضحا في رسالة كافاريللا، التي تدّعي أن روسيا تسحق الدور الأميركي في سوريا وتجعل مصالح واشنطن في خطر، وفي الوقت نفسه، تقول ان “الجهاديين” سيعودون لمحاربة النظام السوري بقوة لمسافة عقود زمنية آتية، في حال ضعف الدور الأميركي في المنطقة.

كل الحراك الأميركي يجري، بالتزامن مع اللقاء بين الرئيسين الأميركي والروسي في هلنسكي. بينما تشهد العلاقات الأميركية-الأوروبية تدهوراً سريعا، ظهر في مواقف ترامب الناريّة ضد الأوروبيين، قبل وصوله الى بروكسل عشية انعقاد قمة “الناتو”. مواقفه المثيرة تنبع من مخاطبته الشعب الأميركي، لإبداء حرصه على مصالحه الإقتصادية التي وعده بها في حملته الإنتخابية. هو إنتقد ألمانيا بسبب شرائها الغاز من موسكو. وحرّض على دول اوروبية أخرى، بعنوان وجوب ان تساهم الى جانب بلاده بالأعباء المالية. واشنطن تقوم بدور الشرطي الذي يحمي أمن اوروبا، لكن الاوروبيين لا يدفعون الأموال المطلوبة لقاء تلك الحماية. هنا يكرر ترامب مع اوروبا، ما فعله مع الدول الخليجية العربية. العنوان إقتصادي، والتصرف سياسي، والتلويح بسحب الحماية العسكرية هو الاداة التي تخيف اوروبا. يجري كل ذلك، معطوفاً على ازمات اقتصادية، تحاول عواصم اوروبية التعويض عن خسائرها بتنفيذ صفقات خارجية، كما الحال مع إيران. وهنا أيضا مشكلة إضافية بين ترامب وتلك العواصم، وخصوصا باريس وبرلين اللذين يتمسكان بالإتفاق النووي مع الجمهورية الاسلامية.

لم تعد واشنطن قادرة على تطويع دول العالم، فالأوروبيون منحازون الى مصالحهم مع الروس والإيرانيين، وطهران تملك اوراق قوة في يدها، فرضت التنسيق الاستراتيجي بين الإيرانيين والروس، كما بدا في زيارة إيرانية عالية المستوى الى موسكو، و”مهمة جداً لترسيخ التنسيق”، قبل قمة الرئيسين الاميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

لذلك، يترقب العالم اجتماع هلنسكي، لمعرفة المسار، هل يذهب نحو خيارات التفاوض-التوافق؟ أم لمزيد من الأزمات؟.

كل المؤشرات توحي أن روسيا باتت اللاعب القوي في سوريا ومحيطها، وصولا الى السودان، على حد تحذير الخبيرة الأميركية المذكورة. فقد باتت اوراق الشرق الاوسط على مكاتب الكرملين. وهذا ما دعا الإسرائيليين الى التوسط لدى موسكو لمنع تدهور أمن اسرائيل، واستعداد رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو الى الالتزام بقواعد اشتباك 1974 مع سوريا، ومحاولته أن تشمل القواعد الهادئة الحدود مع الجنوب اللبناني، بعد توجس تل ابيب من الحضور الايراني الفاعل في سوريا، وقدرة حلفاء طهران على التحكم بموازين الامن والاستقرار في مساحات واسعة من الشرق الاوسط. لذلك فإن الضربات العسكرية الاسرائيلية وآخرها في الساعات الماضية، جاء اسرائيلياً “للرد على طائرة مسيّرة فوق مواقع اسرائيلية في الجولان”. ما يعني ان اسرائيل، لا تزال تبدي استعداداتها لكل الخيارات على الارض، لكن تصريحات مسؤوليها توحي بالتسليم بالواقع السوري واللبناني، وتريد موسكو ان تكون الضمانة، فذهب نتانياهو الى موسكو مجددا، لإبداء الجهوزية الاسرائيلية لمعادلة “القرار لروسيا” في المنطقة.

ماذا عن لبنان؟

يتحدث مسؤول دبلوماسي عن عنوان محسوم: ممنوع انهيار لبنان. على هذا الاساس سيتصرف الأميركيون والروس، بعد رصد محاولة فرنسيّة لحل المعضلة اللبنانية عن بعد، بالإيحاء بخطوط حمراء. لكن لا ترجمة عملية لمؤازرة اللبنانيين بتأليف حكومتهم. كل الاوساط الدبلوماسية تؤكد ان لا ادوار في شأن التأليف اللبناني حتى الآن، لكون الخلافات لبنانية داخلية بحتة. وتعوّل على مقاربة مختصرة، أميركيّة-روسيّة، لفرض التوافق اللبناني، ولا تستبعد أن يحضر العنوان على طاولة هلنسكي، بسرعة وجيزة. عندها قد تتحرك موسكو، وبعلم ومواكبة أميركية، للايعاز بالتنازلات اللبنانية المتبادلة. لأن الوضع اللبناني لا يحتمل المخاطرة. قد لا يكون العنوان اللبناني موجودا، لكن الحراك الدولي سيبدأ بعد القمة الروسية-الأميركية، انطلاقا من رسم الخطوط العريضة لملفات المنطقة، من “صفقة القرن” الميتة، الى الساحة السورية وما بينهما من روابط إيرانية واوروبية وتركية. الاهم ان روسيا معنية بإستقرار لبنان، القادم الى استثمار نفطه وغازه. فهل تتحرك روسيا على خط الوساطة بين اللبنانيين؟ اذا كان البيت الابيض، والايرانيون والاسرائيليون والاوروبيون جميعهم، يسلّمون لموسكو بأدوراها في الشرق الاوسط، فلبنان لن يكون عصيّاً على أي توجه ايجابي روسي مرتقب، حول آمانه السياسي والاقتصادي.

(1) جينيفير كافاريلا هي مديرة تخطيط الاستخبارات في المعهد الأميركي لدراسة الحروب في العالم (ISW)، تتولى مسؤولية الإشراف على تطوير الخطط والتوصيات التفصيلية حول كيفية تحقيق الأهداف الأميركية ضد الأعداء والخصوم وفي مناطق النزاع حول العالم.

ان معهد دراسة الحرب المذكور هو مؤسسة غير حزبية، يقدم فهمًا مستنيرًا للشؤون العسكرية من خلال الأبحاث والتحليل الموثوق. ويلتزم بتحسين قدرة الولايات المتّحدة الأميركية على تنفيذ العمليات العسكرية في جميع أنحاء العالم والاستجابة للتهديدات الناشئة لتحقيق أهداف واشنطن الإستراتيجية.

النشرة