فيريل : سوريا ما قبل الإنتخابات الرئاسية آذار 2021

0
123

اجتماعات ولقاءات بين مسؤولين من دول شتى، تعقبها تصريحات ووعود من “قلوب” بريئة حزينة غيورة على الشعب السوري. علينا أن نُصدّق مساعي هذه الدول وإنْ لم تُطعمُ هذه النشاطات فمَ جائع؟

نتفاءل أم نتشاءم؟

في السياسة ليس هناك تشاؤم أو تفاؤل كما أنه ليس من مكان للعواطف، مصالح ومصالح فقط، إن وضعنا هذه القاعدة يمكننا أن نقرأ الأحداث ونُفسّر قسماً منها، وإلا فسيكون أي تحليل مبنيّ على المشاعر خاطئ وإن أصاب.

الأزمة السورية مازالت في قمة التعقيد والتشابك بين مصالح العواصم الفاعلة، فما يُحقق مصالح روسيا لن يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة، وحتى مع مصالح إيران، أمّا مصالح سوريا وشعبها، فهي آخر أولويات الجميع… الجميع ولا أستثني منهم أحداً. نُجيبُ هنا على عدة أسئلة وردت إلى بريد مركز فيريل للدراسات، خففنا من نشرنا بسبب ضغوطات تعرفونها، لهذا سنشمل هنا قراءتنا للأحداث دفعة واحدة وباختصار. يمكنكم قراءة البحث على دفعات.

ما هي التحركات السياسية الروسية العربية الأخيرة؟

مع إنتهاء شهر عسل الإدارة الأميركية الجديدة، بدأت تظهر تصريحات جديدة منها تصريحا وزيري خارجية الإمارات والسعودية بضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية ودعم الحل السياسي لإنهاء الحرب. تزامنت مع جولة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في دول خليجية، وصفتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بالقول: (جولة وزير الخارجية سيرغي لافروف في عدد من دول الخليج مؤخراً، كانت أكثر من مثمرة). زاخاروفا كانت واضحة عندما تحدثت عن أهداف الجولة: (أجرى لافروف مباحثات متعددة الأوجه شملت خططاً كبيرة للمستقبل، وسبل تنفيذها، وتمت مناقشة قضايا في مجالات مختلفة في مقدمتها الوضع في سوريا والتفاعل الاقتصادي والتعاون في مكافحة جائحة كورونا.).

لافروف في جولته لثلاثة أيام منذ 09 حتى 11 آذار الحالي، زار فيها الإمارات والسعودية وقطر، وعقد في الدوحة مؤتمراً صحفياً مع نظيريه القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والتركي مولود تشاووش أوغلو، مرحباً برغبة قطر في المساهمة في حل الأزمة السورية… الجميع أكد على:

وحدة الأراضي السورية وسيادتها. أهمية إيصال المساعدات الإنسانية للسوريين المحتاجين. مواجهة الإرهاب والمساعي الانفصالية التي تهدد وحدة الأراضي السورية وتشكل خطراً على أمن واستقرار دول الجوار. أهمية محادثات اللجنة الدستورية السورية. تسهيل العودة الآمنة والطوعية لطالبي اللجوء والنازحين. دعم المساعي الرامية لتعزيز الثقة بين الأطراف السورية.

ما هو الموقف الأميركي؟

الرئيس الأميركي جو بايدن لم يَفِ بعد مرور شهرين على وصوله إلى البيت الأبيض بجزءٍ من وعوده الإنتخابية الداخلية والخارجية، مع بدء ظهور خيبة أمل ناخبيه. ما كُشِف من نشاط أميركي خارجي وحسب رويترز هو محاولة التواصل مع كوريا الشمالية سراً منذ منتصف شباط، دون أيّ رد إيجابي من بيونغ يانغ. ملفّ الصين والحرب التجارية معها حاضرٌ ومعه ملف المناخ وكورونا، كلّ ما عداه ثانوي حتى الآن بما في ذلك العلاقة مع روسيا، حيث قال الرئيس الأمريكي جو بايدن ردّاً على اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعقد مباحثات على الهواء مباشرةً: (سنتحدث في مرحلة معينة). أي أنه ليس في عجلة من أمره. عِلماً أنّ بايدن سبق وتعهد في مقابلة مع قناة “ABC” بأنّ بوتين سيدفع ثمن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، مضيفاً في ردّ على سؤال القناة: هل تعتبرُ بوتين قاتلاً؟ بايدن: نعم.

أول زيارة خارجية لوزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، ليست إلى تل أبيب أو أوروبا، بل لمواجهة الصين. أسبوع كامل سيمضيه الوزير الأميركي بين طوكيو وسيؤل ونيودلهي، والهدف حسب تصريحه: (هدفنا هو التأكد من أن لدينا القدرات والخطط والمفاهيم العملياتية لنكون قادرين على توفير ردع موثوق أمام الصين أو أي جهة تريد مهاجمة الولايات المتحدة).

التوقعات بأن يكون الملف النووي الإيراني أول الملفات التي سيفتحها بايدن، خابت، فحتى الآن لم تتحرّك واشنطن تجاه طهران رغم الضغط الإسرائيلي المتصاعد والذي بدأ يميل إلى أوروبا بدلاً من الولايات المتحدة. الأمر ينطبق على باقي ملفات الشرق الأوسط بما في ذلك الوضع السوري وملف العراق واليمن والسلام ومعه التطبيع…

بريطانيا أيضاً فرضت عقوبات جديدة على سوريا، بما في ذلك على ست شخصيات، بينهم وزير الخارجية فيصل المقداد والمستشارة في رئاسة الجمهورية لونا الشبل ورجلي الأعمال ياسر إبراهيم ومحمد براء القاطرجي بالإضافة لقائد الحرس الجمهوري مالك عليا والرائد في الجيش زيد صلاح، كما تُعدّ ملفاً لإدانة السيدة أسماء الأسد يدين دعمها وتحريضها للجيش السوري ويُهدد بسحب الجنسية البريطانية منها.

الحديث عن تغيير جوهري في الموقف الأميركي غير صحيح حتى 21 آذار 2021، فقد قدّم السيناتور الأميركي وعضو لجنة العلاقات الخارجية جيم ريش، والديموقراطي بوب مينينديز العضو البارز ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بالإضافة إلى تسعة آخرين  في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مشروع قرار من الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، لدعم ما أسموه “الثورة السورية” ويتوعد بمحاسبة الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه من الإيرانيين والروس في الذكرى العاشرة للحرب على سوريا.

 ما هو الموقف الدولي؟

كما لاحظنا لا توجد جهة أو دولة، دون استثناء، تسعى لإيجاد حل سريع في سوريا بما في ذلك الأمم المتحدة، فمنذ شهور تجري اتصالات بين أعضاء مجلس الأمن بما في ذلك روسيا، لإيجاد حلّ سياسي للحرب على أساس القرار 2254 الصادر عام 2015 بإجماع الدول الـ15 الأعضاء في المجلس، والنتيجة لاشيء سوى إرسال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا “غير بيدرسن”، الذي يُقدم كلّ فترة تقريره حول الوضع أو أسباب عدم إحراز أي تقدم في من اجتماعات اللجنة الدستورية مثلاً، ليعود ويطلب بيدرسن أو مَنْ سبقهُ دعم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بعدها تعود الحالة إلى السكون المميت.

هل هناك زيادة ضغوط على سوريا؟

بالإضافة للعقوبات والحصار المفروض على الشعب السوري، وهذا هو الوصف الحقيقي للعقوبات، لأن الذي يتأثر بها هو المواطن أولاً وليس المسؤولين أو الأثرياء، هناك ضغوط جديدة قديمة ستعود؛ وهذا ما نراه في مركز فيريل للدراسات. هنا في ألمانيا، بتاريخ 24 شباط 2021 الماضي، وفي مدينة Koblenz أصدرت المحكمة حكماً بالسجن أربع سنوات ونصف على ضابط المخابرات السوري إياد الغريب، 44 عاماً ضابط في أمن الدولة فرع الخطيب بدمشق، والتهمة التحريض على تعذيب المدنيين، بينما ينتظر أنور أرسلان، 57 عاماً، الحكم بنفس التهمة. هذا هو أول حكم قضائي من نوعه فيما يُسمى جرائم ضد الإنسانية في الحرب السورية. هناك حالياً أكثر من 300 قضية تنظر فيها 58 محكمة دولية ومحلية حول جرائم الحرب في سوريا معظمها ضد الدولة السورية، قد يتم تحريكها جميعاً دفعة واحدة…

هل هناك تحركات سياسية سورية؟

مازالت التحركات السياسية السورية مُقيّدة وخجولة… في منتصف كانون الأول 2018، زار الرئيس السوداني السابق عمر البشير، دمشق. بعدها زار القاهرةَ رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك بتاريخ 22 كانون الأول لنفس العام، بدعوة من السيد عباس كامل مدير المخابرات العامة المصرية، والهدف تفعيل العلاقات العربية السورية لما لمصر من دور رئيسي في ذلك. المملوك سبق وزار القاهرة وبدعوة منها أيضاً في تشرين الأول 2016 ولنفس الهدف، فما هي النتائج الملموسة على الأرض؟ هل استطاعت مصر كسر القرار الأميركي؟

الإمارات أعادت فتح سفارتها في نفس الوقت نهاية 2018، كما تواصلت اتصالات زعماء إماراتيين بدمشق، والسؤال ذاته؛ ما هي النتائج الملموسة على الأرض؟

اليوم ونحن في الثلث الأخير من آذار 2021، وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في سلطنة عُمان وهي أول زيارة له إلى بلد عربي، والهدف تعزيز العلاقات مع عُمان التي تلعبُ دوراً لم تستطع القيام به دولٌ عربية تُعتبرُ فاعلة، وتبقى النتائجُ، في كافة الأحوال، مرتبطة بالموقف الأميركي من هذه التحركات.

ماذا عن الإنتخابات الرئاسية السورية؟

استبقت الدول الغربية الفاعلة أية إنتخابات رئاسية في سوريا بعدم الإعتراف بها. الإثنين 15 آذار 2021، وفي بيان مُشترك صرّح وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا: (الانتخابات الرئاسية السورية المقررة هذا العام لن تكون حرة أو نزيهة، ولا يجب أن تؤدي إلى أي إجراء دولي للتطبيع مع النظام السوري). إذاً الأمر محسوم مُسبقاً بالنسبة لهم؛ لا تطبيع مع الرئيس السوري بشار الأسد ولا اعتراف بفوزه في أية إنتخابات قادمة.

غيير بيدرسون قال عبر تقنية الفيديو أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية يوم الإثنين 15 آذار أيضاً: (الصراع في سوريا بات دولياً ومعظم عناصر الحل ليس بيد السوريين. على الجميع تنفيذ القرار الدولي رقم 2254). كما اتهم المجتمع الدولي بالفشل في إيجاد الحلّ: (كل من ارتكب جرائم حرب أفلت من العقاب).

روسيا وإيران تدعمان الرئيس السوري في الإنتخابات القادمة دون شكّ، وجولة وزير الخارجية الروسي الأخيرة حملت تصورات روسية للمرحلة القادمة ومعها رسائل لواشنطن حول كيفية التعامل القادم مع الأسد. المقابل؛ تدخل موسكو لتخفيف الحرب في اليمن بالضغط على الشريك الإيراني ومعه حلحلة الملف النووي.

هل هناك مرشحين للرئاسة من المعارضة؟

المعارضة السورية ومنذ 2011 لم تكن واحدة ولا عشرة، ولا انتظمت في هيئة أو حزب أو حزبين… كلهم زعماء وكلهم يسعون إلى كرسي الحكم، وهذا يتبع الدولة الداعمة لهولاء وما أكثر الدول. لهذا لا تُشبهُ المعارضة السورية أية معارضة أخرى في العالم.

هل يوجد مُرشح للمعارضات السورية، لابد من صيغة الجمع، يمكنهُ الحصول على 20% من أصوات الناخبين؟ مَنْ كان لديه اسم فليعطنا. تظهر أسماءٌ فترة ثم تختفي أو تُخفى. حديثٌ عن مجلس عسكري لأيام ثم ينتهي… نطرحُ هنا ثلاثة أمثلة لشخصيات يتمّ تعويمها:

نصر الحريري في آخر لقاء بتاريخ 14 آذار 2021 في عين تاب: (لا يوجد أي طرف سياسي يمثل الشعب السوري إلا الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية).!

 رياض حجاب في لقاء الخميس الماضي: (المرحلة المقبلة تحمل انفراجة بالملف السوري، وعلى السوريين الصبر.)! يتابع حجاب: (هناك تحركات إيجابية من الكونغرس الأميركي بإصداره قانون قيصر مع وجود المزيد من المشاريع للضغط على الأسد).

فراس طلاس، في مقابلة مع صحيفة “ميكور ريشون” الإسرائيلية: (أخطأت إسرائيل بعدم تدخلها في الحرب في سوريا… أفهم الموقف الإسرائيلي الذي رأى بالأسد والشعب السوري أعداء ولذلك امتنعت عن التدخل في الحرب. لكن الواقع في سوريا اليوم سيء بالنسبة لإسرائيل ويسبب مشاكل كثيرة عند الحدود. وعلى إسرائيل أن تدرك أنه يوجد ثمن لعدم العمل).

مَنْ مِن الثلاثة الواردة أسماؤهم يُمكن أن يكون منافساً في الإنتخابات الرئاسية القادمة؟ تتهمُ المعارضات السورية الأسد بأنه صاحب خطاب إقصائي، لكن ماذا عن هذا الخطاب الذي ورد قبل قليل؟ الأول يعتبرُ نفسهُ، أي الإخوان المسلمين، الممثل الوحيد للشعب السوري والبقية لا يُمثلون سوى فئة قليلة، والثاني يشكر الكونغرس على قانون قيصر الذي لم يُصب سوى المواطن السوري بينما يُطالب هذا المواطن بالمزيد من الصبر! والثالث الملياردير القاطن في الإمارات يلومُ إسرائيل لعدم تدخلها في سوريا، وكأنه لم يسمع يوماً بالقصف المتواصل ودعم إرهابيي درعا والقنيطرة.

هل هناك مفاوضات سورية إسرائيلية؟

لا يوجد ما يُثبتُ حدوث أية مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين. أول علامات حدوثها هو توقف القصف الإسرائيلي، فهل توقف؟ سوريا لن تقبل إلا باستعادة الجولان كاملاً إلى السيادة السورية. تل أبيب لن توافق على ذلك، وتسعى لإيجاد صيغ أخرى كالسيادة الدولية عليه وبإشرافها، أي يبقى فعلياً تحت الاحتلال. النفوذ الإيراني في سوريا مازال قائماً، تل أبيب ترفض ذلك وسوريا لن تُحجمهُ.

هل ستعود سوريا إلى الجامعة العربية؟

ذكرنا أكثر من مرة في مركز فيريل للدراسات أننا نرى في العروبة ضرورة وليست مصيراً، والمعنى واضح. عودة سوريا إلى الجامعة العربية ستُحجّمُ الدور التركي وإلى حدّ ما الإيراني، وهو ما تسعى إليه السعودية والإمارات ومصر. أي أنّ الهدف الرئيسي ليست المصلحة السورية بل استخدام سوريا لمواجهة العدو تحت عنوان كبير “الأمن القومي العربي”، وكأن هذه الدول عند تعليق عضوية سوريا في تشرين الثاني 2011 لم تكن تعرف شيئاً عن الأمن القومي واكتشتفتهُ فجأةً!. هذه العودة مفيدة لسوريا على الأقل اقتصادياً لترميم الوضع المعيشي المأساوي، لكنّها مرتبطة بشكل علني بالموافقة الأميركية، رغم المساعي الروسية في هذا الاتجاه. الموافقة الأميركية لم تصدر بعد.

ما هو الوضع شرقي الفرات وشمال سوريا؟

تركيا لم ولن تُغيّر سياستها التوسعية العثمانية، خطوات التتريك في المناطق التي تحتلها تمشي بخطى متسارعة على مرآى من الروس والإيرانيين. اليوم الطيران التركي يقصف مواقع الانفصاليين قرب عين عيسى شمال الرقة، بينما يحاول الجيش التركي التقدم جنوباً مستخدماً جيش الإخوان المسلمين كغطاء.

الانفصاليون كالأتراك، ماضون في مشروعهم الانفصالي بحماية أميركية متصاعدة خاصة بعد وصول جو بايدن لكرسي الحكم، وهذا سبق وأفردنا له بحثاً يمكنكم مراجعته. لا مفاوضات شاملة بين دمشق والانفصاليين، فالتوافق بعيد بين الطرفين، وروسيا لم تنجح معهم سوى في نقاط صغيرة.

ما هي التحركات الروسية السورية الفعّالة؟

كي لا نبخس الروس حقهم، فهم لاعبون رئيسيّون في المنطقة وسوريا أيضاً، قاموا مع السوريين أو لوحدهم بتحركات هامة هي “حركشات” بالأمريكيين والأمثلة كثيرة.

معالجة وضع الانفصاليين ليس مستحيلاً، كيف؟ يقومُ الانفصاليون وبالشراكة مع الجيش الأميركي بسرقة غاز وبترول شرقي الفرات، ثم يبيعونه لكلّ مشترٍ، نحو شمال العراق فتركيا، وإلى المناطق التي يحتلونها في الحسكة ودير الزور والرقة، وأيضاً يبيعونهُ إلى أعدائهم من الأتراك وجيش الإخوان المسلمين في ريف حلب. طائراتٌ مُسيّرة في 23 تشرين الأول 2020 ثم 20 كانون الأول ثم 09 كانون الثاني الماضي ثم دفعة صواريخ بالستية روسية في شباط وآذار دمرت 36 صهريجاً ومحطات بدائية لتكرير النفط في ريف حلب الشمالي الذي يحتلهُ جيش الإخوان المسلمين التابع لتركيا. ضربة ثالثة ورابعة وخامسة والخسائر أكبر في ريف الباب ومعبر الحمران عند جرابلس. الجيش السوري أقرّ في تشرين الثاني 2019 أنه وراء القصف لمنع تهريب البترول السوري المسروق من الانفصاليين إلى تركيا.

السوريون والروس وراء القصف، وهذه رسائل قوية بعدة اتجاهات نحو واشنطن وأنقرة والانفصاليين، ما نراه أن هكذا رسائل يجب أن تُصبحَ أسبوعية…

يبدو أن الولايات المتحدة سعت لإفشال نتائج زيارة لافروف إلى الخليج وأي تحرّك روسي تجاه أوروبا، وكلام بايدن واضح العداء للروس حيث وصف بوتين بـ “القاتل”، والأوضح رد بوتين عليه الذي تمنى له الشفاء بعد سقوطه المتكرر على سلّم الطائرة: (القاتل هو من يصف الآخر بذلك). الكرملين أعلن صراحة عن مرحلة مواجهة مع الأمريكان بوصفه تصريحات بايدن بالسيئة جداً والقول: (من الآن فصاعداً سننطلق من هذا المبدأ) كما تمّ استدعاء السفير الروسي في واشنطن السبت 20 آذار للتشاور.

ذكرنا أنّ روسيا أرادت “إفهام” واشنطن أنها قادرة على ضبط عدة جبهات في الشرق الأوسط، وعلى القيادة الأميركية إدراك ذلك وقبول الشروط الروسية بحل الملف السوري. واشنطن استخفت بالروس، فعاد التوتر إلى المنطقة. أين وكيف؟

ما هو القادم في المنطقة؟

مرت المنطقة بحالة هدوء منذ عدة شهور، لكنّ الأمور عادت للتسخين. التسخين يتزامن مع سوء العلاقات بين موسكو وواشنطن. واشنطن تريد إعادة نفوذها حول العالم كما كان في بداية تسعينات القرن الماضي، وهذا ما لن تسمح به روسيا أو الصين. اليمن عاد للتسخين بقصف الحوثيين للسعودية. لبنان على شفير الهاوية ولن يُنقذهُ أحد. التسخين في سوريا عاد بتحركات داعش في البادية السورية بدعم من قسد والجيش الأميركي وباقي التنظيمات الإرهابية في درعا، مع توقعات مركز فيريل للدراسات بعودة محاولات التفجير والاغتيالات إلى المناطق التي يُسيطر عليها الجيش السوري. تركيا تتحرّك بين فترة وأخرى لتثبيت الأمر الواقع ومواجهة المحاولات الانفصالية في الشمال السوري والتي تُشكّلُ خطراً على أمنها القومي. تل أبيب لم ولن تتوقف عن قصف المواقع العسكرية السورية دون ردّ سوري أو روسي. الملف النووي الإيراني مؤجل حالياً، طهران تسعى لتحريكه بطرقها في اليمن والعراق وسوريا. داعش تتحرك في العراق مع قصف أميركي إسرائيلي لكلّ مَن يوالي إيران.

تركيا وجدت نفسها خاسرة سياسياً واقتصادياً في مواجهة مصر والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي، تراجعت عن لغة القوة في محاولة لشق صفّ أعدائها، فخففت من لهجة العداء مع مصر لإبعاد اليونان وقبرص عن القاهرة. بجميع الأحوال، لم تستطع تركيا الخروج من تحت العباءة الروسية ومازال الروس يسيطرون على علاقتهم بها.

استخراج الغاز والبترول من مياه سوريا ولبنان مؤجل إلى أن يتفقَ الكبار. كما ذكرنا في بحث “أين تبخر الغاز في سوريا ولبنان”، استخراج هذا الغاز سيضرّ بخط السيل الروسي التركي وبالدول المُصدّرة للغاز إلى أوروبا، وعلى الدولتين، سوريا ولبنان، تقرير إلى أيّ جانب يميلون؛ إلى اليونان وقبرص وفرنسا ومصر وإسرائيل، أم إلى روسيا وإيران وتركيا؟

بدون رتوش أو تعقيدات أكثر؛ الحل بيد الولايات المتحدة ثم روسيا، وباقي الدول تأتي لاحقاً بدرجات متفاوتة. الدول التي تملكُ سيادة وقراراً وطنياً في العالم تُعدُّ على الأصابع، ودول الشرق الأوسط ليست منها، لهذا ستبقى المنطقة تحت رحمة اللاعبين الكبار؛ إن اتفقوا، سرقوا البلاد، وإن اختلفوا، دمروها…