ليس الروس والثلج فقط.. قصة البكتيريا التي هزمت نابليون في روسيا

0
175

الجثث تخرج من الأرض تباعًا، عمال الحفر يقفون مذهولين مما يشاهدون، خرجوا من بيوتهم في يوم عمل عادي ليحفروا أنفاقًا لخطوط الهاتف، فإذا بهم يجدون مقبرةً جماعية. نسي العمال برودة شتاء ليتوانيا واشتعلت أجسادهم بالخوف والتساؤل.

أتكون تلك المقبرة أحد مخابئ السوفيت التي يلقون فيها الضحايا الذين قتلهم رجال الاستخبارات الروسية «كي جي بي»، أم تعود الجثث لمجموعة من اليهود دفنهم النازيون. كون الاكتشاف كان عام 2001 جعل الاحتمالين السابقين واردين، لكنَّه رجَّح الاحتمال الأول؛ لأنه قبل اكتشاف هذه المقبرة بثماني سنوات اكتُشفت مقبرة أخرى فيها 700 فرد قتلهم السوفيت.

جامعة فينليوس الليتوانيَّة أرسلت علماء الآثار ليضعوا الإجابة الحاسمة عن السؤال. الجثث كانت موجودة في ثلاثة خنادق متصلة، أقرب ما تكون لخنادق دفاعية. الملابس والأسلحة الموجودة تقول إن الجثث تعود لجنود لا لمدنيين عُزَّل. في ملابس بعض الجنود عُثر على عملات معدنية تعود للقرن التاسع عشر. الآن اكتملت قطع اللغز أمام علماء الآثار، فصرخوا بأن الجثث الموجودة هي بقايا الجيش العظيم الذي قاده نابليون لغزو روسيا. جيش قوامه 600 ألف جندي، نجا منهم 30 ألفًا فقط، ومن بين الناجين عاد ألف جندي فقط للخدمة لاحقًا، أما الباقون فلم يستطيعوا.

فحص الجثث معمليًّا أضاف سببًا آخر لأسباب فشل غزو نابليون لروسيا عام 1812، فالأسباب التي يذكرها الروس كل عامٍ في ذكرى احتفالهم بهزيمة نابليون، أولها أن سكان موسكو أحرقوا 75% من المدينة، فلم يعد لنابليون مأوى، ولم يجد جنوده الطعام ولا الإمدادات الكافية، ثم أتى الشتاء الروسي القاسي فقضى على المُتبقي من عزيمة جنود نابليون، وجمَّد أرواح العديد من الجنود الآخرين. لكن سببًا آخر كان أكثر ضآلةً من أن يُرى، وأعظم تأثيرًا من أن يُنسى، التيفوس.

عرفت البشرية التيفوس أولًا باسم «حمى السجن» عام 1759، وسُمي بذلك حين مات به 25% من السجناء الإنجليز، الذين كانت سجونهم قذرة ومكتظة بالبشر، ثم أطلق عليه بعد عام اسم «حمى التيفوس» اشتقاقًا من كلمة يونانية تعني «ضبابي»، إشارةً لحالة الهذيان التي يعاني منها مصابوه. وينقله القمل، والبراغيث، والعث، والقُراد.

إخضاع روسيا بسهولة طلبًا للهند

جيش نابليون كان قوامه الأكبر من الشباب، فتية أقوياء يمكنهم السير مسافات طويلة بدون طعام، وتحمل ظروف البرد الشديد. كما كان بإمكانهم القتال بشراسة والفوز بأي معركة يدخلونها، لكن الكائنات المجهرية كان لها رأي آخر. فهُزم نابليون في روسيا، رغم أنَّه لم يكن يريد شيئًا من الروس، إنما كان يريد الهند.

يونيو (حزيران) عام 1807 هزم نابليون الجيش الروسي في معركة فريدلاند. بعد الهزيمة بشهر، وقع نابليون مع الروس معاهدة «تيلسيت»، بتلك المعاهدة صار الأعداء حليفين، وترك نابليون روسيا دون أن يطلب منها أرضًا أو مالًا. وبقدوم عام 1812 كان نابليون قد فرض سيطرته على غالب الأراضي الواقعة بين إسبانيا وروسيا، بينما تسيطر بريطانيا على البحار وعلى الهند. أراد نابليون الهند التي كانت مستعمرةً إنجليزية، ولا سبيل أمامه سوى البر الذي يملكه، لا البحر الذي تملكه بريطانيا، فلا بد من إخضاع روسيا مرةً أخرى.

المعاهدة جعلت البلدين حليفين نظريًّا، لكن الواقع يقول إن روسيا كانت تميل إلى الإنجليز أكثر من ميلها إلى الفرنسيين. ورغم أن المعاهدة تحظر على روسيا التعامل بأي شكل مع إنجلترا، فإن الروس كان يخالفون المعاهدة بالتجارة سرًّا مع الإنجليز. كانت ذريعةٌ ذهبية لنابليون؛ لذا حشد جنوده في يونيو عام 1812 استعدادًا لغزو روسيا. بعد 22 يومًا كان نابليون واقفًا على الضفة الغربية لنهر «نيمين» ينتظر انتهاء مهندسيه من بناء الجسر العائم. عبر نابليون وجنوده النهر، ودخلوا بولندا التي تسيطر عليها روسيا.

أجواء حارة قليلًا، لكن الجنود الشباب تحملُّوها، جفاف يغزو الطرق والأراضي، لكن ذلك جعل سير الجنود سهلًا. قوات الإمداد بالطعام والمؤن كانت دائمًا تسبق الجيش بخطوة، فأينما وصل جنود نابليون وجدوا طعامًا وماءً. تلك الأجواء المُبشرة حمَّست الجنود فوصلوا فينليوس في أربعة أيام فقط، دون أي مقاومة من الجنود الروس.

التيفوس متربصًا.. الروس يتراجعون والقمل ينصب الفخ لنابليون

الجنود يتعمقون في المسير غير مدركين أنهم يسيرون نحو مآساة تاريخية. مناطق بولندا التي سار منها الجنود كانت قذرةً بشكل لم يره الفرنسيون سابقًا، فلاحو تلك المناطق كانت شعورهم مملوءةً بالقمل والبراغيث، ولا وجود لآبار مياه يمكنهم الاغتسال منها. بدأ الفرنسيون يدركون أنهم باتوا داخل أراضي العدو، فأصبحت قطارات الإمداد بالطعام تسير خلف الجنود لا تسبقهم كما كان الحال سابقًا.

أمطار الربيع جعلت الطرق رخوة صعبة المسير. ثم أصبحت بعض المرتفعات التي تمر من فوقها القطارات مهددة بالانهيار، فتأخرت قطارات الطعام أكثر فأكثر. لا طعام ولا ماء، الفرنسيون يختلطون بالقمل والبراغيث بلا حماية، الجيش الضخم لم يستطع أن يبقى متماسكًا فتناثر الجنود في مجموعات. بدأوا في نهب منازل الفلاحين وطعامهم الملوث، وأكلوا حيواناتهم المريضة. وأدى نقص الإمدادات إلى موت أكثر من 20 ألف حصان من أحصنة القوات الفرنسية.

مناخ مناسب تمامًا لظهور الأمراض المعوية، فأُرسل الجنود المصابون إلى الخلف، حيث تقع المستشفيات الميدانية التي أنشأها الجيش النابليوني. الأعداد تصاعدت بشكل مفاجئ فأصبحت المستشفيات عاجزة عن التحمل. مشهد مرعب يُضعف عزيمة الجنود ويجعل القادة يفكرون في الغزو مرةً أخرى، لكن المفاجأة أن المأساة لم تبدأ بعد.

بعد أيام من عبور الجنود لنهر «نيمين»، أُصيب بعضهم بحمى شديدة، وطفح جلدي أحمر اللون. بمرور الساعات اكتست وجوه بعضهم بمسحةٍ من اللون الأزرق ثم ماتوا، الآن يقابل الفرنسيون التيفوس وجهًا لوجه. كان التيفوس موجودًا في بولندا وروسيا لسنوات طويلة، لكنَّه أصبح أسوأ حين أحرق البولنديون منازلهم وأراضيهم أثناء انسحابهم من أمام جيش نابليون. لا مياه للاغتسال، ولا صرف صحي فعَّال، والشمس حارقة، جو مثالي لانتشار القمل والأمراض المصاحبة له.

لكن أحدًا لم يكن يعرف أن «التيفوس» موجود في براز القمل في تلك الحقبة الزمنية. 100 عام كاملة مرَّت حتى عرف العالم أن ما سبب مأساة الفرنسيين هو التيفوس، الذي تُسببه بكتريا ريكتسيا أو بكتريا الكُساح، والمعروفة علميًّا باسم «Rickettsia prowazekii». المفارقة أن أول من اكتشف تلك الحقيقة طبيب فرنسي، شارل نيكول. اكتشف هذه الحقيقة عام 1909، وحصد بها جائزة نوبل في الطب عام 1928.

الجنود يطلبون التراجع ونابليون يرفض

الجندي الفرنسي ذي الملابس الأنيقة، والشعر المُصفف بعناية، بات الآن متسخًا ومرتديًا الملابس نفسها لعدة أيام دون غسل جسده أو ملابسه. وجد القمل ملجأ آمنًا في ملابس الجنود، وتربصت البكتريا بأي خدش في جسدهم كي تنفذ منه إلى دمائهم. جندي واحد مصاب كان يكفي لنقل العدوى للجيش كاملًا؛ إذ كانوا ينامون في مجموعات كبيرة مكدسين في أماكن ضيقة، طلبًا للأمان، وخوفًا من أن يهاجمهم الروس، أو ينحرهم البولنديون الموتورون. تقافز القمل فرحًا من جندي لآخر، حتى فقد الجيش 80 ألف جندي في أسبوعين.

أدرك أطباء الجيش أن هناك عدوًّا خفيًّا يقتلهم، وأن القمل يحمل ما هو أسوأ؛ لذا أخذوا في إبعاد الجنود المصابين، أو الذين احتكوا عن قرب بأحد المصابين. بتلك الإجراءات انخفض عدد القوات المقاتلة والقادرة على دخول المعركة إلى النصف. بعد قرابة الشهر، في 28 يوليو (تموز)، جادل ثلاثة من القادة نابليون بضرورة العودة إلى البلاد، وأخبروه بأن دخول المعركة بالجيش المنهك مجازفة غير منطقية. وافقهم نابليون في البداية، ثم بعد يومين غيَّر رأيه، قال لجنرالاته إن الخطر الذي يُحدق بهم الآن يدفعهم أكثر لدخول موسكو، وأن موت جنوده لن يكون مبررًا إذا عاد أدراجه، لكن النصر هو من سينقذ الأحياء ويُبرر وفاة الآخرين.

بالفعل استمر نابليون في التقدم، واستمرت الحصون في السقوط بين يديه. ظفر بـ«سمولينسك» في أغسطس (آب)، ثم بـ«فالوتينو» بعد ذلك. إغراءات متتابعة تدفع نابليون للتعمق، وهزائم منكرة تجبر الروس على التراجع. قسَّم نابليون جنوده إلى ثلاثة أقسام تقاتل على ثلاث جبهات، وبقي هو مع جيش رئيسي قوامه 265 ألف جندي. في غضون أيام فقد نابليون 105 آلاف جندي، وأصبح المتبقي معه 160 ألفًا، بعد أسبوعين آخرين أصبح المتبقي معه 103 آلاف جندي فقط.

في بورودينو، غرب موسكو، تَمَتْرَس الجنرال ميخائيل كوتوسوف، واشتبك مع الفرنسيين في سبتمبر (آيلول) 1812. فاز نابليون بالمعركة لكنه خسر 13 ألف جندي، قواته الآن تتألف من 90 ألفًا فقط. توقع نابليون استسلام أهل موسكو دون مقاومة، لكنهم فاجؤوه بإحراق المدينة والخروج منها. 15 ألف جندي انضموا لجيش نابليون كإمداد من فرنسا، لكن 10 آلاف منهم ماتوا من التيفوس.

الشتاء قادم.. والرعب في الانتظار

الشتاء الروسي المُرعب قادم، لا خيار أمام نابليون سوى العودة سريعًا إلى فرنسا. تأخروا في «سمولينسك» بحثًا عن طعام ومأوى، لكن لم يجدوا. جمع نابليون جنوده وهرولوا بالعودة إلى خطوطهم الأولى، فعادوا إلى مواقع المستشفيات الميدانية في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 1812، لكن المستشفيات كانت مكتظة بالفعل من مصابي الحرب والتيفوس، وبدأ نابليون يفقد سلطته على جنوده.

الانضباط اختفى والجنود منهكون، الضربة القاضية حين علم نابليون أن الطعام والإمدادات التي عاد لأجلها نفدت. استهلك ضباط الاتصال والاحتياط كل الطعام الموجود، فحزم رحاله في 13 نوفمبر ليعود إلى «فينليوس»، فوصلها في الثامن من ديسمبر (كانون الأول). وصلها بعشرات الآلاف من الجنود، لكن 20 ألف جندي فقط هم آخر من تبقى من الجيش العظيم القادر على القتال.

سمع نابليون عن انقلاب وشيك في فرنسا بقيادة الجنرال « كلود فرانسوا» فغادر مسرعًا إلى فرنسا، وترك الجنرال «يواكيم مورات» مسؤولًا عن جيشه في فينليوس. بعد أن أصبح مورات قائدًا رفض الاستمرار في الوجود في فينليوس، فوضع أسلحته وسلمها للروس، وسلمَّهم الغنائم القليلة التي أخذها الجيش الفرنسي من الأراضي الروسية، في مقابل أن يسمح له الروس بالتراجع. وبالفعل عبر مورات نهر «نيمين» بصحبة 40 ألف جندي، غالبيتهم عاجز عن القتال.

أثناء التراجع كان الجنود الذين يموتون من التيفوس يُدفنون في خنادق دفاعية، كالتي عثر عليها عمال الحفر في ليتوانيا عام 2001. علماء البيولوجيا حلَّلوا أسنان الجثث التي عُثر عليها في تلك الخنادق، فوجدوا أن العديد منهم ما زال يحتفظ ببقايا الحمض النووي لبكتريا ريكتسيا التي نقلها القمل، وسببت حمى التيفوس، أو الحمى النمشيَّة كما يسميها العرب، للجنود.

لاحقًا كلفت روسيا الموسيقار تشايكوفسكي بتأليف مقطوعة موسيقية تخلد هزيمة الفرنسيين. تلك المقطوعة تنتهي بصوت المدافع الروسية الهادرة، لكن لو أراد الروس الدقة، لوضعوا في نهايتها صوتًا هادئًا لا يكاد يُسمع، يمثل القمل الذي نقل التيفوس للجنود، وتسبب في موتهم، وفي هزيمة نابليون وانتهاء حلمه القريب في الوصول إلى الهند عبر روسيا، وتسبب كذلك في إعطاء الإشارة إلى شمس الحروب النابليونية بالأفول.

عدة حقن من المضاد الحيوي المتراكمة في ثلاجة منزلك اليوم كانت كفيلةً بعلاج المصابين، ووقف تأثير البكتريا في أجسادهم، لكانت تلك الحقن بمثابة قبلة الحياة لجيش نابليون، لكن المعضلة أن البشرية لم تكن تعرف المضاد الحيوي آنذاك، ولو كانت تعرفه يومها لربما تغير تاريخ العالم الذي نعيشه، وتغير حاضره نتيجة لذلك أيضًا.

ساسة بوست