فيريل :صيف ساخن بانتظارنا مع ترامب ونتنياهو

0
330


يُهوّنُ مُحلّلون ما يجري على الأرض، وأنّ الأمور تسير نحو الهدوء في منطقة الشرق الأوسط، مقارنة بما كان خلال السنوات الماضية، بينما نراها في مركز فيريل للدراسات تسيرُ نحو التسخين، والأسوأ… قادم.

لكلّ وجهة نظرهِ، فالبعض يرى أنّ محور المقاومة ازداد قوة. آخرون يتحدثون عن “صحوة” عربية. ثم؛ الدخول الروسي القوي حدّ من قوة الولايات المتحدة وسيطرتها على المنطقة، فهل هذا هو الواقع؟

ما نراهُ هو ازدياد التعقيد والتشابك وليس الانفراج، فعديد وعتاد وقواعد واشنطن زادت في المنطقة، وما يُقالُ عن انسحابات أميركية هو حشد وتجميعٌ لقواتها وزيادة لسيطرتها، أي العكس.

نعم روسيا أثبتت حضورها في الشرق الأوسط، وخرجت من غفوة انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها مازالت غير قادرة حتى الآن على مواجهة الولايات المتحدة ومعها تل أبيب بشكل مباشر في المنطقة، هذه حقيقة تُثبتها الوقائعُ على الأرض يومياً. الحالة الوحيدة التي ستضطرها لتلك المواجهة هو المساس بمصالحها أو أمنها القومي، لكنّ الكعكة  شبهُ “مُتفقٌ” على تقاسمها…

إسرائيل وبعد فوز نتنياهو، ماضيةٌ في توسعها وعدوانها دون حدود أو رادع…

خبر ضمّ الجولان كما توقعناهُ، سيصبحُ قريباً من المنسيات، وضمّ الضفة الغربية قادم، ومعه مزارع شبعا.

العدوان ضد سوريا أصبحَ روتينياً وخبراً ثانوياً، يمرُ دون إدانة أو تعليق حتى من أقرب الحلفاء والأشقاء، ورسالة نتنياهو تقول: “هكذا سيستمرُ الوضع؛ أقصفُ متى وأين شئت”!. الطيرانُ الإسرائيلي يعبرُ الأجواء الأردنية والعراقية واللبنانية ليقصفَ قواعد الجيش السوري، وضمن مجال صواريخ إس 300 و إس 400، وأحياناً، لا يتمُ إعلامُ الروس بذلك…

نعم هذه حقيقةٌ نقولها في مركز فيريل للدراسات، عِلماً أنّ إقلاع طائرة من أي مطار إسرائيلي أو عالمي يمكن رصدهُ بمئات الأقمار الصناعية، والقول بأنّ طائرات المُراقبة الأميركية ومعها إف 35 التي تقصف هذه الفترة، تستخدم التشويش على الرادارات الروسية، أمرٌ إن كان صحيحاً، فهو نقطة ضعفٍ كبيرة في الدفاعات الروسية المتطورة.

إذاً؛ روسيا إما تعرفُ بالقصف وتلتزم الصمت، أو لا تعرف وتكتفي بالقول: “هذا التصعيد يُزيدُ التوتر في الشرق الأوسط”.

تُدركُ تل أبيب أنّ الحدود المرسومة، روسيّاً وأميركياً، لعدوانها محدودة، وهي حالياً راضية بغاراتٍ هنا وهناك، فالحرب الشاملة مُكلفة ولا توجدُ ضمانة بعدم وصول عشرات الصواريخ لقواعدها إن حصلت هذه الحرب الشاملة، من حزب الله وسوريا، وهذه نقطة ضعفٍ يجب استغلالها. لكن بالمقابل؛ أليس هذا القصف المستمر استنزاف للصواريخ الدفاعية السورية، فكل غارة تستهلكُ قسماً من هذه الصواريخ…

بنيامين نتنياهو فاز في الانتخابات بعد هدايا ترامب وبوتين، ولكل منهما حساباته المختلفة، وأصبحَ صاحبَ أطول فترة ببقائه في الحكم. الضوء الأخضر بتوسيع العدوان الإسرائيلي يتوهج، فهل سيصلُ إلى لبنان؟

هنا يردنا سؤال دائم: “لماذا لا تتجرأ إسرائيل على قصف حزب الله في لبنان؟”. ببساطة؛ حزب الله ليس جيشاً نظامياً يمتلك قواعد عسكرية واضحة، وهو مرتاحٌ أكثر من الجيش السوري، والأهم أنّ إمكانية رده واردة جداً وقد يقوم بتوسيع رقعة الحرب، وهذا ما لا تريدهُ إسرائيل… إسرائيل تريد تنفيذ ضربة عسكرية ساحقة لحزب الله بحيث لا يمكنهُ الرد، وهذا غير ممكن حالياً.

بعد فوزه مباشرة كرّر نتنياهو الحديث عن وجود معمل للصواريخ المتطورة في بيروت، قد لا يفعلها الآن، لكنّ الصيف قادم، والعقوبات والحصار يزداد على إيران بدءاً من أيار القادم. هي حربٌ نفسية اليوم، ولا يوجدُ ما يمنعُ أن تتحوّل لحرب عسكرية واسعة في الغد.

في أيار وبعد أسبوعين، ستجدُ طهران نفسها أمام حصار شبه مُطبق في الخليج العربي، وتصدير بترولها عِماد اقتصادها سيكون أمام اختبارٍ جدّي، فهل سترضخ أم تناور أم تتصدى؟ أو… يتراجع ترامب عن قراره، وهذا مُستبعدٌ طالما لا يجدُ مَن يوقفهُ عند حدّه.

أوباما كان حذراً من الغرق في المستنقع السوري، وقد شهد عهده تراجعاً أميركياً في الشرق الأوسط. ترامب أعادَ السيطرة الأميركية، وهذا ما فعلهُ:

ألغى الاتفاق النووي مع طهران، وزاد من ضغطهِ عليها. دعمَ تل أبيب لأبعد حدود وكان أكثر رئيس أميركي يُحقق مصالحها؛ اعترف بالقدس عاصمة أبدية للدولة اليهودية، ثم بالجولان. قصف سوريا عدة مراتٍ، بالإضافة للدعم العسكري اللامحدود لتل أبيب. وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب مع ما سيتلوه هذا الاعتراف. زاد من دعمه للانفصاليين شمال سوريا وتركهم يسيطرون على آبار اليترول والغاز شرقاً وشمالاً. أقام عدة قواعد عسكرية جديدة في العراق ولبنان ووسع قواعده في الأردن… منعَ معظم الدول العربية والعالمية من إعادة فتح سفاراتها في دمشق، وانصاعت عواصم العالم صاغرةً لأوامرهِ. طبّق حصاراً اقتصادياً على سوريا وجعل وصول ناقلات النفط بالقطارة. لم ولن ينسحبَ من سوريا وهذا ما أكدناهُ وكذلك من العراق الذي باتَ محمية أميركية يُمنعُ اقترابُ المواطن العراقي من القواعد الأميركية فيها لمسافة 5 كلم… واشنطن أوعزت للمخابرات الأردنية بالتدخّل من جديد في سوريا، وها هو معبر “نصيب” يؤكد الدور “العدواني” لحكّام الأردن في استنزاف الاقتصاد السوري، وهذا حيثٌ طويل…. ترامب يستعدُ لإعلان جزئي عن “صفقة القرن”، بينما الدول العربية ومعها شعوبها تكتفي بالدعاء على أميركا و… شتمِ إيران!

 بعد كلّ هذا، يُقال: “الولايات المتحدة تتراجع في الشرق الأوسط”!! إذا كان هذا تراجعاً، فكيف يكون التقدّم؟

الحديث عن خيانة الحلفاء لسوريا، حديثٌ عاطفي يجتاحُ الشارع السوري عقب كلّ اعتداءٍ إسرائيلي، وقد بلغَ ذروته بتسليم جثة الجندي الإسرائيلي من قِبل روسيا، عِلماً أنّ أحداً لم يعرف حقيقة الصفقة التي تمت، بما فيهم نحنُ في مركز فيريل لهذا تجنبنا الحديث عما لا نعلمهُ.

الخيانةُ في السياسة اسمها تفضيل مصالح على أخرى، ولو كانت مصلحة الحلفاء تركَ سوريا وحيدة، لفعلوها…

لروسيا مصالح مع إسرائيل وفيها أكثر من مليون يهودي روسي، ولن تتخلى عنها من أجل “الشهامة”! علماً أنهم أكثر من صوّتَ لصالح نتنياهو في الانتخابات الأخيرة بعد انفضاضهم عن حزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان لصالح حزب الليكود.

روسيا تريدُ إخراج إيران من سوريا عسكرياً، مع إعطائها فتاتاً من الكعكة الاقتصادية، بينما تبقى الحصة الكبيرة لها.

طهران تريدُ حصة اقتصادية كاملةً مع سيطرة عسكرية وسياسية ببعض المناطق، لابتزاز واشنطن وتل أبيب وتحقيق مصالحها.

التالي حقيقة ربما نكشفها للمرة الأولى ويعرفها كثيرون:

“إيران وروسيا لا تمانعان… بل ترحبان بحكم شبه ديني في سوريا، ولا مانع أيضاً بفيدرالية، بما في ذلك الجزيرة السورية و… إدلب. والمثال الشيشاني يجري تحضيرهُ في سوريا…”.

القيادة السورية ترفض ذلك رفضاً باتاً، لكنها تسيرُ بين نقاط المطر وضمن المجال الضيّق للمناورة، عِلماً، وهذا ليس سراً، أنّ مسؤولين سوريين كباراً يؤيدون الفيدرالية والحكم شبه الديني، والأيام سكتشفُ لكم مدى صحة ما نقولهُ في مركز فيريل للدراسات…

ما الحلّ إذاً؟

القارئ العاطفي سيرى حديثي يائساً، وهو معذور. لكن هامش المناورة يبقى دائماً موجود، سواء لدى سوريا أو إيران.

إن لم يشعر العالم بأنه على شفير حرب كبيرة، لن يتحرّك زعيم… وزعماء الغرب يتحرّكون في عدة حالاتٍ، منها ضغط الشارع، فكيف يحدث هذا؟

أيّ احتكاك عسكري في مضيق هرمز، سيؤدي لارتفاع في أسعار البترول العالمية، والتهديد الحقيقي بإغلاق المضيق، سيجعل البرميل يطرق باب 200 دولار، تذكروا هذا. عندما يقفُ المواطن الغربي بطوابير على محطات الوقود كما يفعل السوريون حالياً، سيتحركون… عندما تشعرُ الطائراتُ الإسرائيلية أنها ليست في نزهة، ويأتي ردٌّ فوري مع إعلانٍ في الإعلام عن السبب، وتلوحُ في الأفق بوادرٌ حرب كبيرة، سيتحرك الشارع ويسكتُ المستهزئون، ويحسبُ نتنياهو ومعه ترامب ألف حساب لحياة المستوطنين.

الذي يحدثُ الآن هو استنزافٌ لإيران وإضعافٌ لقدراتها في كافة المجالات، والتأثيرٌ واضحٌ لا داعي لطلائه بألوانٍ زاهية والقول “الأمور بخير”… إيران تعاني من ضائقة اقتصادية تصاعدية. يترافقُ ذلك مع مساع ديبلوماسية لاحتواء الأزمة، ومن الجانبين، وعلى أحدهما الإذعان. أو ستذهب إيران نحو المجهول، وهي تعلمُ ذلك، فإمّا أنْ تستدركَ الأمر وتواجه أو تُذعن… والمواجهةُ الآن وليس غداً.

سوريا… تُعاني دون شك وفي كافة المجالات، اقتصادٌ منهك. فسادٌ مستشرٍ برائحة وصلت خياشم أسماك المحيط. حكومة هي الأسوأ في تاريخها، والمواطن السوري يمرُ بوضع أشد مرارةً منهُ أيام الحرب، وقد نجحت السياسات الاقتصادية “الفاشلة” بجدارة، بجعلهِ ينسى ما يدور حوله وهمّه الوحيد تأمين لقمة عيشه. بينما ثقتهُ بحكومته دون الصفر، ومستعدٌ لتصديق ما تقولهُ مصر أو إيران بخصوص ناقلات البترول، ولن يُصدّق الراعي الكذّاب.

حصار من “الأشقاء” العرب قبل الأعداء. اعتداءاتٌ متكررة روتينية. تركيا تقوم بعملية التتريك بهدوء وفعالية. الانفصاليون بنفس الخبث والاستيطان يقومون بذلك في الجزيرة.

الاستمرارُ بهذا الوضع سيجعلنا نترحمُ ليس فقط على الجولان، بل على إدلب وغربي حلب والرقة ودير الزور والحسكة…

كلّ ما يجري داخلياً، هو تحضيرٌ لانتخابات الرئاسة القادمة في سوريا، وإضعاف لموقف القيادة والرئيس السوري، وإظهارها بصورة العاجزة عن فعلِ شيء.

أخيراً: لا يفلّ الحديد إلا الحديد، والردّ بصاروخ يصل فعلياً لقاعدةً عسكرية صهيونية، أو إسقاط طائرة فوق لبنان، سيقلبُ الولاءات… الملايين التي نادت بإسقاط الحكم ومَن معها، ستنقلبُ 180 درجة، فالولاء دائماً للقوي، والذين ينقلبُ ولاؤهم في لحظة… ما أسهل إعادتهِ.