فيريل : زيادة الرواتب في سوريا.. الجزء الأول

0
3274

سبق ونشرنا بحثاً تحت عنوان (الاقتصاد السوري إلى أين؟). ذكرنا فيه أنّ سوريا انتقلت منذ عام 2003 من نظام الاقتصاد الإشتراكي إلى نظام السوق “الرأسمالي”، وذلك تلبيةً لأوامر البنك الدولي. يومها ادّعت الحكومة أنّها تطبّق نظام السوق الاجتماعي، ولم يلبث الأمر أن تحوّل إلى فوضى اقتصادية فقدت معها سوريا هويتها الاقتصادية. مع اختلاف هذه التجارب الاقتصادية كان هناك قاسم مشترك بارز بوضوح، وهو إثراء قلّة قليلة من “تجار السلطة” مقابل إرتفاع نسبة الفقر بينما بدأت الطبقة الوسطى تتلاشى، إلى أن وصلنا اليوم لطبقتين فقط؛ أثرياء وفقراء…

أيّ نظام إقتصادي يُناسبُ سوريا؟

في الحقيقة، لا يعنينا نوعُ النظام الاقتصادي بقدر أهمية امتلاك الحكومة لخطة إقتصادية مدروسة تُراعي مقدرات ومصادر وطاقات الدولة ثم تطبيقها على الأرض. التخطيط المدروس ثم التطبيق الصحيح، وأيّاً كانت الهويّة الاقتصادية السورية فإن الفشل مصيرها، إذا تجاهلت العوامل الأساسية أهمها الإصلاح الذي يبدأ بتحسين الحالة المعيشية للمواطن السوري أولاً.

التحسين يكون بدراسة سريعة للأجور والرواتب في سوريا. يمكننا تعريف الأجر بأنّهُ: “ثمن جهد ووقت العامل، ومصدر دخله وسبيله لاستمرار الحياة الكريمة“. للأجر قيمتان، قيمة اسميّة تتمثّل بالمبلغ الرقمي، وقيمة حقيقية تتمثّل بكميّة السلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها من خلال الأجر.

الأجر لا يعني تأمين الأكل والمشرب فقط

إذا كانت الحكومة تظنّ أنّ ما تُعطيهِ للعامل أو الموظف اسمه راتب يستطيع به تأمين طعامه وشرابه فقط، فمعذرةً… الحيوانات تأكل وتشربُ مقابل عملها… فكيف إذا كان هذا الراتب لا يكفي للطعام والشراب؟!! إلى أين وصلنا…

الوضع أصبحَ أسوأ من العبوديّة، وهذا الأجر الذي لا يضمن للعامل حتى طعامه لا يُسمى مالاً. الأجر الطبيعي أو حد الكفاف وحالياً التسمية الشائعة له هي خط الفقر الأعلى، هو أجر غير إنساني ومرفوض أخلاقياً، وهذه النقطة تحديداً، تُمثّل نقطة وفاق بين مُنَظِّر الشيوعية والاشتراكية كارل ماركس ومُنَظِّر الرأسمالية الاقتصادية ديفيد ريكاردو الليبرالي، فكلاهما اتّفقا على أنّ من حق العامل أن ينال الضّمان بالحياة الكريمة بعيداً عن الاستغلال والإفقار الذي سيمارسه عليه رب العمل، وكلاهما شَرَعَا ببناء نظريّاتهما هادفَين إلى إيجاد صيغةٍ للاقتصاد السياسي تضمن للعامل العيش الكريم بعيداً عن أجر حد الكفاف.

للأسف، الأجور في سوريا، تحديداً في هذه الأيام، لا تكفي حتى للطعام أي أنّها أقل من حد الكفاف وتنحدر نحو خط الفقر الأدنى أو خط الفقر المدقع. لكن السؤال الأهم هو، هل ضَعف وانخفاض الأجور في سوريا هو نتيجة لضعف الاقتصاد أم سبب له؟. الإجابة معقّدة، ففي ثمانينيات القرن الماضي انخفضت القيمة الحقيقية للأجور بسبب تراجع الاقتصاد السوري، بعد ذلك أصبحت الأجور القليلة سبباً أساسياً لعدم تمكن الاقتصاد السوري من التّعافي بسبب ضعف القدرة الشرائية، والحكومات السورية لم تفطن للأمر حتى الآن.

تحديد مستوى الأجور والرواتب

البيِّنة على مَن ادّعى، سنوضح في هذا البحث من مركز فيريل للدراسات سبب ادّعائنا بأنّ انخفاض الأجور يُمثّل كارثةً اقتصاديةً واجتماعيةً. ولكن قبل ذلك يجب توضيح طريقة تحديد مستوى الأجور. يتمّ تحديد الحد الأدنى للأجور من قِبّل الحكومة في كافة دول العالم وتُلزم نفسها وأرباب العمل به، ويتم فرضه بقوّة القانون ولا تجوز مخالفته ودفع أجر أقل منه تحت طائلة المُساءلة القانونية. الخطوة التالية؛ تحديد المستوى الأعلى للأجر تبعاً لعوامل متعدّدة منها: الأقدمية، والكفاءة، والعرض والطلب ضمن التخصّص الوظيفي الواحد.

ما هو الحد الأدنى وما هي طريقة تحديده؟ هو رقم غير اعتباطي ولا يتبعُ ما يتبقى من الموازنة العامة للدولة، وكأننا أمام والدٍ يُعطي ابنه مصروف الجيب تبعاً لمزاجه أو ما يمكنهُ الاستغناء عنه من نقود…

هناك أساليب منهجية مختلفة ومتنوّعة لتحديد الحد الأدنى للأجور، أبرزها طريقتان:

الأولى تتمثّل بالمعادلة التالية: الحد الأدنى للأجر= ( خط الفقر × معدل حجم الأسرة) ÷ معدل عدد العمال في الأسرة الواحدة

الطريقة الثانية تسمى بالحد الأدنى الإنساني للأجر، وتتمثل باحتساب قيمة سلّة السلع الأساسية اللّازمة لمعيشة الأسرة وضرب الناتج باثنين، أي أنّ الاحتياجات الأساسية للأسرة يجب ألّا تزيد قيمتها عن قيمة نصف الأجر.

أينَ هو الحد الأدنى للأجور في سوريا؟

هل دققتم فيما ورد؟ بالتأكيد تعرفون أنّه حتى الحد الأدنى من الأجور في سوريا غير موجود… لا، الأمر أسوأ بكثير…

الحدّ الأدنى من الأجور ياسادة هو تأمين الطعام والشراب والمسكن واللباس والمواصلات والطبابة وتسديد كامل الفواتير من كهرباء وماء وإنترنت مضروباً بإثنين… كيف؟

في عدة أبحاثٍ سابقة لمركز فيريل للدراسات آخرها (الاقتصاد السوري إلى أين؟) ذكرنا أن أسرة مكوّنة من ستة أفراد تحتاج إلى ما يقارب 300 ألف ليرة في الشهر، هذا كان حسب أسعار صيف 2019، الآن الرقم أعلى بكثير، فهل الرواتب والأجور متوافقة مع هذا الواقع؟ بعد الزيادة الأخيرة للرواتب أصبح سقف راتب الفئة الأولى 80240 ليرة سورية، أي أنّه الحد الأعلى للأجور (وليس الأدنى) لا يتوافق مع جزء من متطلبات الأسرة بل حتى أنّه بالكاد يزيد على ربع قيمة المتطلبات والاحتياجات عام 2019. ولتجنُّب الإجابة المعتادة باستخدام شماعة الحرب للرد علينا، سنرى إن كانت المعايير تتماشى مع رواتب وأجور عام 2010م، أي قبل الحرب.

في ظل غياب التوصيات الغذائية الصادرة عن الجهات الحكومية السورية المعنية لإرشاد المجتمع وتوعيته غذائياً حسبما هو سائد لدى باقي الدول، تمّ الاعتماد على توصيات منظمة الصّحّة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة. وهكذا استخدم هرم CINDI (Countrywide Integrated Noncommunicable Diseases Intervention) لبناء سلّة غذائية لأسرة مكوّنة من أب وأم وابن في الرابعة عشر من العمر وابن آخر في عمر السادسة، وتم الاكتفاء بأربعة أشخاص كأفراد للأسرة. بعد بناء السلّة وحساب قيمتها وفق أسعار عام 2010م المنشورة من قبل المكتب المركزي للإحصاء (والذي لا نعتمد بياناته في مركز فيريل، ولكن تغاضينا عن الأمر تطبيقاً لمبدأ من فمك أدينك) كانت النتيجة تشير إلى أنّ قيمة السلّة الغذائية تبلغ حوالي 9800 ل.س ومع إضافة قيمة البن والشاي يصبح الرقم حوالي 10300 ل.س أي ما يزيد على 170% من قيمة الحد الأدنى للأجور عام 2010 والبالغ 6010 ل.س. أي راتب الـ2010 كان دون الحد الأدنى فلا تتفاجؤوا…

سبق أن ذكرنا أن قيمة السلة الغذائية يجب أن تعادل 50% من الحد الأدنى للأجور، أي أنّ الحد الأدنى كان يجب أن يبلغ في عام 2010م حوالي 20600 ل.س بدلاً من 6010 ل.س، هذا ولم نحتسب إلّا الطعام مع تجاهل المسكن والملبس والتدفئة والمواصلات والكهرباء والهاتف والماء والتي تندرج ضمن فئة السلع والخدمات الأساسية.

تتضح الكارثة عند معرفة أنّ الحد الأعلى للأجور حينها أي عام 2010 كان يبلغ 30 ألف ليرة سورية، أي أنّ الحد الأدنى الإنساني لم يكن ببعيد عن الحد الأعلى المحدد من قبل الحكومة السورية. وحسب المكتب المركزي للإحصاء، بلغ معدل الإنفاق في عام 2009 على الاحتياجات الغذائية على مستوى القطر حوالي 14 ألف ليرة سورية للأسرة، والإنفاق على الحاجات غير الغذائية أكثر من 16 ألف ليرة سورية، أي بمجموع 30 ألف ليرة سورية على الأقل، وهذا ما يثبت صحة نتائجنا. فهل تلتزمُ الحكومات السورية المُتعاقبة بالدستور السوري الذي ينصّ في البند الثاني من المادة 40 على أنّ: “لكل عامل أجر عادل حسب نوعية العمل ومردوده، على أن لا يقل عن الحد الأدنى للأجور الذي يضمن متطلبات الحياة المعيشية وتغيّرها” هل وزارة المالية ملتزمة بالمعايير المنهجية والمنطقية لتحديد الأجور؟ وهل يمكنها أن تزوّدنا بالمعايير التي تستخدمها لتحديد الأجور؟.

خلاصة الجزء الأول

بحساب بسيط وبعيداً عن أي إسرافٍ أو مقارنة بحياة المواطن في دول العالم، وبناءً على نيّة الحكومة تحرير سعر كافة السلع بخطوات متتابعة، تبدأ بتصريحات لجسّ النبض ثم يأتي القرار وليذهب المواطن إلى الجحيم، نقول:

هل الحكومة السورية قادرة على إعطاء العامل والموظف هذا الحدّ الأدنى؟ نلتقي في الجزء الثاني. مركز فيريل للدراسات.

 هادي ميّاسة. بحث من مركز فيريل للدراسات. الجزء الأول. جامعة تشرين. اللاذقية.