.. ليدمّر السعودّيون والإيرانيّون بعضهم البعض

0
35

 

شخصية خليجية بارزة وتنقل عن هنري كيسنجر قوله «تريدون عودة التوازن الى الشرق الاوسط؟ دعوا السعوديين والايرانيين يدمرون بعضهم البعض…».

هذا الذي يحدث الان يمكن ان يستمر لمائة عام، لالف عام. حرب او حروب بالواسطة، مادام هناك المال وما دامت هناك الايديولوجيا. الطرفان لم يدركا ان اياً من الورقة السورية او الورقة العراقية، لم تعد صالحة للاستعمال في النزاع الجيوبوليتيكي القائم بين القوتين الاقليميتين…

كيسنجر الذي طالما تلطخت يداه بالكثير من ازمات المنطقة، بما في ذلك جولات التمرد الكردي ضد بغداد والتي فرضت اتفاق شط العرب، وبما في ذلك الحرب الاهلية في لبنان، يبدو «ضنيناً» بالدول المركبة طائفيا او اتنيا لان خسارة ذلك يعني ان الجوهر الثقافي والفلسفي للمنطقة قد تلاشى…

الدولتان تقاتلان بعظام الاخرين. الاولى تحت شعار العروبة التي لم تعد تصلح حتى علفا للدجاج، والثانية تحت شعار الاسلام، وقد ذهبت به بعيدا في طريق المذهبية…

هذا الطراز من الصراع لا يمكن ان يتوقف ذاتيا. التعبئة الغرائزية في ذروتها. ما يستشف من المواقف ان الصراع هو حول مفهوم كل منها للغيب، في حين تؤكد كل المؤشرات على ان الصراع هو حول المصالح، وحول الدور، وحول مناطق النفوذ، دون ان يتبلور اي اتجاه في هذه المنطقة الضائعة (بين الدنيا والاخرة، وبين الشرق والغرب، وبين الاصالة والحداثة) نحو التكامل، والتوهج الثقافي والاقتصادي، كما في مناطق اخرى من العالم.

كيسنجر يبرىء كليا الولايات المتحدة من ان تكون وراء سيناريو الانهيار والتفجير. في نظره ان المنطقة تعاني من الاعتلال التاريخاليمني، كما من الاعتلال اللاهوتي. في لحظة ما لا بد ان يرتطم هذا الواقع بدينامية القرن، وينفجر.

 

هو يعني ان المشكلة في التشكيل البنيوي للشرق الاوسط الذي اذ ولدت فيه الديانات السماوية الثلاث، بقي بعيدا عن التفاعل مع مفاهيم التحديث، والدخول في المسارات الصناعية والتكنولوجية. الانظمة بدت وكأنها «حارسة المستودعات»، وليست المحرك في اتجاه الدخول الى جاذبيات العصر…

كان لا بد لمعمارية الصدأ ان تتآكل وان تتفكك. السعوديون اقاموا دولة توتاليتارية تتمحور حول ثنائية الدين والسلطة، والايرانيون اعتبروا ان الدين هو السلطة وان السلطة هي الدين. هذا النوع من الانظمة لا مجال الا ان يبقى في دائرة الخوف على البقاء. بالتالي لا بد من استراتيجية الحرائق (الحرائق المذهبية بالدرجة الاولى) لاستقطاب من هم مستعدون للذهاب في لعبة الغيب والى حدود الانفجار…

حين التقى دونالد ترامب بكيسنجر ليأخذ رأيه في بلورة العناوين العريضة لسياساته الخارجية، كانت نصيحته بأن يتفادى اي حديث مباشر عما يريد فعله لان افضل السياسات ترك هؤلاء يحطمون بعضهم البعض اذ من شأن الموتى ان يجعلوا المنطقة اكثر هدوءاً او اكثر توازنا.

هذا الكلام استفز المعلق الشهير فريد زكريا (الاميركي من اصل هندي). لاحظ ان الموتى هم الذين يجعلون الشرق الاوسط في هذه الحالة من الضياع والهياج والاستعداد الدائم للصراعات العبثية.

الى حد ما تساوى الموتى والاحياء في المنطقة. الكل وقود لذلك الرهان الذي محوراه الان السعودية وايران. معسكران، وفي نهاية المطاف لا شيء هناك سوى تلال الجثث، وسوى انهار الدم. طبعا لا شيء هناك سوى الخزائن الخاوية. الاهم… سوى الازمنة الخاوية.

ربما كان هناك بين المعلقين الغربيين من يرثي لحال مجتمعات المنطقة. يسألون… بعد تلك السنوات من استهلاك التاريخ، وتعذيبه، ومن استهلاك الايديولوجيا، وتعذيبها، ماذا يتوقع السعوديون والايرانيون سوى انهم، بدورهم، يتحولون الى حطام…

ماذا يقول هنري كيسنجر؟ «دعوهم يدمرون بعضهم البعض». لا بد من تلك اللحظة التي يتناول فيها الاثنان «الكأس المرّة» ويعلنان وقف الصراع. خلاف ذلك… كوؤس الدم!