الغزو الأردوغاني يتمدد: معارك الشمال تختبر تفاهمات جنيف

0
44

 

 

بالرغم من تأكيد بعض الأوساط السياسية أنّ تفاهمات كيري ــ لافروف التي جرى التوصل إليها قبل أيام في جنيف تضبط إيقاع التطورات الراهنة، فإنّ رسالة دمشق الشديدة اللهجة إلى مجلس الأمن عادت لتطرح عدداً من التساؤلات عن الغزو الأردوغاني للشمال السوري الذي يبدو أنه دخل في مرحلة الصراع الذي لا بدّ منه

مسودة الاتفاق الأميركي ــ الروسي حول سوريا أُنجزت خلال الاجتماع الأخير بين جون كيري وسيرغي لافروف، ولكنها تنتظر التفاصيل الفنية لإقرارها من قبل السلطات الأعلى في البلدين.

هذا ما يؤكده لـ»الأخبار» مصدر سياسي مطّلع على الاتصالات الجارية على خط موسكو ــ واشنطن، وعلى دراية بجديد المواقف الروسية من الأزمة السورية.

مسودة الاتفاق، التي تطلبت لقاءً استغرق أكثر من عشر ساعات بين الوزيرين، تتضمن شقين: الأول عسكري، ويتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار بشكل ملزم للجميع، وحشد القوى، بشكل منسق، لمحاربة تنظيمي «داعش» و»جبهة النصرة». وأمّا الثاني، فسياسي، تبقى إمكانية الشروع في تنفيذه رهناً بتحقيق الجانب العسكري، وقاعدته وحدانية الحل السياسي في سوريا، على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (2015)، الذي تحدّث عن جسم سياسي لإدارة «المرحلة الانتقالية».

التفاهمات الأميركية ــ الروسية، التي يبدو أن الوزيرين لافروف وكيري قد قطعا أشواطاً كبيرة في بحث تفاصيلها، كما يقول المصدر السياسي، بدأت ملامحها تتضح، سواء في تصريحات المسؤولين الأميركيين والروس، أو في التسريبات الروسية، وآخرها ما نشرته وكالة «إنترفاكس» من أن مسودة الاتفاق تتضمن فترة زمنية محددة بالخامس عشر من أيلول لتسليم مقاتلي حلب أسلحتهم، على أن تلي ذلك ضربات جوية منسّقة بين الولايات المتحدة وروسيا لمواقع المجموعات الإرهابية، مثل «داعش» و»النصرة».

في غضون ذلك، لعلّ أهم ما طرأ على المشهد أمس، تمثّل بالرسالة التي توجهت بها وزارة الخارجية السورية إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي من جهة، وبتقدّم مجموعات من المسلحين (المرتبطين بالاستخبارات التركية) في ريف حماه الغربي من جهة أخرى (وهو حدث قد يشير إلى توسّع في الدور التركي بدأ يظهر).

نددت دمشق

بغزو النظام الأردوغاني وبمسرحية الدخول

إلى جرابلس

وحملت الرسالة السورية الموجهة إلى مجلس الأمن لهجة شديدة ضدّ «غزو النظام التركي الأردوغاني»، مشيرة إلى أنّ «المسرحية التي قام بها النظام التركي بدخوله مدينة جرابلس والتي تمثلت بعدم إطلاق رصاصة واحدة ضد داعش، لا بل في انضمام داعش إلى الجيش التركي وحلفائه من التنظيمات الإرهابية في الدخول إلى المدينة، هو خير دليل على تعاون هذا النظام مع داعش ومع الجماعات الإرهابية الأخرى».

وفي وقت كان من المنتظر فيه أن يصدر عن دمشق الموقف الرافض للغزو، فمن جهة أخرى ما زالت أحاديث تدور وتفيد بأنّ الدور التركي غير بعيد عن دائرة التفاهمات الروسية الأميركية. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن فرض تركيا «منطقة آمنة» في جرابلس ومحيطها قد يبقى ضمن هذا السيناريو خطوة محدودة، الهدف منها لجم الاندفاعة الكردية (بعد تحرير منبج من قبل قوات سوريا الديموقراطية)، ومنع الأكراد من فرض أمر واقع في الشمال السوري، يعزز طموحاتهم الفدرالية. وكانت صحيفة «يني شفق» قد نشرت، أول من أمس، خريطة ميدانية حول «المنطقة الآمنة» التي تسعى تركيا إلى فرضها، وهي تمتد من جرابلس عند الضفة الغربية لنهر الفرات شرقاً إلى مدينة أعزاز غرباً، على مقربة من عفرين، المعقل الأكبر للأكراد في شمال غرب سوريا.

وإذا كان الهدف التركي في الظاهر ينطوي على محاولة من رجب طيب أردوغان لتغيير قواعد اللعبة في الشمال السوري، ولا سيما أن التحرك العسكري في جرابلس قد ترافق مع تصعيد خطابي من قبل الرئيس التركي، توازيه رسائل غير مباشرة على غرار طلبه من جمعيات أهلية تقديم أضاحي العيد في جرابلس وجبل التركمان وحلب، فإن عملية «درع الفرات» تبقى مرهونة بالخطوط الحمراء التي تفرضها الولايات المتحدة على حليفها في «الناتو»، والتي لم تتأخر في الظهور، بعيد التصعيد الأردوغاني المباشر ضد «قوات سوريا الديموقراطية».

ومن بين الرسائل الأميركية لأردوغان في هذا الخصوص، تحذير مبطن وجهه المبعوث الأميركي الخاص إلأى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش» بريت مكغورك، بقوله إن الاشتباكات التي تقع في المناطق التي لا وجود فيها لتنظيم «داعش» هي «غير مقبولة ومبعث قلق»، ناقلاً، عبر حسابه الرسمي على موقع «تويتر»، بياناً صادراً عن وزارة الدفاع الأميركية يتضمن دعوة لكل الأطراف المسلحة إلى التوقف عن تلك الاشتباكات.

لعلّ ذلك هو ما يدفع المصدر، الذي تحدّثت إليه «الأخبار»، إلى القول إن «العامل التركي قد يكون مشجعاً للاتفاق الروسي ــ الأميركي المرتقب»، مقلِّلاً من المصطلحات التركية المتداولة، ولا سيما «المنطقة الآمنة»، قائلاً إن منطقة كهذه ستكون آمنة من «داعش» و»النصرة» وليس العكس.

الحديث عن الدور التركي، المساعد أو المعرقل، يستدعي تحديد موقف الأكراد، وموقف القوى الأخرى الفاعلة على الساحة السورية منه، ولا سيما بعض التموضعات الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة، غداة عملية «درع الفرات»، عبر دعوتها لـ»قوات سوريا الديموقراطية» إلى الانسحاب إلى شرق الفرات (وهو طلب يبدو حتى الساعة مرفوضاً من شق كردي)، وما يتردد على تفاهمات تركية ــ سورية ضد الحالة الكردية في الشمال السوري، التي أشار مراقبون إلى أن من أول مؤشراتها اشتباكات الحسكة الأخيرة.

لكن المصدر السوري قال في حديثه إلى «الأخبار»، إن «الحديث عن تفاهمات هو تضخيم إعلامي مبالغ فيه»، مُقراً في الوقت ذاته بوجود «تقاطع بين القيادتين السورية والتركية بشأن ضرورة لجم الاندفاعة الكردية». ومع ذلك، يشير المصدر إلى أن وجود الأكراد في منطقتي الجزيرة والحسكة أمر إيجابي في القتال ضد الجماعات الإرهابية، خصوصاً أن الوحدات الكردية أظهرت قدرات عالية في تصدّيها لتنظيم «داعش»، ولكن الموقف الروسي، ومعه الموقف السوري، ينطلق من قاعدة أساسية هي ضمان وحدة سوريا، وهو ما ركّز عليه كل من لافروف وكيري، وبالتالي إن تعزيز الوجود الكردي، مع قدر أعلى من اللامركزية الإدارية في إطار وحدوي، يبقى أمراً جوهرياً بالنسبة إلى بعض الفاعلين.

وينطوي الأمر على مخاطرة، بحسب المصدر، خصوصاً أن الأميركيين لا يزالون راغبين في تأجيج عوامل الصراع في سوريا، وهم يستخدمون الورقة الكردية لذلك، وبالتالي إن كل ما تقدم ذكره عن الوضع الكردي وإمكانية الاستفادة من الوحدات الكردية في إطار المعركة ضد الإرهاب، تبقى مرهونة بتكريس التفاهمات الروسية ــ الأميركية من خلال الاتفاق المرتقب.

كل ما سبق يشي بأن ما يجري اليوم في سوريا، من تطورات على الأرض، يبقى ضمن إطار إعادة التموضع ميدانياً، لتأمين مستلزمات الحل السياسي، باعتباره السلاح الاستراتيجي للقوى كافة، وهذا ما يدفع إلى القول إن الميدان السوري سيبقى متحركاً، لكن بهامش حدود يبدو أنه يضيق.

(الأخبار)