ماذا لو شرعت سورية زراعة الحشيش؟

0
454


دمشق –مارينا مرهج |

أحدثت الدراسة المُقدَّمة بشأن تشريع الحشيش لغايات طبية في لبنان مخاوف كثيرة مرتبطة بالدرجة الأولى بانعدام الثقة في قدرة الدولة اللبنانية على فرض الضوابط اللازمة لحصر التشريع بالغايات الطبية ووضعِ الأطر الضرورية لنظم مثل هذا القرار.

وكخطوة استباقية استطلع موقع “أخبار سورية والعالم” رأيَ المواطنين والمختصين في احتماليةِ تشريعِ قرارٍ كذلك في سورية.

بين الرفض والسخرية:

انقسمت آراء المواطنين بين رافض بشكل قطعي، وموافق على سبيل السخرية من الفكرة:

تقول لمى نحاس: إن عبارة ” أغراض طبية ” تحمل معانٍ كثيرة وجميعها ضد القانون، خاصةً أنه ليس لدينا بحث علمي لذلك، واليوم تواجه مونسانتو يوماً وابلاً من الهجوم لأنها تزرع وتتعامل به فما بالنا في سورية التي يباع فيها الضمير قبل كل شيء، إلا اذا أردنا أفغانستان ثانية بنسخة عربية!

أما صفوح نحاس فقد أرجع عدم تأييده إلى الفساد السائد في سورية والذي سيحول هذا المادة إلى سلعة تباع في الأسواق المحلية.

وعلى سبيل السخرية تقول إيناس داوود: أتمنى أن يتم ترخيص هذه الزراعة ليكون لدى السوريين سلعة بديلة عن مواقع التواصل الاجتماعي تنسيهم همومهم ومآسيهم، وتبقيهم في حالة من السعادة (الزهزهة).

آلية تنفيذ مخلخلة، ومراقبة غائبة:

علق مستشار وزير الزراعة والإصلاح الزراعي حسان قطنا في حديث اجري معه عن زراعة الحشيش في سوريا وامكانية الاستفادة منه لأغراض طبية:

كان يزرع الحشيش سابقاً في مناطق الغوطة التابعة ، وكان السائد في استخدامه من أجل تصنيع أكياس الخيش ليس إلا، لكن كمنتج يستخدم من أجل استخراج مادة الحشيش له بيئته الخاصة، والقانون هو الذي ينظم ويمنع زراعته.

وقال المستشار أيضاً: في سورية نحن لا نملك آليات ولا نملك أدوات ولا وسائل لا مراقبة ولا كفاءة في التنفيذ، اليوم المشكلة ليس في أن ننشر معلومة ثقافية أو ننشر معلومة علمية أو أن نقول إن هذا الموضوع قابل للتطبيق أو لا، فنحن لدينا مشكلة في آلية المراقبة والتنفيذ ولا تتوفر لدى سورية وسائل لضبطه.

مثال على ذلك: زراعة نبات التبغ المرتبطة بالمؤسسة العامة للتبغ والتنباك، المؤسسة تقوم بتوزيع الشتول حسب الأصناف وحسب المناطق، وتبيع الفلاح الشتل بقرض، بالإضافة إلى المبيد والسماد و دفعة نقدية خدمات، إلا أن بعض الفلاحين يأخذون الاوراق التي تكتسب الجودة العالية ويقومون ببيعها للبنان وللتجار، أما ما تبقى من الأوراق يقومون ببيعها للمؤسسة العامة للتبغ.

وأضاف قطنا : وفي مقارنة بين المنتجين تبقى زراعة التبغ أفضل بالمطلق ونستطيع إعطاءها قيمة مضافة اذا ما زرعناه وصدرناه كسلعة وليس مادة خام، حيث يملك قوة تصديرية كبيرة في حال تشكيل روابط مع شركات تبغ كبيرة عالمية وتصديره إليها.

وتابع أما بالنسبة للحشيش فليس هناك أي فوائد، مؤكداً ليس من المهم أن نزرع المنتج لأن هذا المنتج الكميات المستهلكة منه لأغراض طبية يمكن استيرادها وهي كميات بسيطة جداً، إلا أن المشاكل الصحية التي ستنشأ عن زراعته مشاكل صحية اجتماعية أثرها الاقتصادي أكبر بكثير من استيراد المادة الخام.

ونوه قطنا مختتماً : لماذا نستورد الحشيش لغايات طبية ب100 مليون ليرة سورية، في حين إذا انتشرت زراعة الحشيش في سورية، ستتكلف مليارات الليرات لنعالج الناس بمصحات، ونستطيع ضبط العملية من مراقبين للأراض ولجان وكم ستزيد نسبة الفساد وغيرها من المشاكل التي ستكلف الدولة أكثر بكثير.

شيطان مخبأ في عبوة:

بدأ الدكتور (ع.م) المتخصص بالأمراض العظمية والعصبية حديثه حول الموضوع بعبارة ” إنّ المخدرات في مختلف أنواعها شيطان مخبأ في عبوة من الأفضل الإبقاء عليه مسجوناً فيها”، وتابع قوله كطبيب:

يستخدم القنب الطبي لأغراض علاجية فهو يخفف على سبيل المثال من آلام المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، كما يستخدم في التخفيف من حالات الغثيان وعلاج فقدان الشهية لدى مرضى السرطان أو مرضى فيروس نقص المناعة الإيدز. غير أن هذا المكون لم يخضع للبحث الطبي بشكل واف بعد.

فالدراسات بينت أنّها تساعد في علاج الأوجاع المستديمة والتشنجات العصبية الناتجة عن مرض التصلب اللويحي، وتساهم أيضاً في إعادة الشهية إلى المصابين بمرضي الإيدز والسرطان. كذلك، تشير الدراسات العلمية إلى انتظار نتائج مخبرية إيجابية حول إمكانية استخدامها في علاج مرضي ألزهايمر والوسواس القهري.

إلا أنّ سوء استعمال هذه النبتة قد يجعل بعض المستهلكين مصابين بنوبات تعب، مروراً بفقدان القدرة على التركيز، وصولاً إلى إرهاق جسدي ونفسي دائم يرتب عليها آثاراً اجتماعية سيئة كاللجوء إلى مخدرات أكثر سلبية في نتائجها، الأمر الذي قد يؤدي إلى انحلال أخلاقي مجتمعي، وازدياد في الأمراض النفسية الخطيرة كالبارانويا (الارتياب) والشيزوفرينيا (الفصام).

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدول التي تنوي زراعة القنب الهندي لأغراض طبية يتوجب عليها مواكبة هذا الأمر ببرامج ثقافية توعوية تحث على عدم اللجوء إلى التطبيب الذاتي عبر استخدامه بصورة تلقائية من دون وصفة طبية، أو استخدامه بصورة مفرطة مما قد يؤدي الى خطر الإدمان اليومي، كما أنّ عليها أن تؤسس هيئات صحية لمكافحة آثار الإدمان في حال فشل برامج التوعية الصحية.

وفي ختام حديثه يرى (ع. م): تعد زراعة الحشيش أفضل بكثير من زراعة الدخان من الجانب الطبي، فالدخان لا يملك أية فائدة طبية يمكن الاسفتادة منها.

الغاية لا تبرر الوسيلة:

أفاد الاستشاري والمدرب خالد سنيور في حديث أجري معه حول ذات الموضوع:

إنه من المزروعات ذات المردود الاقتصادي العالي، ولكن منطق الدول لا يوافق على شرعنة زراعته، ومهما ظننا أننا سنزرع ونصدر ولن نستهلك محلياً، فيوماً ما سيعود أثره علينا بشكل سلبي

وتابع سنيور هناك مبدأ (سد الذرائع) وملخصه أنهم كانوا يغلقون 99 باباً للخير كي لا يتم فتح باب للشر، فما بالنا بزراعة الحشيش فيه 99 باب للشر وباب واحد اقتصادي هو الربح.

 وعدا عن كل هذا إن أسواق الحشيش ستكون دول الجوار، ودول الجوار بالنسبة لنا هي عمق استراتيجي شئنا أم أبينا ، فالعراق إخواننا والخليج كذلك ومصر ، وحتى تركيا وإيران، فطالما هؤلاء أخوة لنا وعمقنا الاستراتيجي والحضاري فلماذا نساهم في تدمير الأجيال القادمة هناك.

ختامها اقتصاد:

ومن الجانب الاقتصادي كان لموقع أخبار سورية والعالم لقاء مع الخبير والاستشاري الدكتور ماهر سنجر الذي حدثنا عن واقع ومخاطر هكذا تجربة اقتصادياً حيث أشار:

عند تناولنا لاقتراح مشروع زراعة “الحشيش” في سوريا نجد أنفسنا أمام جوانبَ عدة لا بدّ من مناقشتها من حيث سلبياتها وإيجابياتها، إن تطرقنا للجانب الاقتصادي فهل سيكون هذا المشروع مجدٍ؟، لدى دراستنا لهذا الجانب نجد أنّ الأثار السلبية لهكذا مشروع تفوق الإيجابية منها، ففي حالة الركود الاقتصادي تتكاثر المشاكل النفسية للفرد وبالتالي زراعته محلياً ستسبب حتماً ازدياداً ملحوظاً في تعاطيه، ناهيك عن الاقتصاد السوري الغير مهيء لهذا النوع من المشاريع، وبنظرة سريعة لاقتصادات العالم يمكن لنا القول بأن زراعة مثل هكذا مادة تترافق مع الاقتصادات الشبه منهارة أو الاقتصادات المتطورة جدا وهذا ما لا يتشابه مع النظام الاقتصادي في سوريا.

ومن جانبٍ آخر عادة ما يستخدم الحشيش إما لأغراض طبية، أو للعلاج أو لأغراض التدريب ، كتدريب الكلاب البوليسية على اكتشاف تهريب الحشيش، لكن موضوع تقنين زراعة هذا المنتج، قد تحمل آثار ايجابية فيما لو صدرت هذه المادة، إلا أن الفوائد الاقتصادية الناتجة عن هذا المشروع أقل بكثير من آثاره السلبية، فقوننة هكذا مشاريع تتطلب اجراءات ضبط كبيرة وتتطلب أيضا وجود منشآت خاصة لاستخراج المواد الأولية من هذه النبتة ورفد شركات تصنيع الأدوية بها وهذا غير متوفر.

وتابع “سنجر” إلى أن معامل الأدوية السورية تستورد التركيبات والمواد الأولية اللازمة للصناعة من الخارج، ولا تملك التجهيزات اللازمة لاستخراج المواد الأولية الخاصة بالصناعاثث لدوائية وبغض النظر عن مصدرها . من الضروري اليوم قبل السؤال عن إمكانية زراعة مادة الحشيش وقوننتها السؤال هل هذا الوقت مناسب لطرح هكذا مشاريع!؟ لا أظن ذلك “

ويضيف د.سنجر يجب أن ندرك إن تكاليف ضبط هذه العملية إضافة إلى تكاليف تأمين سوق خارجي له تتجاوز ايراداته في المرحلة الحالية، والمرحلة الاقتصادية التي نمر بها اليوم هي مرحلة اسعافية لتأمين احتياجات الناس الاعتيادية من أكل أو شرب، وأولوياتنا إعادة دوران عجلة الانتاج في سورية وبما إن التوقيت المناسب لأي مشروع هو من أهم عوامل النجاح فهل التوقيت اليوم مناسب لمثل هكذا مشروع؟

وحول المسألة اللبنانية قال: هناك بعض الشركات الاستشارية مثل شركة ماكينزي أجرت بعض الدراسات حول ضرورة قوننة هكذا مشاريع، وأوصت الدراسة لبنان بضرورة تشريع زراعة الحشيش لتعزيز الاقتصاد اللبناني، لكن وبأي شكل من الأشكال لايمكن مقارنة الاقتصاد السوري بالاقتصاد اللبناني. فالاقتصاد السوري أكثر تنوعا وغنى في الموارد كما يتوجب الأخذ بعين الاعتبار محاولة عزل الاقتصاد السوري ومنع وصول منتجاته إلى الأسواق الدولية من خلال فرض حزم من الإجراءات الاقتصادية الظالمة، وحتى إن قامت لبنان بزراعته فلن يسوق في لبنان ولا في الشركات الطبية في لبنان.

بالنهاية أشار الدكتور “ماهر سنجر” إلى أن اجراءات الضبط تسبق التفكير بهكذا مشروع فالاثر السلبي برغم ضألته لهكذا مشروع قد يكون أكبر من كل فوائده فلنركز اليوم على ما هو أكثر نفعا للاقتصاد االسورى من هكذا مشاريع