عن الدور الروسي في سوريا ومفاعيله

0
91

مقدمة: تعتبر سوريا منذ فجر التاريخ عقدة المواصلات العالمية، مؤخرًا طُرح مشروع أميركي لمنطقة الشرق الأوسط، وهناك ضرورة للولايات المتحدة للسيطرة على هذه المنطقة، لتحقيق مكاسب عدة:

الهدف الجيوسياسي: بالنسبة للولايات المتحدة، السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من شمال إفريقيا، المحيط الأطلسي، وحدود الصين بما فيها: باكستان وأفغانستان، تعطي الولايات المتحدة اليد الطولى في تحديد علاقاتها الدولية مع الدول المنافسة، أي: أوروبا وروسيا والصين واليابان.

وبالنسبة لأميركا أيضًا، إن إحكام السيطرة على المنطقة المذكورة، يمكّنها من الفصل بين أوروبا وإفريقيا من جهة، وبين أوروبا وروسيا من جهةٍ أخرى، ومنعها من الوصول إلى البحر المتوسط، والمحيط الهندي.

كذلك تمنع السيطرة على هذه المنطقة، الصين من الوصول إلى المتوسط، الذي يشكل عقدة المواصلات العالمية منذ فجر التاريخ، كذلك تمنعها من تحقيق مزيد من الاختراقات؛ اختراقات في إفريقيا.

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، بدأ الأميركيون منذ تسعينيات القرن الفائت بالتجهيز للإستراتيجية الكبرى، كلاعب الشطرنج الذي يجهز حجارته قبل الهجوم، وبدأت بالتنفيذ مع وصول جورج بوش الابن في العام 2001 إلى الحكم، من خلال الحرب على أفغانستان، تحت ذريعة الرد على الهجوم الذي تعرضت له في 11 أيلول 2001.

لماذا أفغانستان؟

لأنها تضع الولايات المتحدة على الحدود الغربية للصين، وتسيطر على دول آسيا الوسطى وعلى مقربة من سيبيريا والتي تشكل الحديقة الخلفية لروسيا.

أما ضرب العراق، فكان وفق حساباتهم، سيحدث صدمة بما سمّته كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة”، وإعادة رسم جغرافية المنطقة بأقل التكاليف الممكنة، وتشكيل دومينو يُسقط جميع الدول الأخرى التي لا تسير في فلك الولايات المتحدة، غير أنها لاقت مقاومة لهذا المشروع من أطراف عدة.

وعندما وجدت الولايات المتحدة مقاومة لمشروعها، وشعرت بفشل حربها في أفغانستان والعراق، كان لزامًا عليها أن تقيم خطًّا دفاعيًا عن الشرق الأوسط الأصغر الذي يضم البلاد العربية، والأهم أن تمنع وصول أي قوة معادية إلى المتوسط.

فسوريا، تشكل نقطة اختراق روسي- إيراني- صيني لهذا الخط الدفاعي. وإيران من جهة أخرى، اخترقت البحر المتوسط من خلال علاقتها مع سوريا وحزب الله، والمنطقة الممتدة بين فلسطين ومصر من خلال علاقاتها مع فصائل المقاومة الفلسطينية، والبحر الأحمر من خلال العلاقة مع الحوثيين.

فكان الرد الأميركي على هذا التمدد، الذي يعني في حقيقته تمددًا روسيًا- صينيًا، عبر اعتماد ما يسمى بدول الاعتدال العربي وعمادها مصر والسعودية، الأولى بما تمثل من عراقة عربية، والثانية بما تحتويه من قوة مادية وتأثير ديني لمواجهة التمدد الإيراني، ثم أتى الضغط الأميركي على تركيا فانخرطت باللعبة. وكانت سياسة وزير خارجيتها داوود أوغلو واضحة، إذ يؤكد أن السياسة التركية يجب ألا تتناقض مع الدور الغربي في المنطقة. والدور الغربي هو السيطرة الأميركية على المنطقة، وعندما يكون الوضع الأميركي غير مستقر في العراق وأفغانستان، يجب السيطرة على الخط الممتد من تركيا شمالًا عبر سوريا إلى الأردن فالخليج العربي، وهنا تحصر إيران بهضبة إيران وبنفوذ جزئي في العراق.

من هنا، سعت إيران لدى كل من روسيا والصين إلى عدم تخليهما عن النظام في سوريا، لأنه في حال خسر سوريا يعني أنه خسر ورقة حزب الله، كورقة إستراتيجية في الصراع مع إسرائيل وبالتالي تعرّض الأمن القومي الإيراني للخطر، إن بحرب عسكرية أو من خلال إذكاء حركة احتجاجية تحت عنوان إصلاحي، كما حصل في السابق. ولكن سوريا صمدت حتى الساعة، وأفقد الرئيس بشار الأسد دول الغرب كل الأوراق التي يعتمد عليها في الداخل، وصار لدى هذا الغرب تخوّف من استدارة الأسد بشكل كامل نحو دول الشرق.

العلاقة التاريخية بين روسيا وسورية: أندروبوف- حافظ الأسد، وبوتين- بشار.. تاريخ يعيد نفسه…

ليست هي المرة الأولى التي تكون فيها سوريا خط صراع بين الشرق والغرب، كذلك ليست هي المرة الوحيدة التي تتعرض فيها الجغرافيا السياسية السورية لمأزقٍ، كما هو واقع حالها راهنًا، ففي العام 1957، شهدت الحدود الشمالية السورية حشودًا عسكريةً تركيةً بحجة المناورات العسكرية، كان الهدف الحقيقي لها آنذاك صد التدخل السوفييتي، والحظر الشيوعي في سوريا، ولكنها خرجت من هذا المأزق قويةً، بعد وحدتها السياسية مع مصر في العام 1958.

كذلك ما بين العام 1982 و1984، تعرضت سوريا لضغوط أميركية، إثر حوادث تنظيم “الإخوان المسلمين”، المدعوم آنذاك من “نظام صدام” في العراق ومنظمة “فتح” بقيادة ياسر عرفات. في المقابل، تلقت دمشق دعمًا روسيًّا عسكريًّا وسياسيًّا، غير محدود في عهد الزعيم السوفييتي يوري أندروبوف، فتمكن الرئيس حافظ الأسد من شلّ يد هذا التنظيم، بعد دخول الجيش السوري إلى طرابلس في العام 1985، والتي تحولت في حينه إلى “إمارة إسلامية” وملاذًا “للإخوان”، بقصد استهداف الأمن القومي السوري.

في العودة إلى الضغوط المذكورة، في 1983، أطلقت القوات الجوية الأميركية عشرات المقاتلات ضد مواقع الجيش السوري في لبنان، تحديدًا في البقاع، بذريعة أن السوريين أطلقوا صواريخ أرض جو على طائرة استطلاع أميركية. وكانت النتيجة إسقاط المضادات الأرضية السورية روسية الصنع ثلاث طائرات نفاثة أميركية فوق البقاع.

وفي شباط 1984، قصفت الولايات المتحدة أهدافًا سورية في الشوف والضاحية الجنوبية من البارجة العسكرية الحربية “نيوجرسي”، وعادت القوات الأميركية إلى بلادها، بعدما أيقنت إدارتها أن ضغوطها على دمشق غير مجدية، في ضوء استمرار الدعم السوفييتي لها، ولا يمكن أيضًا تخطيها في مختلف الشؤون الإقليمية، لاسيما الشأن اللبناني.

وتاريخ العلاقات القوية بين روسيا وسوريا، يعيد نفسه اليوم مع الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الأسد، فلا جدوى من الضغوط الدولية لإسقاط الدولة السورية، أو تغيير حدودها السياسية في وجود الدعم الروسي لها، غير المسبوق، وفي الوقت الذي تتمسك فيه موسكو بالحكم السوري، وبوحدة الأراضي السورية، وبضرورة مكافحة الإرهاب، على أن يكون للجيش السوري الدور الطليعي في هذا الشأن.

أما بالنسبة، للمناطق الخارجة عن سلطتها، فقد تعود إلى كنف الدولة، إما من خلال عملية عسكرية، أو من خلال مفاوضات سياسية. ومن الواضح أن الجغرافيا السورية باقية على حالها رغم خروج بعض المناطق عن سلطة الدولة في هذه المرحلة، ومن المؤكد أن الدعم الدولي الذي تتلقاه دمشق من أصدقائها، وفي طليعتهم موسكو، سيحول حتمًا دون أي تغيير في خريطتها الراهنة.

التدخل العسكري الروسي المباشر في 2015:

مع بدء الحرب الكونية على سوريا في العام 2011، بدأ الدعم الروسي الدبلوماسي، من خلال استخدام كل من روسيا والصين، حق النقض “الفيتو”، في مجلس الأمن، للتصدي لأي قرار دولي، يتهدد سيادة سوريا، ووحدة أراضيها، ثم استتبع بالدعم العسكري المباشر وغير المباشر. ولم يقتصر الدعم الروسي للجيش السوري على المد اللوجستي وتقديم برامج التدريب، وتبادل المعلومات الأمنية، خصوصًا التي تتعلق بالمجموعات الإرهابية المسلحة، بل تعدى ذلك إلى التدخل المباشر، لعشرات الطائرات المقاتلة الروسية الحديثة من طراز “ميغ” و”سوخوي” في مطار حميميم في اللاذقية، ما عرف يومها “بعاصفة السوخوي” في أواخر أيلول 2015، إضافة إلى وجود وحدات من المشاة في الجيش الروسي، في مناطق معينة من الأراضي السورية.

وكانت المهمة الأساسية الموكلة لهذه الوحدات؛ هي حماية القواعد الجوية والبحرية الروسية في سوريا، على أن توكل مهمات قتال المسلحين التكفيريين إلى الجيش السوري وحلفائه، الذي تم إعداده للقيام بعمليات نوعية لمكافحة الإرهاب، بمساعدة روسية، إضافةً إلى أنه تمرس في قتال المتطرفين والعصابات المسلحة، خلال خمس سنوات خلت من عمر الأزمة.

وقام الطيران الحربي الروسي بتأمين الغطاء الجوي للقوات البرية السورية في المواجهة المتوقعة مع المسلحين التكفيريين، بعد قيام الوحدات الروسية بمهمات “السطع”، أي رصد واستطلاع مقار الإرهابيين، وتحديدها، تمهيدًا لاستهدافها بنيران الجيش السوري.

كذلك حدّثت القوات الروسية الطائرات الحربية السورية، المصنفة من الجيل الثالث للطيران الروسي، وكذلك تطوير الطوافات المقاتلة “ميل مي 24”.

كذلك رجحت معلومات أن يكون الجيش السوري تسلّم من روسيا مقاتلات “فروغ فوت” المخصصة لقتال العصابات، التي استخدمت في أفغانستان، وتم تطويرها للحرب هناك، هذا إضافةً إلى تزويده براجمات للصواريخ، وناقلات جند “بي تي أر” حديثة، وسواها من العتاد اللازم للمهمة المشار إليها أعلاه.

ومن أبرز النتائج للتدخل العسكري الروسي المباشر في سورية: بعدما استنفدت كل الوسائل الآيلة إلى إسقاط الدولة السورية، لاسيما بعد التدخل الروسي المباشر على خط الأزمة، بدأت الدول الشريكة بالعدوان على سوريا بالتراجع عن مواقفها في شأن إسقاط الحكم فيها، ومحاولة التوصل إلى تسوية سياسية مع هذا الحكم، بموافقة من حلفائه، وفي مقدمتهم الروس، على أن تؤمن هذه التسوية المفترضة والمرتقبة، إشراك جهات سورية في “حكومة ما بعد التسوية”، تجسد البعد الخارجي للدول الشريكة في العدوان على سورية.

كيف يتم تحديد متزعمي الإرهاب في سوريا وقنصهم؟

بعد “عاصفة السوخوي”، كانت روسيا تطلق يومًا بعد يوم، المزيد من المفاجآت السياسية والعسكرية في سوريا، أبرزها كان، الزيارات المتبادلة لكل من الرئيسين السوري بشار الأسد، والروسي فلاديمير بوتين لروسيا وسوريا، كذلك اصطياد كبار قادة المجموعات الإرهابية المسلحة في مخابئهم المحصنة بقوة.

بالتأكيد إن لغرفة العمليات العسكرية الروسية- السورية، دورًا كبيرًا في تحديد الأهداف المراد قصفها بالطيران الحربي والصواريخ، خصوصًا مراكز القيادة والتحكم ومخازن الأسلحة ومعسكرات التدريب التابعة للمسلحين التكفيريين.

ولكن الأهم في غرفة العمليات المذكورة، إلى جانب الاستعلام الإلكتروني، هو الاختراق الأمني الروسي للمسلحين، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية السورية، لاسيما التكفيريين القادمين من القوقاز، قبل مجيئهم إلى سوريا، أي تغلغل رجال الاستخبارات بين الإرهابيين في بلدهم الأم ثم مرافقتهم إلى سوريا، وبالتالي تحديد إمكاناتهم لمصلحة غرفة العمليات المذكورة آنفًا، وأسهم هذا الاختراق، في استهداف عدد مهم من متزعمي المجموعات المسلحة على امتداد الأراضي السورية، ما أدى إلى شرذمتها والتضعضع في صفوفها.

تأثير اتفاق “وقف الأعمال القتالية” في سوريا الذي فرضته روسيا

لقد نجح اتفاق “وقف الأعمال القتالية” في سوريا الذي فرضته روسيا، بالتشاور مع الولايات المتحدة، ثم تبنّاه مجلس الأمن الدولي في شباط 2016، في ضرب المجموعات المسلحة ببعضها، وتعميق الانقسام بينها، كون هذا الاتفاق، لا يشمل كلًّا من تنظيمي “جبهة النصرة- فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام” و”داعش” الإرهابيين، والفصائل المسلحة التي تدور في فلكهما. وبموجبه يمنع على أي فصيل “معتدل” التدخل أو مؤازرة المجموعات الإرهابية، عندما يستهدفها الجيش السوري أو الطيران الحربي التابع لروسيا أو قوات التحالف الدولي، فأدى هذا الاتفاق إلى الاقتتال بين مختلف التنظيمات المسلحة، لاسيما بين “داعش” و”النصرة” من جهة، وبين سواها ممن يلتزم بالاتفاق المذكور أعلاه.

وهذا ما حدث فعلًا، في بعض مناطق محافظة حلب، والغوطة الشرقية لدمشق، حيث حاول “جيش الإسلام” فرض الاتفاق على “فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط” القريبين من “النصرة”، بالتالي عدم تقديمها أي شكل من أشكال الدعم للأخيرة، خصوصًا في المناطق، حيث الوجود المتداخل للتنظيمات المذكورة، تحديدًا في “الغوطة”، غير أن بعض وحدات “الفيلق” و”الفسطاط” رفضت الإذعان “لجيش علوش”، واستمرت في مؤازرة “الجبهة”، ما دفع “جيش الإسلام” إلى مهاجمة بعض مقار هذه الوحدات في عددٍ من مناطق وقرى “الغوطة” المحاذية لدوما معقل “جيش الإسلام”، حيث دارت معارك ضارية بين هذه الفصائل، سقط خلالها مئات المسلحين بين قتيلٍ ومصاب.

في الوقت عينه، كان الجيش السوري وحلفاؤه يخططون لتوسيع نطاق “درع العاصمة” دمشق باتجاه الجنوب، وهذا كشفه السيد حسن نصر الله في ذكرى أسبوع الشهيد مصطفى بدر الدين في أيار 2016، فاستغلت القوات السورية الاقتتال الدائر بين المسلحين، وشنّت هجومًا واسعًا على القطاع الجنوبي من “الغوطة”، وسيطرت عليه بالكامل، وحصّنت بذلك حماية أمن مطار دمشق الدولي، والطريق المؤدية إليه.

وعمل الجيش السوري آنذاك، على تثبيت نقاطه ومواقعه في القطاع المذكور، لكي يتمكّن من التقدم في اتجاه القطاع الشمالي، أي نحو دوما وحرستا -في حال أراد ذلك- اللتين استعادهما لاحقًا، في العام 2018.

اجتماع وزراء روسيا وإيران وسوريا في 9 حزيران 2016

لعل أبرز تطورٍ متعلقٍ بالأوضاع في سوريا حتى التاريخ أعلاه، هو الاجتماع الثلاثي الذي عُقد في طهران في التاسع من حزيران 2016، بين وزراء دفاع كل من: روسيا وإيران وسوريا، فهو يؤكد متانة التحالف بين هذه الدول، ويدحض الأقاويل التي تتحدث عن تباين بينهم في مقاربة الأزمة السورية، هذا من الناحية السياسية، أما فيما يتعلق بالشأن الميداني، فمن البدهي أن يكون اجتماع وزراء الدفاع، مخصصًا للبحث في خطط عسكرية جديدة لمكافحة التنظيمات التكفيرية على اختلافها، المنتشرة في سوريا، على أن يبقى اتخاذ القرار بتطبيق هذه الخطط، وتحديد المكان والزمان، إضافة إلى اعتماد الطرق والأساليب العسكرية، في يد القادة الميدانيين.

لهذه الأسباب استخدمت موسكو مطار “همدان”

بعد إقلاع القاذفات الروسية من مطار همدان في إيران في 16 آب 2016، لضرب المجموعات المسلحة المتطرفة في سوريا، لاسيما بعد قيام المسلحين بمحاولة فك الطوق الذي ضربه الجيش السوري وحلفاؤه على الأحياء الشرقية من حلب، الخاضعة لتلك المجموعات، فما كان تأثير استخدام المطار المذكور في الواقع الميداني، وأي رسائل سياسية يحمل؟

أولًا- على الصعيد الميداني، كان الوضع العسكري في حلب آنذاك، يشبه إلى حدٍ كبيرٍ نظيره في ريف دمشق، أي استعادة الجيش السوري للمناطق الخارجة على الدولة، بالسيطرة التراكمية، “قضم كتل الأبنية”، على غرار ما حدث أخيرًا في المشروع “1070” في الشهباء، الذي سيطرت عليه القوات السورية، على سبيل المثال، لا الحصر.

وقبل الولوج في التأثير السياسي والإستراتيجي لاستخدام روسيا لقاعدة همدان الإيرانية، لا بد من الإشارة إلى أن هناك حاجةً لوجستية لذلك، فبالنسبة لطائرات “تو- 22 إم 3″، بإمكانها أن تحمل نحو أربعين طنًا من القنابل، في حال أقلعت من همدان، فيما لا يمكن أن تزيد حمولتها عن ثمانية أطنان، إذا قدمت من روسيا، كذلك يؤدي استخدام القاعدة الإيرانية إلى توفيرٍ كبيرٍ في الطاقة.

ثانيًا- من الناحية الإستراتيجية، يشكل هذا الحدث، أي استخدام روسيا للمطارات الإيرانية، ارتقاءً في التنسيق بين البلدين، قد يصل إلى تحالفٍ إستراتيجي، لإعادة رسم الجبهة في المنطقة، ومواجهة الحلف الغربي فيها، وبداية بناء “إمبراطورية أوراسيا”، من خلال تعميق التحالف بين موسكو وطهران.

إذًا، لا ريب أن استخدام روسيا للقواعد الجوية الإيرانية، هو بداية انخراط موسكو في حلف مع طهران، وإعلان تخليها عن دورٍ حياديٍ، كانت تحاول أن تؤديه في المنطقة، تجاه مختلف الأفرقاء الدوليين والإقليميين، لاسيما من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، ولكن بعد انطلاق القاذفات الروسية من همدان، يبدو أن الروس، يئسوا من إتمام أي تعاون مع الأميركيين، خصوصًا بعدما أعطت روسيا فرصة نجاح هكذا تعاون، من خلال فرض الهدنة في شباط 2016 في سورية.

محاولة “الأطلسي” إقامة حزام أمني في سوريا لردع روسيا.. فماذا كان ردها؟

كادت السلطات الأردنية تقدم على إقامة “حزامٍ أمني” في الجنوب السوري، لاسيما ضمن الحقبة الممتدة بين الأعوام (2016- 2018) وكانت إمكانية تحقيق ذلك، متاحة أكثر من الحلم التركي بفرض “منطقة عازلة” في الشمال في وقتٍ من الأوقات، ولو اختلفت الأهداف، فالمملكة كانت تسعى إلى حماية حدودها، بعدما تعرضت لأعمالٍ إرهابية، وقد تتعاون مع “إسرائيل” لتعزيز أمنهما على الحدود المشتركة مع سوريا، ما يسهم في سرعة إتمام المهمة، في حال أرادت عمان تنفيذها، فيما لم تألُ أنقرة جهدًا عبر سنوات الأزمة السورية من السعي إلى تحقيق هدفها المنشود، أي إقامة “منطقة آمنة”، لنقل النازحين السوريين إليها، لتتحول بعدها إلى بؤرة أمنية للجماعات المسلحة، للإمعان في ضرب الاستقرار السوري، ليصل لظاها بعد ذلك إلى لبنان الشمالي.

ومن المستحيل ضبط الجماعات المسلحة المنتشرة على الأراضي السورية بقبضةٍ حديدية، لأن غالبيتها مؤلفة من مجموعات صغيرة مشتتة ومتناحرة، بينها صراع نفوذ على الأزقة والزواريب، لذلك لا يمكن لأي جهة إقليمية أن تدّعي أنها قادرة على السيطرة على أنشطة تلك الجماعات. ورغم المتاعب التي تواجهها الدول التي أقدمت على فرض “حزامٍ أمنيٍ” على أراضي دول مجاورة، وما شاكل، على غرار الشريط الحدودي الذي فرضته “إسرائيل” في لبنان، غير أن المملكة الأردنية أقدمت على اتخاذ خطوةٍ عملانية في هذا الشأن، لحماية أمنها القومي، بالتالي لم تعد تسمح بدخول المسلحين من سوريا إلى أراضيها، حرصًا على عدم تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية لديها.

في الانتقال إلى الشمال السوري، حيث كان يسعى الحلف الأطلسي إلى فرض “حزام مماثل”، أو “كوريدور كردي، من خلال تدخل “الأطلسي” المباشر إلى جانب “وحدات حماية الشعب الكردي” في قتالها مع تنظيم “داعش”، لاسيما في منطقة منبج في ريف حلب الشمالي. وكان الهدف من إنشاء هذا الحزام، هو الالتفاف على الدور الروسي في سوريا ومحاصرته بالدرجة الأولى، بالتعاون مع تركيا، كذلك يدخل في عملية الصراع القائم على وحدة سوريا أو فدرلتها وتفتيتها فيما بعد.

فتجلى الرد الروسي وقتها، من خلال المساعي والجهود التي بذلتها موسكو، لإنجاح العملية السياسية في سوريا، كذلك تحكّمت أيضًا التطورات الميدانية، بالموقف الروسي، وكان يأتي متناسبًا مع التصعيد الذي كان يقدم عليه الغرب.

وكانت كل المؤشرات والوقائع الميدانية، تؤشر إلى سعي واشنطن إلى فرض الجيب الكردي شرق نهر الفرات، لتعزيز حضورها في سوريا، وفي المفاوضات في شأنها، وأتى الهجوم الذي شنّته “قوات سورية الديمقراطية” في بداية صيف 2016 على منبج في الريف الشمالي بدعم أميركي مباشر، لربط الكونتون الكردي ببعضه، ولتحقيق نصر معنوي سياسي للأكراد، يصرف لاحقًا على طاولة التفاوض السياسي.

الرد الروسي على محاولات فدرلة سوريا أو تقسيمها

ما هي أهداف “لقاء موسكو”؟

كل التحليلات الصحافية والحوارات الإعلامية التي تتحدث عن أن التسوية المرتقبة للأزمة السورية، ستكون على غرار اتفاق الطائف 1990 الذي وضع حدًّا للحرب اللبنانية، وتم فيه تقاسم السلطة على نحوٍ “فدرالي- طائفي”، غير واقعية، ولا تنطبق على الواقع السوري، وهي مجرد “أمنيات” لدى بعض الجهات الإقليمية وأتباعها في الداخل السوري، ليس لها أي مقومات على الأرض في الوقت الراهن، لاسيما أن مؤسسة الجيش لاتزال قويةً ومتماسكةً وبإمكانها الحفاظ على وحدة الدولة، رغم سيطرة المسلحين الآنية على بعض المناطق.

يذكر أن التمثيل المذهبي يراعى في تشكيل الحكومات السورية، ولكن ضمن خط إستراتيجي واحد، أي عدم تمثيل أي فصيل سياسي له ارتباطات خارجية، أو معادٍ لنهج الدولة الممانع، كتنظيم “الإخوان المسلمين”، على سبيل المثال.

“لقاء موسكو”: جمع ممثلين عن الحكومة والمعارضة، ويُسجّل في ذلك نجاح للدبلوماسية الروسية في جمع السلطة والمعارضة، وتقديم الصورة السياسية التي يمكن المتابعة فيها، فيما كانت لقاءات جنيف أقرب إلى “جلسات محاسبة”، ولكن الحوار في موسكو، كان بمثابة مواجهة سياسية، بغض النظر عن النتائج المباشرة لما قدمته وسط العنف والإرهاب على الأرض السورية، في حينه.

وما قامت به الدبلوماسية المذكورة، هو تثبيت أمر واقع للحكومة السورية، ووضعها في سياق مسار سياسي مع الأطراف الأخرى، ما يؤدي إلى تشكيل واقع مختلف ينهي موضوع الصراع على “النظام السياسي”، ويدخل في عملية “فض الاشتباك” بين دمشق والمجتمع الدولي.

بالتالي، فإن أي تفاهم يمكن أن تتوصل إليه المعارضة مع الحكومة السورية، سينتقل إلى المحافل الدولية وفق مشروع روسي بالدرجة الأولى لإنهاء الأزمة السورية، فموسكو تريد بناء حالة سياسية يمكن الاستناد إليها لتقديم “أجندة” تنهي مسألتين أساسيتين: مشروعية النظام السياسي، والمسألة الثانية حالة الحصار على الدولة السورية التي يمكن اعتبارها شرطًا أساسيًّا لمشروع مشترك من أجل محاربة الإرهاب.

وظهر في حينه رهان روسيا في محاولة إنجاز شراكة بين المعارضة والسلطة، ووضع الطرفين أمام استحقاقات برنامج سياسي، ودعم الدولة في مواجهة الإرهاب، ما سيعزز من طبيعة الدور المستقبلي للدول في ضمان الأمن الإقليمي.

ويمكن وصف “لقاء موسكو 2014” بأنه “خطوات إجرائية متتالية للوصول إلى اتفاق سياسي” في حينه.

وعن فرضية تقسيم سوريا، تعقيبًا على كلام الرئيس الروسي عن تخوفه من أن يحل “بالجارة الأقرب” ما حلّ بليبيا، أعلنه في أواخر العام 2014، فكان هذا الإعلان أقرب إلى تثبيت موقف، أعلنه قبلًا وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، “أنه لولا الفيتو الروسي، لتحولت سوريا إلى دويلاتٍ، كما هو الحال في ليبيا”.

ولا بد أن نذكر هنا أن الوقائع الميدانية والهواجس الإقليمية المتمثلة في رفض كل من العراق وإيران وتركيا لمبدأ التقسيم، تجعل من هذا السيناريو الذي أراد الأميركيون تحقيقه في بداية الأزمة السورية نوعًا من الأوهام التي يبيعونها للأكراد لكسب ولائهم.

وما يؤكد أيضًا ثبات الموقف الروسي تجاه سوريا، هو تمسك بوتين بخيار دعم الرئيس بشار الأسد.

الجهود الدبلوماسية والسياسية والاجتماعية الروسية

وفي السياق عينه، أولت روسيا اهتمامًا كبيرًا للتوصل إلى حلٍّ للأزمة السورية، ولهذه الغاية ركزت جهودها الدبلوماسية والعسكرية وسياستها الاجتماعية أيضًا، وتوزع المهمات على الشكل الآتي: بالإضافة إلى لجوء موسكو لاستخدام حق النقض “الفيتو” للتصدي في مجلس الأمن الدولي، للتصدي لأي قرار، يتهدد السيادة ووحدة الأراضي السورية، آخرها كان في 8 تموز 2020، فقد أجهضت روسيا والصين مشروع قرار في مجلس الأمن يمدد العمل بآلية إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا لمدة عام، قدمته ألمانيا وبلجيكا، ويسمح بدخول المساعدات عبر منفذين حدوديين مع تركيا. وقدّمت روسيا مشروع قرار بديلًا يمدد العمل بالآلية لمدة ستة أشهر فقط، وعبر منفذ حدودي واحد مع تركيا، هو منفذ “باب الهوى”. بالإضافة إلى ذلك، كانت تتولى وزارة الخارجية الروسية الاتصالات اللازمة بالدول ذات الصلة بالأزمة المذكورة، خصوصًا الدول المتورطة بدعم المجموعات المسلحة، في محاولةٍ لإيجاد مخارجٍ تحفظ ماء وجه هذه الدول، ودفعها إلى دعم العملية السياسية، كذلك تضع موسكو اتصالاتها مع الدول والأطراف الحليفة لدمشق، لتدوير الزوايا بين مختلف الجهات، من أجل الإسهام في بلورة رؤى مشتركة، تخرج سوريا من النفق الأسود الذي أدخلت به منذ نحو عشرة أعوام.

وكان السلاح الأمضى والأكثر فعالية في تطويق الأزمة، من خلال اعتماد روسيا لسياسة اجتماعية توفيقية بين المكونات السورية، مرتكزة على تعميم ثقافة الحوار، والتقريب في وجهات النظر بينها، والتشجيع والإسهام في عقد المصالحات، ومن أجل ذلك، أنشأت مركز التنسيق والمصالحات في قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية.

وتصب مختلف هذه الجهود المذكورة في هدفٍ واحدٍ، وهو وقف دوامة العنف وإطلاق عملية سياسية في سورية.

وقبيل انعقاد مؤتمر “جنيف 3” في 25 شباط 2016، أنجز “مركز حميميم” مصالحات عديدة في مناطق مختلفة وعلى امتداد الجغرافيا السورية، وأسهم في تشكيل هيئة من المعارضين المستقلين وشيوخ المصالحات وشخصيات عن المجتمع المدني، شاركت عبر وفدٍ ممثلٍ عنها في لقاء جنيف، بدعمٍ روسيٍ واضح.

يذكر أن الممثلين عن لقاء “حميميم” غادروا سوريا إلى موسكو ومنها إلى جنيف.

وعن أسباب ذهاب الوفد إلى موسكو كمحطة أولى قبل جنيف، أوضح يومها أحد المشاركين في الوفد المعارض أن هناك سببين دفعا الوفد إلى التوقف في روسيا، الأول هو قانوني من حيث الشكل، فلا يوجد سفارة سويسرية في دمشق، بالتالي لا يحق للوفد دخول سويسرا، قبل الحصول على سمة دخول “فيزا”، كذلك علمنا أن السفارة السويسرية في بيروت لا تعطي “سمات” للسوريين في الوقت الراهن، لذلك توجه الوفد إلى موسكو، حيث قدمت له كل التسهيلات اللازمة من سفارة سويسرا في روسيا، لدخول أراضي الأولى.

أما السبب الثاني، فهو لوجستي، ويتعلق بالنقل، فقد سلكت الطائرة التي أقلّت الوفد الخط الجوي بين حميميم وموسكو.

وعن أجواء لقاء جنيف المذكور، وصف المشاركون فيه، الأجواء بالإيجابية، رغم التصعيد الإعلامي الحاصل بين ممثلي وفدي الحكومة السورية و”معارضة الرياض” في حينه، مؤكدًا أن هناك تقدّمًا على صعيد تمثيل المعارضة الوطنية، وإبراز حسن النيات بين مختلف الأطراف المشاركين.

وكشف المشاركون أن الموفد الأممي إلى سوريا ستيفان ديمستورا عقد وقتها، لقاءات مع المعارضين هيثم المناع وقدري جميل، في إشارة إلى رفض محاولة “وفد الرياض” طرح نفسه كممثل وحيد عن المعارضة، في وقت فرضت فيه المعارضة في الداخل نفسها كطرف أساسيّ في العملية السياسية، بدعم روسي كبير.

إذًا، خلافًا لكل الصخب الإعلامي والأقاويل حول الانسحاب العسكري الروسي الجزئي من سوريا في العام 2016، على أنه تخلٍّ عن الرئيس بشار الأسد، بل إن الروس يعززون حضورهم في الشرق الأوسط، وخصوصًا في سوريا، ولو بطرقٍ مختلفة. (سياسية واجتماعية).

وتأكيدًا على الدور السياسي والدبلوماسي والاجتماعي الروسي في المنطقة، كانت تتسع يومًا بعد يوم دائرة الحوار في سوريا، لتشمل أكبر طيف من مكوناتها المؤمنة بالحل السياسي ومكافحة الإرهاب، طريقًا لإنهاء الأزمة الراهنة، علّ الخطوة الثانية، بعد تعميم الحوار وقبول الآخر، تكون استكمالَ المصالحات لتعم أكبر قدر ممكن من التيارات والمناطق المنفتحة على ذلك، بفضل الجهود الروسية الرامية إلى وقف دوامة العنف في الجارة الأقرب، وإعادة بناء سوريا الجديدة، المرتكزة على دستورٍ جديدٍ، يؤمّن الشراكة السياسية بين مختلف مكوناتها، وأسهمت القيادة الروسية من خلال مركز “حميميم للمصالحة” في قاعدتها العسكرية في اللاذقية، الذي يقوم بجهدٍ كبيرٍ، للحدّ من الصراع المسلح، كذلك تفعيل الحياة السياسية والحزبية في المجتمع، من خلال دعوة مجموعة من رجال المصالحة الوطنية وسعاة التهدئة إلى “القاعدة”، لاستشراف آرائهم وتطلعاتهم، للتوصل إلى تصورٍ مشتركٍ للحل المرتجى.

وكان من أبرز الحضور، الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني من أجل سوريا علمانية، والناطق الرسمي باسم هيئة العمل الوطني السوري المعارضة إليان مسعد، الذي شدّد بدوره على ضرورة صوغ دستور جديد عصري للبلاد، والعمل على تأليف لجان مختصة بذلك، كبداية حل، يتبع ذلك إجراء انتخابات تشريعية حرة، إضافة إلى المضي في استكمال المصالحات.

ويبدو أنه وفقًا للرؤيا الروسية لحل الأزمة، فإن سوريا لن تدرك السلام، قبل توافق الأطراف الفاعلين في الأزمة على صيغة تشاركية في الحكم، قبل الذهاب إلى البحث في دستور عتيد. بذلك فإن الطريقة الفضلى، لدفع التنظيمات المسلحة المصنفة دوليًا “بالمعتدلة” إلى إلقاء سلاحها، وعدم استغلالها من أعداء سوريا وتوظيفها في مشاريعهم في المنطقة، هي إدخال هذه التنظيمات في المصالحات والوطنية ثم مشاركتهم في الحلول، إذا تسنى ذلك.

وفي السابع من آذار 2016، عقد في قاعدة حميميم اجتماع لنحو 40 شخصية سورية من مختلف الاتجاهات، دارت بعض النقاشات وتبادل للآراء، وخرجوا بعدها ببيان حمل اسم القاعدة الروسية “حميميم”، ركز على المشاركة بالجولة الثانية من مفاوضات “جنيف3″ ضمن ما وصفوه بـ”حوار سوري- سوري”.

وأكد الموقعون على قبول شروط البيان المشترك من روسيا والولايات المتحدة كعضوين مشاركين في المجموعة الدولية لدعم سوريا بشأن وقف إطلاق النار ودعم التسوية السياسية.

واتفق الجميع على استحالة إنهاء الأزمة السورية “عسكريًا”، مشددين على ضرورة إيجاد حل سياسي ينقذ البلاد من حرب أحرقت الأخضر واليابس على حد تعبيرهم.

لاريب أن هذه الخطوة الروسية مهمة جدًا في رحلة التسوية السياسية المرتجاة للأزمة السورية، خصوصًا أن المعارضين المشاركين في لقاء حميميم مقيمون على الأراضي السورية، ومنفتحون على الحوار، ومستعدون لتعميم المصالحات.

ومهّد “هذا اللقاء إلى إطلاق جبهة سياسية برعاية روسية، شاركت في جولات الحوار اللاحقة، لاسيما في جنيف، وفي هذا الصدد أيضًا، يسجل نجاح اللقاءات التي عقدها الموفد الأممي إلى سوريا ستيفان ديمستورا مع المعارضين هيثم المناع وقدري جميل، في إشارة إلى رفض محاولة “وفد الرياض” طرح نفسه كممثل وحيد عن المعارضة، في وقت فرضت فيه المعارضة في الداخل نفسها كطرف أساسي في العملية السياسية، بدعم روسي كبير.

لقاءات سوتشي 2017: نهاية “داعش” وإخراج السعودية من المعادلة

جاء انعقاد اللقاء بين الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين في سوتشي في 21 تشرين الثاني 2017، بعدما استعاد الجيش العربي السوري وحلفاؤه مدينة البوكمال الواقعة قرب الحدود السورية- العراقية، وفرض السيادة السورية على هذه الحدود، وإعادة وصل الخط الإستراتيجي الممتد من طهران إلى بيروت؛ مرورًا بالعراق وسوريا، وقد تم إعلان ذلك من قبل كل الجهات الروحية والرسمية والعسكرية في إيران، وأيضًا من قبل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والذي حسم موضوع نهاية “دولة تنظيم داعش” الإرهابي تحت وقع ضربات محور المقاومة. وفي السياسة، سبق هذا الاجتماع صدور بيان وزراء الخارجية العرب الذي ندّد “بميليشات إيران في المنطقة” ووصف حزب الله “بالإرهابي”، لتدخله العسكري في عدد من الدول العربية، حسب هذا البيان.

إذًا لاريب أن هذا اللقاء في سوتشي بين الرئيسين الأسد وبوتين يؤشر إلى بدء مرحلة ما بعد “داعش”، حيث سقطت معها جميع المراهنات الإقليمية والدولية على سقوط الدولة السورية، وعلى تقسيم أراضيها، من هنا صعّدت الدول الخليجية من مواقفها، كما ورد آنفًا، بعدما ضاق الهامش الميداني في الجارة الأقرب أمام المحور المعادي للمقاومة، ولم يعد قادرًا على التأثير في الشؤون الداخلية السورية، بالتالي فُتحت الآفاق أمام السوريين وحدهم دون سواهم، لتقرير مصيرهم ومستقبلهم.

والملفت أيضًا أنه سبق هذا اللقاء، اجتماع بين بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المكان عينه خلال الأسبوع الذي سبق لقاء الأول بالأسد، وكان “الطبق الأدسم” الحاضر على طاولة البحث، هو الملف السوري، والتعاون الروسي- التركي مع المستجدات الأخيرة، أي نجاح محور المقاومة في إسقاط “خلافة داعش”.

وفي الوقت عينه، أعلن رئيس الهيئة العليا السورية للمفاوضات رياض حجاب، استقالته من منصبه في هذه الهيئة التي تعد أوسع جسم يمثل المعارضة السورية. جاءت الاستقالة قبل يومين من انعقاد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض بدعم من السلطات السعودية، التي انتهجت على مدى سنوات الصراع في سوريا سياسات لدعم معارضين مناهضين للرئيس الأسد.

وتبع استقالة رياض حجاب، انسحاب عدد من الشخصيات البارزة من المعارضة السورية مثل سهير الأتاسي، جورج صبرا، ورياض نعسان آغا، معتبرين أن تهميش دور الهيئة في مؤتمر الرياض هو السبب وراء انسحابهم.

ولم ينجح وقتها لقاء المعارضة الذي انعقد في الرياض في التوافق على وفد موحد يمثلها في اللقاءات المرتقبة، لاسيما لقاء جنيف المزمع أواخر تشرين الثاني من العام عينه، ثم لقاء سوتشي في كانون الأول، بسبب الخلافات التقنية بين منصة موسكو الممثلة وبين “الهيئة العليا للتفاوض” التي لم يصار إلى حلها.

وتعكس استقالة حجاب ومن معه، عدم قدرة السعودية في التعاطي مع الملف السوري.

جولات أستانة التفاوضية:

إلى جانب لقاءات جنيف التفاوضية، انعقدت في العاصمة الكازاخستانية جولة من المفاوضات غير المباشرة بين وفدين يمثلان الحكومة السورية وما يسمى “بالمعارضة المعتدلة”، وذلك في كانون الثاني من العام 2017، برعاية روسية- إيرانية- تركية، واتخذت هذه المفاوضات طابعًا أمنيًا.

ومن أهم خلاصات اللقاءات السابقة، الحديث عن ضرورة الإفراج عن المعتقلين، وتحديد مناطق خفض التوتر.

وتوصلت وفود روسيا وتركيا وإيران إلى اتفاق على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في سورية.

اتفاق سوتشي (منطقة خفض التصعيد) أيلول 2018

اتفاق سوتشي (خفض التصعيد)، على إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15- 20 كيلومترًا في محيط إدلب بين رؤساء كل من: روسيا وإيران وتركيا، غير أن الأخيرة لم تلتزم تطبيقه، من خلال الضغط على الجماعات المسلحة التي تدور في فلك أنقرة، للكف عن الاعتداءات المسلحة على مواقع الجيش السوري، حتى المشافي لم تسلم من هذه الاعتداءات، كان آخرها، استهداف مشفى في مصياف في ريف حماه الغربي، وقع ضحيته مرضى وأطباء في الأيام القليلة الفائتة.

ولاريب أن تطبيق الاتفاق دونه صعوبات جمة، خصوصًا أن المجموعات المسلحة في إدلب، هي فصائل متنافرة متناحرة، تعيش حالًا من الصراع الدائم على النفوذ والغنائم. ولكن تبقى تركيا هي المسؤولة عن الخرق المستمر لهذا الاتفاق، كونها تعهدت بالعمل على تطبيقه أمام روسيا وإيران، وبدا جليًّا أن موسكو غير راضية عن الأداء التركي في سوريا، من خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، في الثامن من نيسان 2019، حيث شدد الأول على أنه من غير المقبول تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ، وأكد حل مشكلة إدلب والقضاء على جميع التنظيمات الإرهابية فيها، لأن ذلك يمثل شرطًا لتهيئة الظروف المواتية للعملية السياسية في سوريا، بعد أن حاول أردوغان طرح سيناريو مشابه لاحتلاله عفرين وجرابلس في إدلب وشرق الفرات.

ولكن بقي اتفاق سوتشي مجرد إعلان ليس إلا، خصوصًا بعد الخروقات المتكررة من المجموعات المسلحة، وبمثابة محطة، لتأكيد حضور الدول المعنية به على خط الأزمة السورية. ومن المسلم به، أن لا حل لوضع إدلب الراهن، والانتهاء من سيطرة جبهة “النصرة”، التي أُنشئت جراء تقاطع استخباراتي دولي، إلا من خلال حل سياسي شامل لسوريا، وربما في المنطقة ككل.

اتفاق موسكو: آذار 2020

توصل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، خلال لقاء قمة عُقد في موسكو في الخامس من آذار 2020، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب. وجاء الاتفاق، الذي قدِّم بوصفه ملحقًا لاتفاق سوتشي لعام 2018.

بنود الاتفاق: اشتمل الاتفاق، على ثلاث نقاط رئيسية هي: وقف إطلاق النار ابتداء من منتصف ليلة 6 آذار 2020، وإنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولية حلب- اللاذقية “إم 4″، بعمق ستة كيلومترات شمال الطريق ومثلها جنوبه، وبدء تسيير دوريات مشتركة روسية- تركية على الطريق المذكورة.

ونص الاتفاق على التزام البلدين بسيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها، ومكافحة الإرهاب، والقضاء على “الجماعات الإرهابية فيها على النحو الذي حدده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”، ومنع تهجير المدنيين وتيسير العودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين إلى أماكن إقامتهم، وعلى أولوية الحل السياسي بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم 2254، لعام 2015.

الدور الروسي في حماية حقول الغاز السورية وإعادة تنشيط خطوط التجارة بعد “قيصر”

بعد تطبيق “قانون قيصر الأميركي”، لإضفاء المزيد من الضغوط، تحديدًا الاقتصادية والمعيشية، على الشعب السوري، في محاولةٍ لتأليبه على دولته وقيادتها، علّ أن تحقق واشنطن، من خلال ذلك، ما عجزت أن تحققه بالحرب الناعمة في سوريا في الأعوام التسعة الفائتة، وقبلها بالحصار الاقتصادي في ثمانينيات القرن الفائت، لدفعها إلى التخلي عن دعم حركات المقاومة، خصوصًا في لبنان وفلسطين، وفك ارتباطها مع إيران، لمنع تشكيل محور المقاومة الممتد من طهران، مرورًا بالعراق وسوريا، وصولًا إلى بيروت. ودفعها أيضًا إلى تقديم تنازلات في أي تسوية سياسة مرتقبة، لإنهاء الأزمة الراهنة، تتناسب مع مصالح واشنطن وتل أبيب في المنطقة.

ولكن الوضع بعد الانتشار الروسي الكبير على امتداد الساحل السوري، ليس كما قبله، وهو يتخطى الأبعاد العسكرية، وقد يسهم هذا في تخفيف الضغوط المذكورة، فقد تحولت سوريا إلى معسكر ضخم، للتحالف السوري- الروسي- الإيراني، وقد يؤدي “قيصر” إلى المزيد من تعميق هذا التحالف، والتعاون العسكري، بين أطراف هذا التحالف”. وقد يسهم الانتشار العسكري الروسي على الساحل السوري، بإنشاء منشآت، أشبه بمناطق حرة، للتخفيف من الأعباء الاقتصادية عن كاهل الشعب السوري.

بالإضافة إلى ما تقدم، تساعد القوات الروسية، حليفتها دمشق، في حماية حقول الغاز الطبيعي والمياه الإقليمية السورية، إضافة إلى حقل الشاعر في ريف حمص الشرقي، وحقلي قارة والبريج في القلمون في ريف دمشق، من خلال تعزيز انتشارها العسكري في المناطق المحيطة بهذه الحقول.

كذلك عزز الجيش الروسي تواجده، في المنطقة الشرقية في سوريا، بهدف فتح خطوط تجارية بين المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال والشرق السوري، ومناطق نفوذ الشرعية السورية فيها، من أجل إدخال السلع الاستهلاكية إلى أسواق الحسكة والقامشلي في شكلٍ خاص، لتخفيف الضغوط المعيشية عن الشعب السوري. وقد يمهّد هذا الأمر، إلى إعادة تنشيط الحركة التجارية بين سوريا وتركيا، في مرحلة لاحقة، أي ما بعد التسوية المرتقبة، لإنهاء الأزمة الراهنة.

حقيقة “الخلاف” السوري- الروسي- الإيراني؟

كان ملفتًا في الآونة، ترويج بعض وسائل الإعلام، “أخبارًا” عن خلافات سورية- روسية، وإيرانية- روسية أيضًا، تلا ذلك مباشرةً، إثارة موضوع المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا، في وقتٍ بدأت فيه الحكومة اللبنانية، أولى جولات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، في خطوة تأمل منها الحصول على دعم مالي ملحّ للخروج من دوامة انهيار اقتصادي متسارع. والمفارقة أن كل ذلك، جاء قبل أيامٍ من تطبيق الولايات المتحدة الأميركية “قانون قيصر”، الذي ينص على فرض عقوبات على كل من يتعامل مع الحكومة السورية أو يوفّر لها التمويل، بما في ذلك أجهزة الأمن، والمصرف المركزي السوري، من أجل ممارسة المزيد من الضغوط على الشعب السوري، في محاولة لتأليبه على دولته، لإضعافها، ودفعها إلى تقديم تنازلات في أي تسوية، قد تعقد لإنهاء الأزمة في سوريا والمنطقة، أو أبعد من ذلك، فقد يكون الهدف الأميركي، هو إسقاط هذه الدولة برمتها، بعد نجاح الجيش العربي السوري وحلفائه، في استعادة غالبية أراضي البلاد من المجموعات الإرهابية المسلحة.

أما في شأن الحديث عن خلافات داخل الحلف الإستراتيجي لمحور المقاومة مع روسيا، فإن كل هذه الضجة الإعلامية حول هذا الموضوع، تأتي في سياق تمهيدي، لبدء تطبيق قانون “قيصر” الأميركي، وهي مجرد “بروباغاندا” تمهيدية له، الذي يطول الشركات والأشخاص التي تقيم علاقات تجارية وغير تجارية مع سوريا، وذلك لترهيب كل من يحاول الالتفاف على الحصار الأميركي على سوريا المستمر منذ نحو تسعة أعوام. بالتالي فإن الكلام عن خلافات روسية- سورية، لا يرتقي إلى مستوى الجدية، فهل يعقل أن يقع خلاف روسي مع رأس الدولة السورية، في وجود وحدات عسكرية روسية على الأراضي السورية، تقوم بالتنسيق الكامل مع الجيش السوري في مختلف عملياتها، في وقت قدمت فيه موسكو سربًا من طائرات “ميغ 29” في مطلع حزيران 2020.

أما بالنسبة للموضوع الإيراني، فالهدف الأميركي والإسرائيلي هو إخراج إيران وحزب الله من سوريا وهو ما أعلنوا عنه مرارًا.. يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يعقد صفقة مع الروس، يعطي بموجبها النفوذ الأكبر في سوريا مقابل إخراج الإيرانيين. علمًا أن الرئيس الروسي -ولو كان واقعيًا يتمنى حصول هذا الأمر- إلا أن الوجود العسكري الإيراني مع الحلفاء مرتبط بانتهاء المعارك الميدانية من ناحية، وبقرار القيادة السورية صاحبة السيادة من ناحية أخرى.

بناء على ما ورد آنفًا، فإن التطورات توحي بأن المنطقة بأسرها، هي مرحلة انتظار، كل من الأفرقاء المعنيين في الصراع فيها يحتفظ بأوراق قوته لغاية ولوج تسوية الأوضاع فيها، أو حتى الذهاب نحو المزيد من التصعيد، أي الحرب، التي لن تكون على غرار عدوان تموز 2006 هذه المرة، بل سيخوضها محور المقاومة مجتمعًا، والدليل على ذلك، عندما هبّ هذا المحور بكل مكوناته للدفاع عن سوريا، وهذا خير مثال.

دراسة نشرت في مجلة “تحولات مشرقية” الفكرية:

حسان الحسن – صحافي –