«لعنة» فرساي

0
43

نبيه البرجي

بعد مائة عام على ولادة لبنان الكبير. الولادة من الخاصرة، وتحت جنح الظلام في احدى زوايا قصر فرساي، كيف سيجد ايمانويل ماكرون الدولة التي ابتدعها البطريرك الياس الحويك ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو بشطحة قلم ؟

بعض المسلمين رأى فيها، آنذاك، نسخة عن وعد بلفور. هكذا الدولة التي قامت من أجل المسيحيين تموت الآن على أيدي المسيحيين والمسلمين. هؤلاء الذين يختلفون على كل شيء  وفي كل شيء، يتفقون على وضع لبنان على طريق الجلجلة. ها أنه عالق، أو معلّق، على الخشبة.

قبل وصول الرئيس الفرنسي، كان على جان ـ ايف لودريان أن يدق ناقوس الخطر. اذا لم يخضع لبنان لسلسلة من العمليات الجراحية لن يكون هناك لبنان بعد حين، بالحرف الواحد اختفاء لبنان «La disparition du Liban». بادئ بدء يُفترض اختفاء المنظومة السياسية بقضها وقضيضها.

المنظومة التي كما لو أنها لا تستشعر الويلات التي تنهال على لبنان من كل حدب وصوب. هكذا، أيها السادة، متحف الشمع. تقولون… جبل الجليد؟

ما يتردّد في باريس أن الاستخبارات الفرنسية رفعت الى الاليزيه تقريراً مفصلاً حول الارتكابات المالية في لبنان. أيضاً لائحة موثقة بأسماء الذين امتدت ايديهم الى المال العام. المال الحرام. لو شاءت السلطات الفرنسية لكشفت عن كل المعلومات التي لديها. تخشى أن تسقط، أو أن تنفجر، الدولة، ويبقى ملوك الطوائف، وملوك المافيات، على عروشهم.

ايمانويل ماكرون يعلم أنه لن يجد بين القادة المسيحيين رجال دولة من الطراز الذي يليق بدولة ينبغي أن تكون لؤلؤة الشرق الأوسط. الآتي من الصومعة، والآتي من الخندق، والآتي من الزنزانة، والآتي من السلالة. هل هؤلاء هم المسيحيون حقاً؟

المسلمون كانوا اضافة الى الدولة التي كانت بحاجة الى المحاصيل، والى الفلاحين الذين ما لبث أولادهم أن ذهبوا الى السوربون، والى كمبردج، والى هارفارد. المعادلة انكسرت.  أيضاً، هل هؤلاء هم المسلمون حقاً؟ في القرن الحادي والعشرين مستعدون لتفجير حرب أهلية (لاحظوا الى أي درجة هم مُعبّأون) من أجل تعليق لافتة أو راية. المسلمون نبشوا القبور وأقاموا فيها…

لماذا الذهاب، حفاة، وربما عراة، الى ذلك التاريخ الذي يتقيأ الدم، ويتقيأ الاحزان؟ كلنا، أيها المسلمون الأعزاء، قتلى التاريخ. ألا يدق الزمن على أبوابكم؟

هل مأساة الحسين، وعبقرية الحسين، تختزل بلافتة على مفترق طرق، وكل طريق يُؤدي الى مكان ما، الى طائفة ما، الى كراهية ما. يا شيوخ العشائر، وأنتم أهل القيم، انتماؤكم  الى النسيج اللبناني العام. البلد على كومة الحطب. لا نشعل النيران بل نطفئها…

في نهاية المطاف، لبنان ضحية اللبنانيين. نحن الضحايا لأننا ارتضينا أن نكون الدمى في حضرة هذه المنظومة السياسية التي لا نظير لها حتى في القرون الوسطى. متى تصل لعبة الدومينو (دومينو الخراب ) الى ديارنا. صحيفة «الفايننشال تايمز» استخدمت تعبير «الخراب البارد». اياكم والخراب الذي تنبعث منه ألسنة اللهب.

كل الأيدي، الأيدي الغليظة، تلعب على أرضنا. الفرنسيون قالوا لنا انتبهوا. لا تدعوا الرياح الهوجاء تدخل من أبوابكم. هكذا استبقينا كل أبوابنا مُشرّعة. حتى أولياء أمرنا لا يعلمون ماذا بعد هذا الاعصار الذي يضرب الشرق الأوسط. كلنا خشية من بلقنة لبنان كمدخل احتفالي لبلقنة المنطقة.

أيها السيد ماكرون، أحد سفرائكم قال «لبنان ينتج اللبنانيين». ما جرى، ويجري على أرضنا يشير بأن لبنان يتقيأ اللبنانيين.

أعيدوا دولة لبنان الكبير للضيف الفرنسي الكبير. لعله يُنقذ ما يُمكن انقاذه…

لا بد أنه قرأ ما كتبه أندريه مالرو عن «لعنة فرساي». حيث تدحرج رأس الملكة الجميلة (ماري أنطوانت) أمام الجلاد. ها أن رأس الجمهورية الجميلة يتدحرج أمام الجلادين. لا جفن يرف..