فيريل : بوادر إتفاق حول إدلب

0
930

. زيد م. هاشم

بوادر إتفاق وليست إتفاقية، غير مُعلن ومؤجل بين موسكو وأنقرة، بدأت تلوح في الأفق. فهل سيُعلن عنه أم سيتم نسفهُ؟ بإنتظار ردّ دمشق…

نستعرضُ لكم بشكل موجز ما يجري على الأرض عسكرياً وسياسياً في العواصم، عِلماً أننا سبقَ ونشرنا توقعات وتحليلات مركز فيريل للدراسات حول الموضوع ذاته عدة مرات، والقسم الأعظم من هذه التوقعات حدث.

انتشرت قوات عسكرية روسية حول سراقب ومعرة النعمان، مما يعني تثبيت التقدم الميداني للجيش السوري، وأي إنتشار جديد سيكون تثبيتاً وعدم تراجع كما يُهدد ويحلم أردوغان.

الجزء الأكبر مما حرّرهُ الجيش السوري جنوب وغرب حلب وجنوب وشرق إدلب، بما في ذلك فتح طريق حلب دمشق، مُتضمّنٌ في توافقات الأستانا وسوتشي، وهو ما صرح به الروس والإيرانيّون، لكنّ تركيا ماطلت محاولةً الإحتفاظ بتلك المناطق وكسب الوقت. تصريح الخارجية الروسية كان واضحاً: (سبب تصعيد التوتر في منطقة إدلب يعود إلى عدم التزام تركيا المزمن بتعهداتها).

إنذاراتٌ وتهديدات يومية من أنقرة وعلى لسان زعمائها بإختلاف توجهاتهم السياسية، هذا يُعطي مُهلة وآخر يُطالبُ باحتلال دمشق، والجيش السوري يُكملُ التحرير. التهديدات وصلت روسيا فردت الخارجية الروسية: (روسيا لن تتفرج على الإرهابيين وهم يقصفون ويعتدون على الجيش السوري ومواقع روسية… بنود اتفاق خفض التصعيد تضمن سلامة الأراضي السورية وفيها تفاصيل بالغة الأهمية وقد وقعت عليها تركيا).

دمشق وموسكو فرضتا الاتفاق بالقوة، عادت أنقرة لحشد قواتها ورفع نبرة التهديد وطار وزير حرب تركيا إلى رؤوسائه في بروكسل وأجرى أردوغان اتصالاتٍ مع واشنطن، والنتيجة كانت: (قاتل لوحدك، سنصفق لك إن انتصرت). كيف يُقاتل لوحده؟ هو خبيرٌ بالتصفيق و “الزعيق” فقط.

خابت آمال العثمانيين، فعاد وزير خارجيتهم للقاء لافروف قائلاً: (لابد من إعادة تقييم الوضع مع موسكو… التواصل مع الروس يتم ضمن أجواء إيجابية).

بوتين رفضَ مقابلة أردوغان رغم حساسية الوضع وأكثر ما فعله أن ردّ على اتصالات العثماني الجديد، وعند الضرورة القصوى وإنجاز المهمة سيلتقي به، فهل اقترب اللقاء؟

‏وزارة الدفاع الروسية: (التقارير بشأن تدفق اللاجئين من منطقة خفض التصعيد في إدلب ليس لها أساس من الصحة… قادرون مع تركيا على تحقيق مهمتنا في سوريا عبر تفادي عدم التنسيق والأعمال العدائية… الوضع يتفاقم بشكل كبير بسبب دخول أسلحة وذخيرة والمدرعات التركية الى إدلب… ظهرت الأزمة في إدلب بسبب عدم تنفيذ تركيا التزاماتها بفصل مقاتلي “المعارضة المعتدلة” عن الإرهابيين…)

حرّرَ الجيش السوري غرب حلب، وهو ما شكّل ضربة موجعة لتركيا تعادل تحرير الأوتستراد الدولي بل أكثر، حلب الذي يعتبرها العثماني ضمن ممتلكات “الخلافة العثمانية البائدة”، طُرد الإرهابيون الذين قتلوا آلاف المدنيين بقذائفهم وعاد الأمان لربوعها، والعجلة الإقتصادية ستبدأ بالتحرّك بقوة في أكبر وأعرق مدن سوريا والشرق الأوسط… والأيام قادمة.   

هل هناك وقف إطلاق نار؟

إعلانُ وقفٍ لإطلاق النار أمر غير مستبعد لكن الروس يتمهلون لتحرير أكبر جزءٍ من ريفي حلب وإدلب، وحتى إن حدث هذا الوقف، أعتقد سيتم انشاء منطقة فصل وهي آخر كيلومترات وصلها الجيش السوري، حيث سيتولاها الروس كما حصل في الغوطة الشرقية ودرعا مع تواجد لقوات الجيش العربي السوري على مداخل المدن وبعض النقاط التي سيتم التوافق عليها بين موسكو ودمشق فقط دون أنقرة.

إن حدث وقف لإطلاق النار، سيتم التوافق على فتح طريق حلب اللاذقية، ليتم تحرير أريحا وجسر الشغور سلمياً أو عسكرياً إن عادت تركيا للماطلة. 

جبهة النصرة وكافة الفصائل الإرهابية، سيتم إخراجها من هذه المدن، بتوافق تركي روسي أو بدونه، والذي سيسعى إليه أردوغان كما ذكرنا البارحة في صفحة مركز فيريل للدراسات، هو تغيير اسم جبهة النصرة تمهيداً لدمجها في (جيش الإخوان المسلمين)، وهل تصبحُ الأفعى عصفوراً إن رمت جلدها؟ هؤلاء الإرهابيّون سيتم نقلهُ إلى شمال الطريق الدولية حلب اللاذقية، وكما ذكرنا؛ يُرحّلُ قسمٌ نحو ليبيا أو دول أخرى، قسمٌ سيُقتل، وقسمٌ ستتم عملية “تذويبه” في جيش الإخوان المسلمين الذي سيزجهُ أردوغان في العملية السياسية في سوريا كتابعين له.

الحلول المستقبلية

بالنسبة لما تبقى من ريفي حلب الشمالي والشمالي الشرقي ومناطق رأس العين وعين العرب، التي تحتلها تركيا مع إرهابييها… المُرجح أن يتم الإتفاق عليها فيما بعد، حيث ستكون مناطق لعودة اللاجئين من تركيا أو من مناطق سورية أخرى وتوطينهم فيها. هذه الخطوة تباركها معظم العواصم بما فيها دمشق وطهران وموسكو وواشنطن وأنقرة والعواصم الأوروبية. هذا التوطين يحمل جانباً إيجابياً وآخر سلبياً؛ يُقطعُ “الممر الكردي الإنفصالي“، وهذا يحقق رغبات أنقرة وطهران وحتى دمشق، لكن بالمقابل ستكون مناطق نفوذ أجنبي خاصة للأتراك ولعملية التتريك… الحل؟ سنناقشهُ في حينه.

الأرتال التركية تستمرُ بالوصول إلى الأراضي السورية تحت مراقبة موسكو. عندما تجاوز الأتراك الحدود المسموحة قامت الطائرات السورية والروسية أو المدفعية السورية بقصف تحذيري أو قصف مباشر أحياناً، كما جرى في النقاط التي حاولوا إنشاءها حول سراقب. بالمقابل؛ زودت تركيا الإرهابيين بصواريخ مضادة للطائرات أدت لإسقاط مروحتين سوريتين.

أحداث الأسابيع الماضية أظهرت كم هي تركيا “كسيحة”، ولا يمكنها التحرّك دون مساعدة الناتو. ترامب طلب أن تتوقف روسيا عن مساعدة سوريا، طلبهُ رُفِضَ.  الناتو هذا لن يُحارب عن أو مع تركيا، ولا ينوي تقديم أيّ دعم عسكري حسب وكالة تاس نقلاً عن مسؤول في الحلف: “دول الناتو لن تدعم تفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب مطلع شباط”.

هل سيؤمنُ بوتين سُلّماً لإنزال أردوغان عن السطح؟

خابت آمال أردوغان وتراجعت أحلامه بعد أن أدركَ كم هو صغير بين الكبار، وعليه أن يعود لما اتفق عليه مع روسيا وإيران، لأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية وملفات إقليمية تتعلق بالقضية الكردية، ليبيا، والصراع مع الدوحة وطهران من جهة وبين حلف الرياض أبو ظبي المنامة القاهرة. شباط سينتهي ومعه المهلة التي حددها السلطان العثماني، وسنرى ماذا سيفعل… أصواتُ الطبل التركي بدأت تخفت.

ليس من مصلحة إيران أن يتطوّر التوتر إلى حرب بين الجيش السوري والتركي، والتوتر بين أنقرة وموسكو أيضاً يضر بمصالحها ويضعف موقفها ضد حلف السعودية، لهذا تسعى للعودة إلى اتفاق الأستانا. حاولت طهران أن تُجنّب الأتراك الإهانة عندما عرضت عليهم المصالحة مع دمشق، لكنهم رفضوا لأنهم ظنّوا أنّ الناتو سينقذهم. خابت توسلاتهم وسوف يعودون إلى أبواب طهران قريباً. روحاني لامَ تركيا وحمّلها المسؤولية: (اتفاق سوتشي اتفاق سياسي هام ونموذج ناجح في المنطقة وندعو تركيا لاحترامه… على الحكومة التركية احترام جميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها حول سوريا… إدلب محافظة سورية وينبغي محاربة الجماعات الإر هابية فيها).

يجب أن يتحسّن الوضع الإقتصادي

تحرير محيط حلب الغربي كان خطوة مهمة، وظهور الرئيس السوري بشار الأسد يؤكد أهميتها، وطائر الصقر أسرع المخلوقات على وجه الأرض، له دلالاتٌ قوية على سرعة الإنقضاض… إستئناف تشغيل مطار حلب الدولي وبرمجة رحلات منه إلى القاهرة وباقي العواصم خطوة، ستعقبها خطوات أخرى تمر بطريق حلب دمشق الدولي. لهذا يجب أن يظهر تحسّنٌ على الإقتصاد السوري خلال أسابيع قليلة، وعدم حصول هذا يعني أننا أمام أفشل حكومة مرت على سوريا… فهل نحن أمام هكذا حكومة؟ هي خطوة ضمن مسيرة طويلة، وانتصار في معركة ضمن معارك. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات. زيد م. هاشم.