قطاع “تجميع السيارات” في سورية ملعب كبير للتحايل والفساد: من هو “المحظي” الذي يتحكم بسوق السيارات؟

0
237

 تسيطر حالة من الغموض الكبير على “صناعة” تجميع السيارات في سورية، حيث تتوحّد جميع الجهات ذات العلاقة في التهرب من الأجوبة عن أي أسئلة تطرح حول الموضوع، فوزارة الصناعة ترمي الكرة على وزارة المالية، والمالية ترميها على أصحاب الشركات، وأصحاب الشركات يكررون كلامهم بتحميل القرارات الصادرة عن الحكومة المسؤولية بإيقاف عملهم.

وكانت الحكومة السورية، أوقفت صناعة تجميع السيارات التي تستنزف ملايين الدولارات نحو خارج البلاد، لكونها صناعة تعتمد على استيراد مكونات السيارات من الصين وكوريا الجنوبية بالقطع الأجنبي، ليتم تجميعها في مصانع يملكها رجال أعمال سوريين.

الحكومة السورية اتهمت أصحاب هذه المعامل بأنهم استنزفوا الدولار من داخل سورية على مدى السنوات الماضية، عبر شراء أجزاء السيارات من الخارج، حيث أعلن وزير الصناعة السابق معن الجذبة أن استيراد أصحاب المصانع مكونات السيارات تسبب بخسارة 80 مليون دولار شهرياً، أي أكثر من مليار دولار سنوياَ.

من جهتها، نفت شركات تجميع السيارات أن تكون قد استنزفت الدولار، معتبرةً ان أرقام الحكومة مُبالَغ فيها وغير حقيقية، وأن استيراد قطع السيارات لا يستنزف القطع الأجنبي، وكشفت تلك الشركات أن استيراد مكونات السيارات استلزم خلال ثلاثة أعوام ماضية فقط 70 مليون دولار، علماً أن الشركات لم تكن تأخذ القطع الأجنبي من مصرف سورية المركزي، بل كانوا يسحبون حاجتهم من الدولار من السوق السوداء، حسب قولهم، لكن ذلك ساهم، بحسب مراقبين، بارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية.

الاستيراد مستمر على عين الحكومة!

بالمقابل، يقول مصدر مسؤول من الجمارك – رفض الكشف عن اسمه – أن عمليات استيراد قطع السيارات ما زالت مستمرة حتى اليوم، وبعلم الحكومة، مشيراً في تصريحات لوكالة أنباء آسيا إلى أن عمليات الاستيراد تتم عن طريق رجل أعمال واحد فقط (س. ف)، والأمر معروف لدى الجميع، وهو الذي يسيطر على السوق حالياً، و يعمل على جلب القطع لجميع الشركات المرخصة وغير المرخصة، حيث يعمل على استيراد قطع السيارات من جميع دول العالم، ولا توجد دول محددة للاستيراد، ولكن أكثر قطع الغيار يتم استيرادها من الصين.

ويضيف المصدر بأن الكميات المستوردة تأتي وفقاً لإجازة الاستيراد الممنوحة من وزارة الاقتصاد سابقاً، قبل قرار توقيف شركات التجميع عن الاستيراد، لذلك يعمد المستورد إلى فك بعض أجزاء السيارة مثل الأبواب أو غطاء المحرك أو الزجاج من أجل إيهام الجمارك أنه يستورد قطع تبديل لتجميعها في المصنع داخل سورية، وبالتالي التهرب من قيمة الاستيراد الكبيرة، والاكتفاء بدفع الرسوم على المواد الأولية التي لا تتجاوز 5% ، فيما تصل قيمة الرسوم الجمركية لبعض القطع المستوردة مابين 10 إلى 20 %، لكنهم يحاولون التهرب منها من خلال تقديم بيانات غير صحيحة، مبيناً وجود حوالي 500 مليار ليرة سورية كضرائب مفروضة على المعامل خلال سنوات الحرب، ولم تدفع لحد اليوم، بحجة الخسائر والتوقف عن العمل نتيجة الحرب.

ويلفت المصدر إلى أن البعض يتعامل بطريقة غير قانونية لإدخال قطع التبديل بالتعاون مع بعض المجموعات التي تحمل السلاح، لتسهيل عملية إدخال البضائع من الشمال السوري الذي تسيطر عليه جماعات المعارضة التابعة لتركيا، وقوات “قسد” إلى مناطق سيطرة الدولة، وبترفيق أمني، مما يسهل عليهم التهرب من دفع الرسوم الجمركية والتي تقدر بـ 30% لمن يمتلك صالة واحدة، و40% على استيراد السيارة الكاملة، وهو غير مسموح حالياً، ولكن في عام 2018 تم استيراد نحو 99 ألف سيارة من مختلف الأصناف وقيمتها 30 بليون ليرة سورية.

على ذمة الصناعة ..

بالمقابل، بلغ عدد السيارات المجمعة في سورية خلال عام 2018 حسب بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية نحو 3 آلاف سيارة، وتم تجميعها في 5 شركات تعمل في تجميع السيارات بطاقة إنتاجية سنوية /65100/ سيارة، بينما تم منح 13 إجازة استيراد لمكونات 5,498 سيارة، بحسب مديرة الاستثمار الصناعي، المهندسة صفاء بكداش .

وأكدت بكداش في تصريح لوكالة أنباء آسيا أن مديريات الصناعة في المحافظات تقوم بمنح كتب مخصصات لمكونات السيارات للمنشآت الصناعية المذكورة، وفق التعليمات النافذة بهذا الشأن، والشروط والضوابط الموضوعة من قبل الحكومة، مبينةً أن وزارة المالية هي المسؤولة عن تقييم عمل معامل تجميع السيارات من حيث الإنتاج المحقق ومدى مناسبة أسعار البيع في السوق المحلية والعوائد المحققة منها.

2500 دولار.. سعر السيارة في الصين!

وفي الوقت الذي تؤكد مديرة التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بأنه يسمح لشركات التجميع بإدخال مكونات وقطع التبديل للسيارات، سواء كانت كاملة أو شبه كاملة، متصلة وغير متصلة؛ أي غير مركبة، يشير مصدر مسؤول من وزارة الصناعة إلى أن عمليات شراء السيارات من الصين تتم عبر بازارات، وسعر السيارة لا يتجاوز 2500 دولار أمريكي، ليتم شحنها إلى سورية على مبدأ القطع، ومن ثم تجميعها وبيعها بأضعاف الأسعار، بواسطة وسيط عميل ما بين الصين وسورية ، علماً أنه لا توجد أي رقابة حكومية على سياسة تسعير السيارات المجمعة في سورية .

كما أن ترخيص هذه المشاريع تُمنح عادة لمقربين من الحكومة، مقابل حصص ثابتة لهم، وبموجبه فإن عشرات الملايين من الدولارات تكدست في جيوب هؤلاء وحساباتهم دون أي جهد أو عناء، وبالقطع الاجنبي، لذلك “خلال سنوات الحرب وما قبلها، تم رفض جميع عروض الشركات العالمية لصناعة السيارات للاستثمار في سورية، بينما تمت الموافقة على طلبات شركات معينة، وذلك لتحقيق مكاسب اقتصادية” بحسب المصدر المسؤول في وزارة الصناعة .

التهرب من موضوع السلامة والأمان ..

مراسلة “آسيا” حاولت التواصل مع مدير هيئة المواصفات والمقاييس في وزارة الصناعة، إلا أن الجميع تهرب من الإجابة، ولكن أحد أفراد اللجان المخصصة للاطلاع على السيارات المجمعة قال لآسيا: “نحاول تغيير بعض القطع التي نشك في أنها غير صالحة للعمل فقط لا غير”، لافتاً إلى أن البعض يتحدث عن عوامل الأمان للسيارة بأنها غير مطابقة للمواصفات، وأنا أقول عن أية عوامل أمان يتحدثون إذا كانت المنافسة في صناعة قطع الغيار على أشدها؟.

أحد عمال الصيانة ممن يكتشفون أعطال السيارات، أشار إلى وجود أعطال كبيرة تظهر في السيارات المصنعة في سورية، وتتمثل في أن بعض أجزاء السيارة متآكلة من كثرة الصدأ عليها مثل “الشاسيه”، وهذا الأمر قد يؤدي إلى سقوط بعض الأجزاء من مكانها بعد فترة من الزمن، أيضاً هناك أعطال في أجهزة السيطرة على السرعة في بعض السيارات، و كذلك في دواسات البنزين.

يتهم الكثير من الخبراء والمراقبين، القائمين على “صناعة” تجميع السيارات في سورية بالتحايل على القوانين، والتهرب الضريبي، وتجميع سيارات غير مطابقة للمواصفات السورية والعالمية، ويقولون إن الفساد في هذا القطاع يتغلغل في مفاصل حكومية وغير حكومية،ً وخاصةً أن تجارة السيارات كانت وما زالت تُعتبر ملعباً واسعاً للتجاوزات وتحقيق المكاسب المالية الخاصة على حساب خزينة الدولة والمواطن الذي يشتري أغلى أنواع السيارات مقارنةً مع دول الجوار، وبأسوأ المواصفات وأقلها جودةً وأماناً!.

نور ملحم _ وكالة أنباء آسيا