لسوف تأكلون الحجارة …

0
257

نبيه البرجي/

بلغة القضاء والقدر، قال لنا ديفيد شينكر «اذا ذهبتم شرقاً فلسوف تأكلون الحجارة وتنامون على الحجارة»!

لا نتصور أن الدعوة الى تنويع قنواتنا الاستثمارية يفترض احداث انقلاب في البنية الثقافية، أو في البنية الفلسفية، لـ«الظاهرة اللبنانية»، ناهيك عن النظام المالي وحيث لعبة الأشباح أودت بنا الى هذه المتاهة.

الدعوة أثارت «مروءة» حتى الذين يرفعون شعار «الاسلام هو الحل»، والذين ينعتون الحضارة الغربية بكونها «حضارة الكفرة». رفعوا الصوت في وجه الدعوة الى التوجه نحو الضفة الأخرى من الكرة الأرضية.

منذ مائة عام، وولادة «دولة لبنان الكبير»، ونحن على تواصل مع الثـقافات الغربية. البداية ربما مع ظهور سيارة الفورد (أبو دعسة) في شوارعنا، وحتى طائرة البوينغ، وصولاً الى الشبكة العنكبوتية، وآخر صرخات الموضة.

في ذلك الحين، كان هناك من يقارن بين أفكار حسن البنا ومفاتن غريتا غاربو (هكذا حدثنا زميل زحلي عتيق). عرفنا مارلين مونرو وبريجيت باردو، كما عرفنا الفيس بريسلي وجون ترافولتا. زياد الرحباني وصف الروك اند رول بـ «الدبكة الأميركية».

أين تأثير كونفوشيوس علينا من تأثير هيغل، وديكارت، وسارتر، وكامو، لكأننا، ثقافياً، أطباق الهوت دوغ من مطــابخ ماكدونـالدز أو من أصـابع كوكو شانيل!

حتى الشيوعية بضاعة غربية صنعها الألماني كارل ماركس، ناهيك عن الاشتراكية التي ترعرعت في بريطانيا وفرنسا، قبل أن يتلقفها جواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجمال عبد الناصر، على أنها أقل ايديولوجية، واقل راديكالية، من الشيوعية.

لا مجال لزحزحة ذلك المخزون الجاثم في لاوعينا. الأمبراطورية الأميركية تختلف عن الأمبراطوريات الأخرى بكونها انتجت أسلوب حياة (Lifestyle) ، أو فلسفة حياة، بمدى كوني. نذكر كيف تمكنت هوليوود من اعادة تشكيل خيالنا، نحن الذين ترعرعنا كما تترعرع… الأعشاب البرية.

الصين بعيدة عن ثقافتنا، وعن طريقة حياتنا، كذلك ايران بالايديولوجيا ذات البعد الواحد. هكذا يقول المعترضون. لا ندري أي تأثير على تشكيلنا السوســيوثقافي اذا ما أقام الصينيون معامل للكهرباء في بلادنــا، أو اذا ما اســتوردنا النفط والزعفران من ايران.

الأميركيون استــثمروا في كوريا، وفي اليابان، وحتى في سنغافورة، ما مكّن هذه الدول من دخول الزمن التــكنولوجي. ليــقولوا لنا أين الاستثمارات الأميركية في البــلدان العــربية التي تستنزف حتى العظم، وأين هي الــدولة العربية التي تصنع حتى الدراجات الهوائية؟

الذين يدافعون عن النظام الاقتصادي في لبنان انما يدافعون عن اللانظام. ثلاثة عقود من الاجترار في عالم المافيات الى أن انتهينا حفاة على أرصفة الدنيا. ربما على أرصفة… الآخرة!

نعلم أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي شاقة، ومعقدة. حتى الساعة ما زلنا في مرحلة الاعداد لهذه المفاوضات. التناقض في الأرقام أثار ذهول خبراء الصندوق الذي لم يلاحظوا ذلك في دول مثل الصومال، او مثل جنوب السودان، وجزر القمر.

البعض من أهل الصراخ يشيعون بأن الدعوة الى التوجه شرقاً أحدثت صدمة لدى ادارة الصندوق التي توجست من عزم قوى فاعلة احداث تغيير في البنية المالية، وفي البنية المصرفية، للبنان.

لاحظنا التصريحات الاوركسترالية التي الغاية منها «تطفيش» الصندوق باعتباره السبيل الوحيد للاستيعاب التدريجي للتداعيات الكارثية للأزمة، كما لو أن الادارة اياها لا تعلم أن الطبقة السياسية، بكل أطيافها، مسؤولة عن سقوط الدولة في لبنان.

كوميديا بابلية. لقد خسرنا كل شيء. أين المشكلة في التعاطي مع الصين اذا ما أبدت استعدادها لاقامة مشروعات استثمارية حيوية؟ وأين هو المشروع الاستثماري الأميركي أو الأوروبي، في لبنان؟

واشنطن منعت حتى الاسرائيليين من التعاون مع الصين. الشرق الأوسط هو الحرملك الأميركي. هكذا قال القضاء والقدر!!