فيريل : الاقتصاد السوري إلى أين؟

0
8

بحث مختصر ومُبسّط في الاقتصاد السوري الحالي، الأسباب والحلول والتوقعات. تتباين تصنيفات أنواع الاقتصاديات العالمية، لكننا نعتمدُ تصنيفها بأربعة أنواع؛ النظام الاقتصادي التقليدي، النظام الاقتصادي الموجّه، نظام اقتصاد السوق، والنظام الاقتصادي المُختلط.

بمراجعتنا للاقتصاد السوري، نجد أنه ومع بداية القرن الحادي والعشرين، حاولت الدولة تحويله لاقتصاد السوق، لكن الذي حصل لاحقاً ولأسباب داخلية وخارجية هو… فقدان الهوية الاقتصادية، فترى خليطاً عجيباً من الاقتصاديات العالمية في دائرة ضيقة! وطالما لم يتمّ تحديد “الهوية الاقتصادية السورية” وإعادة تدوير عجلة الاقتصاد، ستبقى سوريا تعاني فتخرج من أزمة لتدخلَ في أخرى، يرافقها حصار اقتصادي مع نتائج الحرب الطويلة. كي نفهم ما يحدث اليوم، علينا المرور على الأسباب بدون رتوش وتبريرات، لأنه ليس وليد الساعة.

ماذا حصل بعد عام 2000 في سوريا؟

حتى عام 2000 كان الاقتصاد السوري اقتصاداً اشتركياً بشكل عام. فيما بعد ومع استلام عبد الله الدردري منصب رئيس هيئة تخطيط الدولة، ثم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بدأ تطبيق الاصلاحات الاقتصادية وعملية نقل الاقتصاد السوري الاشتراكي، إلى الاقتصاد الرأسمالي “اقتصاد السوق”. حاولت الحكومة السورية “خداع” الشعب فأسمتهُ (اقتصاد السوق الاجتماعي) كي لا يظهر الانقلاب التام على ما كان قبل عام 2000.

وبدأت عملية “مُتسرّعة” لتلبية أوامر البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وهو ما ذكرناه بوضوح في بحث “الربيع العربي الجزء الثاني” بمركز فيريل للدراسات. نعم، الحكومة السورية بعد عام 2003 كانت تُنفذُ أوامر البنك الدولي حرفياً في الاصلاحات ومهندس التنفيذ هو عبد الله الدردري، الذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى القيادة السورية .

بدأت الحكومة السورية برفعِ الدعم عن المواد الأساسية، وهذا لم يحدث نهائياً قبل ذلك، كون الاقتصاد السوري اشتراكياً. بدأت الخطوة بالمازوت، وهي خطوة خطيرة! فقفز سعره عام 2006 من 9 ليرات إلى 16 ليرة بنسبة 56%. رفعُ سعر المازوت يعني رفع سعر كافة المنتوجات الزراعية والغذائية والمواصلات. ثم قفز سعرهُ عام 2008 إلى 25 ليرة سورية ودون سابق إنذار أو مصارحة المواطن السوري… المازوت الذي حافظ على سعر ثابت لأكثر من 13 عاماً، زادت الحكومة السورية سعرهُ خلال عامين أكثر من 180%!! ثم جاء رفع سعر الكهرباء والماء… ثم جاء وزير المالية، الدكتور محمد الحسين، ليرفع الضرائب من 3% إلى 14% خلال سنتين. وبدأ المواطن العادي يُعاني…

الخطوة الثانية كانت: فتح الأسواق السورية أمام البضائع المستوردة، وتقديم تسهيلات للتجار لاستيراد ما يحلو لهم، بخفض الضرائب على المستوردات… هنا تمّ القضاء على قسم كبير من الصناعات المحلية، فأفلست الكثير من المصانع. خاصة؛ مصانع وورشات صناعة الأقمشة والألبسة والأثاث، التي لا يمكنها منافسة المنتوجات الصينية والتركية.

الخطوة الثالثة كانت: الخصخصة. تم تعديل قوانين الاستثمار الأجنبي، القانون 8، وأنشأت بورصة دمشق، وفتحت بنوك وشركات أجنبية وجامعات خاصّة، وتمت زخرفة الوضع للشعب السوري بالمزيد من الملاهي والمطاعم و “الانترنت”، وظنّ الناس أنهم في “بحبوحة” غير دارين بالقادم… وقلائل هم الذين يعرفون ماذا كان يحدث في سوريا…

تدمير الاقتصاد السوري

أذكرُ وخلال زياراتي الدورية لسوريا والإقامة لشهور هناك قبل الحرب وخلالها، أنّني وجدتُ قسماً واسعاً من الشعب السوري “مبهوراً” بما يحدث. نعم، استطاعت الحكومة السورية ومعها الطبقة المخملية، إشغال الناس بالقشور، بينما كان يصعد أثرياءٌ على حساب الاقتصاد السوري الذي يتم تدميره عن قصد.

وتغيّرت الحياة في سوريا… باتَت بائعة البقدونس، مع احترامي لكافة المهن، تحملُ الموبايل وتتحدث عن سعر الدولار! المرأة لم تعد تطهو في المنزل، فالمطعم يقوم بإيصال الوجبات للمنزل، قضاء إجازة الصيف أصبح في تركيا “الشقيقة” بجانب قصور أبطال المسلسلات التركية… وبقروض مُيسرة من البنوك! بالمقابل؛ ارتفعت نسبة البطالة، وزاد عدد الفقراء تدريجياً مع ارتفاع الأسعار، وبدأت الطبقة الوسطى تتلاشى.

الحكومات السورية المتعاقبة، أمّنت الموبايل بثمنه طبعاً، لبائعة البقدونس، لكنها أهملت عن قصد المشاريع التنموية والإنتاجية… هل سألت الحكومة السورية بائعة البقدونس أين تسكن، وهل مسكنها صالح للعيش؟ لم تقم الحكومات السورية بأيّ مشروع وطني كبير ذو جدوى اقتصادية إنتاجية منذ عام 2003، اللهم سوى افتتاح صالات البلياردو والمراكز السياحية والتسوق. معظم ما ترونهُ من مشاريع كبرى ومساكن ومؤسسات بُنيت منذ عشرات السنين…

الحكومات السورية المتعاقبة، بنت ورممت مئات المساجد وعدة كنائس، لكنها لم تسأل هل يستطيعُ المواطن السوري، الذي تدعوهُ للصلاة، تأمين خبز أطفالهِ؟ والحجة “الكاذبة” دوماً وأبداً: “التكاليف هي تبرعاتٌ من فلان وعلتان”، وكأنّ فلان، التقي الورع، يتبرّعُ لسواد عيون الدولة.

أيام “الرفاهية” الزائفة كانت قصيرة… فالشركات الأجنبية التي سمحت لها الحكومة السورية بالدخول ومعها البنوك، واستيراد البضائع الأجنبية، وفتح الأسواق وإبهار الناس بكل جديد، كل هذا أدّى لسحب السيولة من يد الشعب، وخسارة الخزينة للعملات الصعبة… ازداد الفقر ومعه التضخم الاقتصادي وبدأ الانهيار… مع بدء الانهيار بدأت النقمة لدى شريحة واسعة من الشعب الفقير، تمت تغذية هذه النقمة من قِبل “فلان” نفسهُ الذي تبرع لبناء المساجد!!

وتضاعف الفساد!!

هنا بدأ الفساد يضرب سوريا بشكل غير مسبوق، فتضاعفت نسبته ثلاث مرات منذ عام 2003؟ يومها احتلت المرتبة 69 عالمياً، وفق مقياس الشفافية العالمي، ثم بدأ التراجع لتصل عام 2010 إلى المرتبة 127. دخلت سوريا عام 2013 ضمن قائمة أسوأ 20 دولة في الفساد، واحتلت المرتبة 168. في العام 2014 تحسن الوضع قليلاً فاحتلت المرتبة 159 عالمياً، لكنها بقيت ضمن قائمة العشرين.

عام 2016 تراجع الوضع إلى أسوأ مرتبة تحتلها سوريا، فلم يقتصر على قائمة أكثر عشرين دولة بالفساد، بل احتلت المركز 173 وجاءت بعدها ثلاثة دول فقط، اليوم ونحنُ نكتبُ هذا البحث في مركز فيريل للدراسات بقي وراء سوريا الصومال فقط لتحتل سوريا المرتبة 178 عالمياً!!

مَن المسؤول عمّا حدث قبل 2011؟

لا يمكن تحميل مسؤولية ما حدث لشخص واحد هو عبد الله الدردري، صحيح أنه كان يملك كاريزما “عددية” يُبهرُ فيها المسؤولين قليلي الخبرة، وكان مُروّجاً لسياسة الانفتاح “الأميركية” حيث درس الاقتصاد، لكنه لم يكن لوحده، فرئيس الوزراء آنذاك محمد ناجي عطري، ضخّم الوضع قبل التغييرات “المتسرعة” بالقول: (الدولة السورية غير قادرة على التحمل، ولن تستطيعَ أن تبقى أباً للجميع.)، ثم تحدّثَ عن عهد اقتصادي جديد سيتم الانتقال إليه. أي كانت هناك مجموعة كاملة من كبار المسؤولين والأثرياء تسحبُ سوريا نحو الحافة… بعض هؤلاء مازال على كرسيه ملتصقاً!

فيما بعد، بدأ تطبيق القسم الثاني من التدمير، وكلكلم تعرفون ما حدث، بتدخّل تركيا وقطر والسعودية اللواتي كان لهنّ صدر البيت، والعتبة للسوريين الوطنيين.