عن سوريا التي أرهقت العالم

0
33

بلهجة لا تخلو من شماتة، كما لا ينقصها القلق، ربط كثيرون في سوريا بين ما جرى في بريطانيا من قرار مغادرة الاتحاد الاوروبي، والحرب السورية.

الشماتة أحياناً يشوبُها فيضٌ من الأسى حول ما لحق بالعالم، فانتقل من حالة سيئة إلى حالة أكثر سوءا بكثير.

سوريون وغيرهم من المهاجرين أو حتى اللاجئين الذين اكتسبوا الجنسية البريطانية حديثاً، صوتوا لخروج لندن من تحت مظلة الاندماج الأوروبي، منتقمين ضمنياً ربما من شعور «دونية المغتربين» الذي رافقهم حتى اكتساب الجنسية العالمية، وراغبين بتحصينها من «الغرباء»، وبعضهم من ابناء جلدتهم.

رغم ذلك، يعتقد البعض أن تفاقم قوة اليمين في اوروبا سيقدم خدمةً للدولة في سوريا. سيحتاج الساعون للفوز في الحكم بأوروبا المشغولة بهاجس افواج المسلمين القادمة من شرق المتوسط وجنوبه، إلى طرق استعداد لمواجهة هذا الطارئ الديموغرافي، والذي يخفي في وسطه الكثير من هواجس الخوف من المستقبل، ما سيقودهم بلا شك نحو دمشق، التي تمارس سياستها المفضلة في اللعب على حافة الهاوية، رغم أن الهاوية درجات والبلاد في عمقها الآن، إلا أن ثمة ما هو أدنى دوما.

ثمةَ قولٌ ينسب للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد (سبق وتداولناه) خاطب به احد اقربائه المشاكسين كنوعٍ من التحذير «بين الاهل»، منبهاً إياه إلى أن سوريا «مركز استقرار هذا العالم، ومن يعبث بهذا المركز يعبث باستقرار العالم ككل». والمفارقة أن هذا التحذير ارتبط حينها بـ «زعزعة للاستقرار» في شمال سوريا، إِِثر مباراة كرة قدم حامية. الشمال ذاته الآن الذي يعكس الحقيقة المرة التي كانت اشبه ببروباغاندا التسعينيات، وإن ثبتت بالدليل المؤلم الآن.

علماً أن هذا الشمال كان قنبلةً موقوتة على الدوام، بقومياته وعشائره وطوائفه واتجاهاته السياسية بين اليسار وبعثيي العراق وسوريا و «الإخوان المسلمين» ومن هم أكثر تشدداً، اضافة لثرواته الرئيسية من قطن وقمح وبترول، وقربه من خصوم سوريا حيناً طويلاً (واصدقائها حيناً أقصر) كتركيا والعراق، وهو ما كان يدفع الراحل حافظ الاسد، إلى حكمه بقبضة من حديد، متعدياً كل الحساسيات التي نمت مع الوقت، وصيحات المثقفين والعلمانيين الذين وصلوا نازحين أو طلاباً إلى دمشق للاهتمام بـ «تطوير رئة سوريا ورفع مستويات المعيشة والتنمية فيها»، حتى جاء الرئيس بشار الاسد الحكم بداية هذا القرن، وحاول تحسين جزء من موازنات وجهود التنمية نحو ذلك الجزء من سوريا.

لكن الشمال الذي شبهه صحافيون غربيون بـ «الغرب المتوحش» (كمرحلة غياب السلطة القانونية المحكمة في بدايات تكون الولايات المتحدة)، يستمر في توليد نفسه من رحم أزمة تلد أخرى. ومن ابرزها الآن محاولات فرض نظام فدرالي، في باطنه مشروع كردي استقلالي، وفي ظاهره «واجهة من واجهات الحكم في سوريا المستقبل».

حتى وقته، تجري معارك ومعارك، بتسميات وألقاب مختلفة، نجم عنها خمسة ملايين نازح ومهاجر على الاقل، لا يقلون في لبنان الصغير عن مليون وبعدد مشابه في الأردن في تجمع من الخيم اصبح مدينة مؤقتة، وفي تركيا ما يزيد عن مليونين بكثير. ولكن فيما شكّل النازحون إلى لبنان والاردن عبئاً اقتصادياً وامنياً خانقاً، شكلوا في تركيا ورقة ضغط سياسية واقتصادية هامة لحكومة حزب «العدالة والتنمية»، ويوماً ما قد يأتي من يتحدث عن «التكتيك الذي استخدمه قيادو الحزب لابتزاز اوروبا بأدوات من لحمٍ ودم، ولكن بأحلام وآمال كبيرة بالنجاة».

هكذا كانت مراكب التهجير المطاطي إلى اوروبا جاهزةً لنقل ما يقارب من مليون مهاجر ولاجئ عبر البحر كعصا تهديد ديموغرافي واقتصادي، مقابل تحسين شروط التفاوض التركية مع اوروبا، وهو ما جرى عبر اتفاق الجانبين لاحقاً.

لكن موجات اللاجئين، لم تكن صاحبة اثر اقتصادي ديموغرافي فقط على أوروبا، بل حركت بشدة دوافع اليمين وخشيته من اختلاط الاصول مستقبلاً واندماج الغرباء، فتعالت اصوات التعصب والدعوة للانعزال، بما في ذلك دعوة التقلص للدول التاريخية خارج منظومة «الاتحاد». وهذا كان من اسباب السعادة المخفية، التي انعكست تراجعاً ديبلوماسياً لزعماء اوروبا، بـ «محاولة الانقلاب» التركي، والتي بدورها لا يفصلها المراقبون عن الحرب السورية، وتمادي حكومة «العدالة والتنمية» في استغلالها في كل الاتجاهات.

ودخل صراحة ضمن هذا الاستغلال منذ الايام الاخيرة لآذار 2011 رغبة تركية قادتها حركة «الاخوان المسلمين»، وداعيها الشيخ يوسف القرضاوي، لاعطاء الصراع صبغة طائفية، نمت سريعاً بدخول ايران والسعودية متنافستين على خط الازمة، لتتحول الحرب السورية لحرب «جهاد» عالمية، ترخي بظلالها التكفيرية على كل انحاء الكرة الأرضية، بدءاً بأوروبا ووصولاً إلى البرازيل التي اعلنت منذ ايام شكوكها بامكانية حصول اعتداءات مرتبطة بـ «داعش» خلال الالعاب الاولمبية.

وتجاوزاً للجانب الامني، ساهم التنظيم الاخطر عالمياً وربما عبر التاريخ الحديث، والذي جاء نسبياً من تداعيات الحرب السورية، بكشف تصدع البنية الاخلاقية في المنطقة، التي اخفتها البروباغندا الحديثة المتمدنة، وبات تصوير ذبح طفل على يد مقاتلين بالغين في الريف السوري، يثير جدلاً اخلاقياً وقانونياً بدلاً من أن يثير سخطاً عاماً عارماً.

ورافق التحديين الانساني والأمني الاخيرين تحدٍ مالي، تمثل في الإنفاق العام على اللاجئين والناجم عن الحرب السورية وحدها. ووفقاً لأرقام «البنك الدولي»، تكلف جيران سوريا وحدهم حوالي 35 مليار دولار ناجمة عن الخسائر المترتبة من الحرب. ووفقاً لموقع «وورلد فيجون» الاميركي، فإن تكلفة الحرب السورية بلغت 700 مليار دولار، وذلك في حال كانت توقفت بداية هذا العام، وبالنظر لموازنات الحرب المعلنة والتي تركز على الخسائر العامة الواضحة او التقديرية وعلى الإنفاق على اللاجئين، الذي تقوم به الحكومات والمؤسسات الدولية، وهو إنفاق لا ينتهي بانتهاء الحرب، فمن باب التذكير ثمة نصف مليون طفل وطفلة سوريين في لبنان وحده (وفق تقرير لمنظمة «هيومن رايتس واتش») لا يحظون بفرص تعليم، ويحتاجون لكل جوانب التأهيل الممكنة للاندماج العام الآن او لاحقا.

وفي حال تمكن أحدهم يوماً ما من حساب حجم الإنفاق على الحرب بحد ذاتها، ولا سيما الجانب المتعلق بالخسائر العسكرية، فعلى الارجح ستعلن ارقام فلكية، بدءاً بإنفاق الدولة السورية، مروراً بإنفاق حلفائها في روسيا (مليار دولار خلال عام ككلفة تدخل عسكري) وايران (منحت ايران سوريا مساعدات طارئة غير معروفة، وفتحت لها خطا ائتمانيا بملياري دولار دون التنويه بالجهد العسكري المفتوح في الحرب ودون حساب تمويل «حزب الله»)، وصولاً لإنفاق أعدائها، الذي فاق مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة وحدها، ودون حساب تركيا والسعودية، وقطر التي كان أميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني قد قال في 2012 لاحد المعارضين السوريين، إنه «لو اضطر لإنفاق 100 مليار دولار لاسقاط (الرئيس السوري بشار) الاسد فإنه سينفقها».

وربما من السذاجة القول إن هذه الاموال كان يمكن أن تصنع معجزة في محاربة مآسٍ كثيرة في هذا العالم، لو استخدمت لمثل هذه الغاية، ولكن بطبيعة الحال لم يكن بمقدورها أن «تصنع بيزنس كما هو بيزنس الحرب»، ولا سيما في اعتى اشكالها كما هي الحرب السورية.

زياد حيدر -السفير