كمال خلف: الاسد على خط النار.. من العاطفة  إلى قرار

0
115

بيروت|

أن كنت مع الرئيس بشار الأسد أو كنت ضده أن كنت معنيا مباشرة بالحرب في سوريا أو كنت  متابعا من بعيد . أيا كان موقفك ونظرتك لما يجري في سوريا لا تستطيع إلا وان تصف ذهاب الاسد الى خط النار في الغوطة الشرقية الملتهبة والتي تشهد حدودها كر وفر وقصف وقصف مضاد بين الجماعات المسلحة المستقرة في الغوطة وبين الجيش السوري لا اجد وصفا لهذا الفعل إلا الشجاعة.  من باب الإنصاف ودقة الاوصاف  بعيدا عن الرأي والرأي الآخر في سياسات الرجل ومواقفه.

جلس الرئيس الأسد على مائدة المقاتلين شحيحة الأنواع بالطعام حيث لم نر في الصورة أي   مناسف لحم أو خراف مشوية أو حتى دجاج مشوي . بيض بندوة بطاطا مسلوقة شوربة عدس برغل.  قال الرئيس لمقاتليه حسب ما سمعناه بالصوت والصورة  أن هذه اطيب لقمة يمكن أن أكلها بحياتي لانها معكم.

ربما هي مناسبة لنعيد التأمل في تجربة الجيش السوري خلال السنوات الخمس ونيف  الماضية .

في بداية الأحداث تم إسقاط التجربة الليبية في إسقاط القذافي والتي كان يقف وراءها أطراف عربية وتركيا والغرب على الحالة السورية ، رفع علم سوريا زمن الانتداب بدلا من العلم الوطني وتم تشكيل جسم سياسي شبيه بالمجلس الوطني الليبي، اما الجيش فتم إطلاق صفة كتائب الاسد عليه ،تماما كما وصف الجيش الليبيبكتائب القذافي . كان رهان الأطراف المندفعة لإسقاط النظام في سوريا مطلع العام 2011 يرتكز على الانشقاق داخل الجيش السوري وجندت هذه الأطراف المال والإعلام لإنجاح  المهمة . لكن ما جرى على الأرض كان مخيبا لهم ، حدثت انشقاقات ولكنها لم تؤثر في بنية الجيش السوري ، انشقت رتب عالية ولكنها انشقت وحدها دون الكتائب والالوية والفصائل والفرق العسكرية تحت قيادتها. لم تنهار بنية الجيش كما كان مخططا ، كان سبب الفشل الرئيس هو عدم فهم التركيبية العسكرية  الفريدة في سوريا ،  الرئيس الراحل حافظ الأسد عندما  حكم سوريا في 1970 بانقلاب عسكري كانت الانقلابات العسكرية قبل ذلك هي سمة الحياة السياسية السورية منذ الإطاحة بالرئيس شكري القوتلي عام 1949 وحتى وصول الاسد الأب إلى السلطة ، لذلك منذ اليوم الأول بنى الرئيس الراحل أجهزة الحكم على أسس الحصانة من أي انقلاب ، وخاصة الجيشبناءا  على ظروف تلك الحقبة ، وهو ما أدى إلى الاستقرار في سوريا وتوقف مسلسل الانقلابات .

منذ اللحظة الأولى التي ظهر بها الرئيس بشار الأسد في إفطار خطوط النار في الغوطة الشرقية ، أجمع المؤيدون والمعارضون أن الرجل يوجه رسائل إلى خارج الحدود ، قد يبدو الأمر في هذا السياق له دلالات مهمة في أكثر من اتجاه.

على صعيد المعارضة السورية فإن المشهد يثير بشكل تلقائي المقارنة بين قائد يجلس على مائدة جنوده على الجبهة وبين قيادات معارضة استوطن معظمها الفنادق الفخمة في استنبول والدوحة و خلافا لما جرت عليه العادة فإن المعارضة هذه المرة لم تتحدث عن فبركة صورة الزيارة أو جنود بلا أسلحة في استقبال الرئيس أو تحدثت عن مكان قريب من القصر الجمهوري وليس خط الجبهة المشتعل في الغوطة . وهذا يدلل على تسليم المعارضة بعد كل تلك السنوات بالأمر الواقع وهو أن  الأسد استطاع تأمين الحكم .

على صعيد خصوم الاسد في الغرب المشهد يرسل مؤشرات ثقة بتماسك الجيش وقدرته على مواصلة القتال و ترسيخ فكرة استقرار الحكم وشرعيته  في سوريا . ) الاستخبارات الغربية و إسرائيل  سيحللون الصورة ومكانها ونوعية الطعام ومن يقف في الصورة ومن أي طريق جاؤوا … الخ).

اما على صعيد المؤيدين للرئيس الأسد ، ففي داخل سوريا هي لحظة عاطفية بالدرجة الأولى وظهر  هذا الجانب من خلال  المداخلات على سائل التواصل الاجتماعي هي محطة ثقة وتواصل عنوانها التواضع والاندماج مع الحالة الشعبية التي تعاني من الحرب وصعوبات الحالة المعيشية  وهي صورة نموذجيه تحرج بعض  من هم في السلطة أيضا في سوريا  (وزراء ونواب ومدراء عامون) والذين هم اليوم محل انتقاد من قبل فئات واسعة من الشعب بسبب ابتعادهم وانعزلهم عن هموم الناس في زمن الحرب . أما بالنسبةللمؤيديين من خارج سوريا فهي بالنسبة لهم لحظة تثبيت لوجهة نظر  في مجمل الاحداث السورية ولحظة التقاط صوابية خياراتهم السياسية ورهانتهمعلى المستقبلية لمالات النزاع الذي اندلع قبل خمس سنوات ونيف .

برغم كل هذهِ الرسائل واتجاهاتها  وكيفية تعاطي الخصوم والمؤيدين  معها فإن ظهور الرئيس الأسد بين أفراد الجيش وعلى خطوط النار وعلى مائدة إفطار فقيرة جالسا على قطع البلوك وفوقها قطعة خشب ، نراه بداية مرحلة جديدة سيخوض بها الجيش السوري نزالا مصيريا في الشمال السوري وعلى اكثر من جبهة ، وهي زيارة ومشهد تتزامن مع قرارات الميدان التي اتخذت على اعلى مستوى للتصعيد بالنار والتي بدأت فعلا على الجبهة الأم بين كل جبهات القتال وهي حلب . وهي مقدمة القرار الأهم وهو تقوية الجيش السوري وتسليحه ودعمه وترميم نقاط ضعفه ليستمر بفاعلية أكبر .

 الجيش السوري الذي وصفوه بكتائب الاسد هو جيش وطني عربي خاض معارك في تاريخنا المعاصر  للدفاع عن القضايا العربية في وجه إسرائيل ، قد يكون من المؤسف انه يقاتل اليوم على الجبهات الداخلية وليس على جبهة تحرير فلسطين التي تمثل عقيدة الجيش السوري منذ تأسيسه .  ولكن تثبيت وحدة سوريا  وترابها الوطني معركة لاتقل أهمية عن معركة تحرير الجولان السوري المحتل أو فلسطين