لماذا لا نزال نذكر تشارلي تشابلن حتى الآن

0
9

تشارلي تشابلن كان ممثلًا وكاتبًا ومخرجًا وملحنًا إنجليزيًا، عاش ما بين 1889 و1977، ويعد من أهم نجوم حقبة الأفلام الصامتة، التي استمرت منذ ولادة السينما عام 1885 حتى نهاية العشرينيات.

اشتهر بشخصية المتسكع “The Tramp” خفيف الظل وكثير المقالب، لكن رغم انتهاء مسيرته منذ زمن بعيد ما زال ذكره حاضرًا حتى اليوم في حين غاب ذكر الكثير من النجوم غيره، فما سر تميزه؟

منهجي وتحليلي.. وليس مهرجًا

قدم تشابلن خلال مسيرته المهنية، التي بدأت منذ أن كان بعمر 14 على خشبة المسرح، 68 فيلمًا قصيرًا ما بين 1914 و1923، و11 فيلمًا طويلًا كان آخرها عام 1967، اعتمد فيها على التفكير الدقيق والدراسة الواعية لماهية الكوميديا ومنهجيتها.

حصول تشابلن على الضحكات لم يكن غاية اعتباطية، بل كان يدرس ويحلل جميع أسباب الضحك، وكتب عام 1918 مقالًا لشرح أسلوبه مبتدئًا بأن النجاح مرهون بفهم الطبيعة البشرية.

وعرض في مقاله الذي نشر في مجلة “أمريكان” العدد 86 تحت عنوان “ما يضحك عليه الناس“، منهجيته للعمل، وبين رفضه لأسلوب التهريج المبتذل.

وقال إنه دائمًا اعتمد “الاقتصاد بالوسائل”، أي استخدام مشهد واحد للحصول على ضحكتين بدل استخدام مشهدين، وضرب مثالًا بإحدى لقطات فيلم “المغامر” من عام 1917 التي تضمنت جلوسه على شرفة أسقط منها المثلجات خطأ على رقبة امرأة ثرية تجلس في الطابق الأسفل.

وتابع “على الرغم مما تبدو عليه تلك الحيلة من بساطة إلا أنها تضمنت نقطتين واقعيتين من الطبيعة البشرية، إحداها كانت متعة الشخص الطبيعي لرؤيته الغني والمرفه يقع في ورطة، والأخرى كانت ميل البشر لاختبار المشاعر التي يشهدونها على المسرح أو الشاشة بأنفسهم”.

أحد الأمور التي تتعلمها بسرعة في العمل المسرحي هو أن الناس عامة يشعرون بالرضا عند مشاهدة الأغنياء وهم يتعرضون لأسوأ الأمور، بحسب تشارلي، الذي أوضح أن سبب ذلك، بالطبع، هو حقيقة أن تسعة أعشار سكان العالم فقراء، ويستاؤون سرًا من غنى العشر الآخر.

لو أوقع تشارلي المثلجات، على سبيل المثال، على عنق الخادمة، بدل أن تثير الضحك كانت ستثير الشفقة نحو المرأة، بحسب نظريته في المادة، وكذلك لا تملك الخادمة وقارًا لتضيعه، فلم تكن تلك الفكرة لتكون مضحكة. في حين أن إيقاع المثلجات على عنق امرأة غنية، في عقول الجمهور، هو تلقين الغنية ما تستحقه.

وأضاف، “من خلال قولي إن البشر يختبرون المشاعر ذاتها التي يمر بها من هم ضمن الحوادث التي يشهدونها، أعني أنه -مع أخذنا المثلجات كمثال- حينما ارتعدت المرأة الغنية ارتعد الجمهور معها. لا بد أن يكون ما يضع الشخص في معضلة محرجة مألوفًا تمامًا دومًا لدى الجمهور، وإلا فسيضيع المغزى منه كليًا. فبمعرفته أن المثلجات باردة، ارتعد الجمهور”.

نقطة أخرى تتعلق بالبشر استخدمها تشارلي كثيرًا هي محبة الشخص العادي للتناقض والمفاجأة خلال تسليته، موضحًا، “إن كنت أتعرض لمعاملة قاسية، دائمًا ما يكون ذلك من قبل رجل كبير الحجم، وهذا لأجل أن أحصل، عبر التناقض بين الكبير والصغير، على التعاطف من قبل الجمهور، ودائمًا أحاول معارضة جدية تصرفاتي مع سخافة الحادثة”.

ولم يكتف تشابلن باعتماد حدسه الفكاهي وتحليله الفكري لبناء مشاهده، بل تقبل أيضًا النقد، ونقل الموقع الإلكتروني الرسمي لأعماله نصًا لرسالة احتفظ بها منذ عام 1916، بعد عرض عمله “رجل الإطفاء”، كتب فيها أحد المعجبين نصيحة اتبعها تشارلي حتى النهاية.

جاء في نص النصيحة، “لقد لاحظت في فيلمك الأخير نقصًا بالعفوية. على الرغم من أن الفيلم لم يفشل بتوليد الضحكات، إلا أنها لم تكن بقوة ما ولدته بعض أعمالك السابقة. أخشى أنك تتحول إلى عبد لجمهورك، في حين كان الجمهور عبدًا لك في أغلب أفلامك. الجمهور يا تشارلي يحب أن يُستعبد”.

مفكر متمسك بمبادئه وفارض لاحترامه

امتاز تشابلن بقدرته الكبيرة على مزج الكوميديا بالقضايا المهمة الناقدة، التي دفع ثمنها بالنفي من أمريكا عام 1952، وبالتعرض لنقد وهجوم مستمر من الإعلام لمواقفه الإنسانية والشخصية وتجاهل قيمته الفنية.

تطرق منذ أعماله الأولى للمواضيع العميقة الشائكة التي تمكن من عرضها بسلاسة وخفة متناهية، وكان من أهمها فيلم “المهاجر” (The immigrant) عام 1917، الذي عرض فيه رحلة اللجوء من أوروبا إلى أمريكا وصور التعامل الفج من السلطات الأمريكية مع التعساء الفارين من الحرب العالمية.

ولم يخش نقد الحرب وتجارة الأسلحة في فيلم “Shoulder Arm” عام 1918، وفيلم “The dictator” عام 1940، وفيلم “Monsieur Verdoux” عام 1947، رغم ما أثاره ذلك من اتهامات بحقه حول تقاعسه عن الخدمة العسكرية ووقوفه ضد مبادئ الولايات المتحدة التي لم يحاول الحصول على جنسيتها رغم عيشه فيها سنوات طوال.

ورد تشابلن على منتقديه بأنه من دعاة السلام وليس مع الحرب والتجنيد، إلا أنه سجل اسمه في السحب العسكري خلال الحرب العالمية وشجع غيره على الالتحاق لإيقاف المعتدين، ولكن أمريكا رفضت السماح له بالعودة إليها عام 1952 بعد أن غادر خلال تسويق أعماله في أوروبا.

تزايد الحنق الأمريكي على تشارلي بعد تقديمه فيلم “A king in new York” (ملك في نيويورك) عام 1957، الذي لم يعرض في أمريكا حتى عام 1973، والذي انتقد به بشكل مباشر التعامل الأمريكي مع الشيوعيين وما عرف بحقبة “المكارثية”، التي قامت على خلفية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي على ملاحقة ومراقبة كل من اشتبه بصلته بالحزب الشيوعي واتهامه بالخيانة بغض النظر عن وجود الأدلة، ونقد في عمله أيضًا إقامة الحدود والفصل بين الدول وما فيه من حد لحرية البشر، وحتى برامج الواقع والكاميرات الخفية والإعلانات والعمليات التجميلية.

وبعد سنوات من القطيعة ومع بدء عقد السبعينيات وظهور الحركات الداعية للسلام خفف المجتمع الأمريكي من نقده لتشابلن، وقدمت هوليوود له جائزة “أوسكار” فخرية عام 1972 للاعتذار منه، دخل لأجلها إلى أمريكا بعد قطيعة 20 عامًا، ووقف الحضور للتصفيق له عند استلامها مدة 12 دقيقة متواصلة كانت الأطول في تاريخ الحفل.

مبدع سابق لأوانه

عُرف عن صانع الأفلام الإنجليزي سعيه الدائم للدقة والمثالية، التي جعلته من أهم المؤثرين في الثقافة العالمية. ابتكار تشابلن لشخصيته المعروفة بهندامها الغريب وتصرفاتها المضحكة لم يجعلها من أكثر الشخصيات شهرة حول العالم وحسب، ولكنها كانت مصدر إلهام للكثير من الشخصيات والمقالب اللاحقة.

تشتهر في سوريا شخصية “غوار الطوشة” التي أداها الممثل دريد لحام منذ ستينيات القرن الماضي، والتي تعمد كثيرًا على استعارة شخصية ومقالب تشابلن، وحتى في برامج الأطفال والشخصيات الكرتونية مثل “توم وجيري” تتكرر العديد من المشاهد التي عرضها في أفلامه الأولى.

كما قدم تشابلن في عمله “Modern Times” (أزمان معاصرة) عام 1936، الذي تطرق للكساد الاقتصادي الذي عانته أمريكا في عقد الثلاثينيات، مشاهد مميزة سابقة لأوانها، مثل مشهد آلة إطعام العاملين السريعة، ومشهد الشاشة العملاقة التي يراقب بها مدير المصنع عماله والتي قد تكون مصدر إلهام لشخصية “الأخ الأكبر” التي عرضها الكاتب البريطاني جورج أورويل في كتابه “1984” الذي نُشر عام 1949.

وتجلت قدرته المميزة على الجمع بين الكوميديا والدراما، في فيلم “The kid” (الطفل) الذي عرض عام 1921، والذي بدأ العمل عليه بعد أيام من وفاة طفله حديث الولادة، وتمكن فيه تشابلن من سحب دموع وضحكات المشاهدين في آن معًا.

لا يمكن حصر إبداعات ومزايا تشارلي تشابلن في عرض سريع، فقد استحق عن جدارة وصفه بـ”عبقري السينما” منذ بداية عهده وحتى آخره، عن أعمال طويلة مثل “gold rush” (حمى الذهب) من عام 1925، الذي ضمت خيالًا جامحًا مع إثارة وكوميديا ورومانسية مؤثرة، وحتى عن أعماله البسيطة الأولى مثل “One AM” (الواحدة صباحًا) عام 1916، الذي يقتصر على عرض خفته وحركاته المسلية.

ما زلنا نذكر تشابلن لأنه كان حالة فريدة لم تتكرر بعد في عالم السينما.