لماذا طبقت دمشق مبدأ العزل الصحي قبل قرابة 1300 عام؟

0
190

تداعت الحضارات عبر التاريخ لأسلوب عزل المرضى في الأوقات العصيبة التي تكون التدابير العلاجية فيها والحالة الطبية في عمومها عاجزة عن حل الإشكالات الطبية والأسباب المكروبية المعدية، أمام هذا قد يقول أي شخص قبل كانون الثاني من العام الجاري أن الطب في القرن الواحد والعشرين بقمة تطوره ولا داعي للحجر أو العزل لمجرد مرض بأعراض تشبه الأنفلونزا البسيطة، ويعزز هذا القول حول انتصار الإنسان على الأوبئة ما جرى في العقد السادس من القرن الماضي حين أقفلت بعض الجامعات الأمريكية أقسام الأمراض المعدية فيها، لإيمانها بنظرية “نصر الإنسان”، لكن تعري كورونا اليوم كل أوهامنا وتعجرفنا في التطور الواهم الذي صدّع رؤوسنا لسنوات، وأمام هذا يبقى “الحجر الصحي” هو الحل الوحيد لاحتواء هذا الوباء.

تعد “الصين” كما يعرف الجميع اليوم أول من نبّه لضرورة اتباع هذه الطريقة العلاجية لوقف انتشار الفايروس المعروف علمياً باسم “كوفيد – 19″، حين سعت أمام عجزها لعلاج الحالات الأولى من حاملي الفيروس لاحتجاز سكان مدينة “ووهان” والمنطقة المحيطة بها في منازلهم وتقييد حركتهم، كحل وحيد لمنع انتشار الفيروس الجديد إلى الخارج، لكن مع الانفتاح الكبير في العلاقات بين الدول كان من الصعب حصر الوباء في تلك البلدة، بل وفي تلك المنطقة وفي “الصين” ككل ومن ثم في القارة و في العالم بأسره.

تشير آخر الأرقام والاحصائيات إلى أن فيروس كورونا المستجد أودى حتى الآن بحياة ما لا يقل عن 38466 شخصاً حول العالم منذ ظهوره في كانون الأول الماضي في “الصين” كما تم تشخيص إصابة نحو 800 ألف شخص منذ بدء تفشي الوباء و تسجيل ما لا يقل عن 163 ألفاً من المتعافين من الإصابة في دول العالم، وفق حصيلة أعدتها وكالة الصحافة الفرنسية ونقلتها وكالة “سانا” الرسمية يوم أمس 31 آذار الحالي، يأتي ذلك أمام تكتم كثير من الدول على التصريح عن عدد الحالات الفعلية، لهذا توالت سلطات كل دولة على انفراد لدعوة مواطنيها للتباعد الإجتماعي قدر الإمكان والحجر الصحي لحين استخلاص عقار ينهي هذه المأساة.

الفرق بين التباعد الاجتماعي والحجر الصحي

إن “التباعد الاجتماعي” هو إلغاء الفعاليات و الأنشطة وأية أحداث من شأنها تكوين مجموعات مزدحمة في نطاق محدد، وذلك للمساعدة في إيقاف انتشار المرض أو إبطائه مما يسمح لنظام الرعاية الصحية بالعناية بالمرضى بسهولة أكبر بمرور الوقت، أما “الحجر الصحي” فهو حالة أو مكان لعزل شخص أو حيوان قد يكون على اتصال بأمراض معدية، حيث تقلل فترة العزل من احتمالية انتقال المرض إلى الآخرين، وهو  غير مخصص للمرضى الذين تم تشخيصهم فقط، إذ يمكن للأشخاص الذين يبدون أصحاء أن ينقلوا أحد مسببات الأمراض دون أن يعرفوا أبدا أنهم حاملون له.

الحجر الصحي عبر التاريخ

يعود أصل كلمة “الحجر الصحي” المستعملة في اللغة العربية إلى الأصل الإيطالي quarantena المقتبس عن اللغة الإيطالية.

حدث ذلك خلال السنوات المرّة التي انتشر فيها الطاعون الأسود واجتاح “أوروبا” انطلاقاً من “روما” في الفترة الممتدة من 1347 م وحتى 1352 م، حيث بدأت السلطات حينها كإجراء إحترازي في إبعاد السفن المصابة عن شواطئها، ومع مرور عام أصبحت السلطات الإيطالية أول من استحدث إجراء وقائى رسمى تمثل فى إغلاق الموانئ وإبقاء المسافرين تحت العزل لمدة 40 يوماً، ورغم ذاك الإجراء لتخفيف الجائحة فقد قتل الطاعون حينها ما بين 40 مليون إلى 50 مليون شخص في أوروبا وبين 75 مليون و200 مليون في جميع أنحاء العالم.وفق مراجع تاريخية متقاطعة.

في حين يقول التاريخ غير ذلك

قبل مدن “إيطاليا” ومدن جنوب “أوروبا”، عرفت “دمشق” تطبيق الحجر الصحي بمصطلح “العزل” كأول مدينة تفعل ذلك في التاريخ، و يأتي ذلك في عهد الخليفة “الوليد بن عبد الملك” سادس خلفاء بني “أمية”، والذي حكم في الفترة الواقعة ما بين 705م – 715م.

اهتم “الوليد بن عبد الملك”  حسب مراجع تاريخية بتحسين الحالة الطبية للبلاد، حيث يسجل له السبق في إنشاء أول مستشفى للأمراض النفسية عام 707م، كما أنّه أول من طرح فكرة الحجر الصحي حين أمر بإنشاء مستشفى للمجذومين في مدينة “دمشق”، وكان ذلك على نفقة الدولة، وكان حق العلاج فيه لجميع من يعيش في البلاد وفق مبدأ المواطنة للمرضى سواء من الفقراء أو الأغنياء، المسلمين أو غير المسلمين.

كان يتم عزل المصابين بالجذام (مرض) في مكان خاص يشبه الحجر الصحي، لتجنب اختلاطهم ببقية المرضى في المستشفى، وحين أسهمت تلك الطريقة بالقضاء على ذاك الوباء أخذت السلطات المتوالية في “دمشق” ممارسة الحجر الصحي غير الطوعي حين يجتاح البلاد الأمراض المعدية والتي لا علاج متاح لها.

يأتي ذلك قبل أكثر من 7 قرون من قيام السلطات الايطالية بتطبيق الحجر الصحي، و قبل أكثر من 11 قرن من إنشاء أول محطة للحجر صحي في الولايات المتحدة الأمريكية في مدينة “فيلاديلفيا” عام 1793م لمنع انتشار وباء الحمى الصفراء الذي أودى بحياة أكثر من خمسة آلاف شخص حينئذ.

سناك سوري – شاهر جوهر