على خلفية “قيصر”.. هل تذهب سورية إلى المجاعة ؟

0
215

 تشير التقديرات إلى أن العقوبات الأمريكية الجديدة على سورية والتي تعرف باسم “قانون قيصر” ستؤدي إلى حدوث مشاكل كبرى في الاقتصاد السورية لن تكون الحكومة السورية قادرة على مواجهتها بشكل منفرد، وأهم هذه المشاكل ستظهر في صعوبة تأمين المواد الأولية لتصنيع الخبز الذي يعتمد عليه السوريون بشكل أساسي، الأمر الذي سينتج عدة عوامل، أهمها أن الحكومة السورية تعتمد في استيراد القمح على شركات تمتلك حسابات بنكية في المصارف اللبنانية لتنفيذ العمليات التجارية مع الشركات الأجنبية، وبنتيجة المشاكل التي تشهدها المصارف اللبنانية مع احتمالية فرض عقوبات من قبل الحكومة الأمريكية على أي بنك يتعامل مع طرف يدعم الحكومة السورية، فإن مثل هذه العمليات قد تتوقف بشكل نهائي خلال الأشهر القادمة.

المشكلة الأساسية في تأمين القمح في سورية، تأتي من كون ٨٠% من الإنتاج المحلي يزرع في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، وكانت الحكومة السورية قد فشلت في سياستها القائمة على طرح سعر أعلى من السعر الذي طرحته “الإدارة الذاتية”، المعلنة من قبل “قوات سورية الديمقراطية”، في مناطق شمال وشرق سورية، ففي حين أن دمشق طرحت سعراً يبلغ ٤٠٠ ليرة سورية للكيلو الواحد من القمح دون التوجه لشراء أي كمية من الشعير، فإن “قسد”، طرحت مبلغ ١٧ سنتا أمريكياًُ للكيلو الواحد بما يتلائم وسعر صرف الدولار الأمريكي ويسهل عملية الشراء بالنسبة لها لكونها الجهة التي طرحت السعر الاعلى “٤٥٠ ليرة سورية تقريبا”، مع منعها لخروج القوافل المحملة بالقمح من مناطق سيطرتها، الأمر الذي سيخلق حتما مشكلة في تأمين واحدة من أهم المواد الأساسية بالنسبة للمواطن السوري.

بحسب توقعات منظمة الأغذية العالمية فإن كمية إنتاج القمح خلال الموسم الحالي في عموم المناطق السورية قد تصل إلى ٢.٦ مليون طن، فيما تتوقع منظمة “إيسكو”، التابعة للأمم المتحدة أن يصل الانتاج إلى ٣ مليون طن، إلا أن الحكومة السورية لن تكون قادرة على شراء أكثر من ربع الكمية المنتجة، بعد أن كانت في موسم العام الماضي قد اشترت ما يقدر بـ ٥١% من كمية الانتاج لكونها طرحت سعراً منافساً لـ “قسد”، وقد تمكنت خلال الأشهر الماضية من شحن كمية ١٥٠ ألف طن من محافظة الحسكة إلى بقية المحافظات السورية من خلال عقد مع شركة شحن خاصة يعقتد بانها مملوكة لـ “حسام قاطرجي”، وقد تمكنت هذه الشركة عبر علاقاتها مع “قوات سورية الديمقراطية”، من تمرير الكمية على دفعات بعد أن تم تسديد مبالغ مالية لـ “قسد”، على أساس “الجمركة”، إلا أنه وبنتيجة إعلان “مجلس سورية الديمقراطية”، الذي يعد بمثابة الواجهة السياسية لـ “قسد”، الالتزام الكامل بتطبيق “قانون قيصر”، سيكون الأمر صعب الحدوث فيما يخص موسم العام ٢٠٢٠، خاصة وأن “قسد”، تلقت مؤخراً تعليمات مشددة من الإدارة الأمريكية بوقف أي نشاط تجاري مع الشركات الموالية للحكومة السورية.

يتزامن قرار “قسد”، بمنع خروج القمح مع وقفها أيضاً لخروج الخضار والمواشي إلى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية، ففي حين أن سعر كيلو اللحم في مناطق سيطرة “قسد”، لا يتجاوز ١٠ آلاف ليرة سورية، فقد وصل إلى الضعف تقريباً في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، والسبب في ذلك كون العدد الأكبر من قطيع المواشي السورية يتواجد في مناطق “شرق الفرات”، و “الجزيرة السورية” اللتين تسيطر عليهما “قسد”، التي تقوم بدورهما بتهريب المواشي وبأسعار تجاري مثيلتها في السوق العالمية إلى كل من إقليم “شمال العراق”، والمناطق التي تحلتها القوات التركية والميليشيات الموالية لها من خلال معابر برّية تربط بين الطرفين في محافظات “الحسكة – الرقة – حلب”، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على السوق المحلية في المحافظات التي تسيطر عليها الدولة السورية.

قياساً على التصريحات التي خرجت من قادة الدول الضامنة في قمتهم الأخيرة، فإن الجانبين الروسي والإيراني سيعمدان لدعم الحكومة السورية بالمواد الأساسية من خلال المساعدات التي ستكون غطاءاً لتمرير صفقات ليست مجانية من المواد الغذائية والمواد الأساسية والأولية للصناعات الدوائية، التي تشهد حالياً أزمة في تأمين متطلبات السوق، إذ أن بند “مساعدات”، سيكون الطريقة القانونية لتجنب الوقوع في مواجهة عقوبات متبادلة مع الإدارة الأمريكية، ولهذا الغرض ذهبت الحكومة الروسية نحو توسيع العمل في “ميناء طرطوس”، الذي بات مستثمراً من قبل الحكومة الروسية، بما يؤدي إلى سهولة تقديم الدعم من موسكو للحليف السوري دون الإضرار بالاقتصاد الروسي .

لا تشير المعطيات الحالية للسوق السورية نحو إمكانية تحسن سعر الصرف، والاستقرار عند معدل ٢٥٠٠ ليرة سورية للدولار الواحد بعد أسبوعين من دخول “قانون قيصر” حيز التنفيذ لا يعكس ارتياحاً اقتصاديا، ولكنه يشير إلى أن القانون بالشكل الحالي لن يكون مؤثراً، إلا أن تقديرات الكثير من الاقتصاديين تشير إلى أن القانون سيزيد من مفاعيله في التطبيق بعد نفاذ الكميات المخزنة في مستودعات الشركات التي تنفذ عمليات الاستيراد، وإن الكميات الموجودة حالياًُ قد تنتهي خلال شهرين على أبعد تقدير ، وهذا ما يعطي الحكومة السورية هامش في فهم طريقة التعامل مع العقوبات التي فرضت عليها مؤخراً وكيف يمكن التحايل عليها، إلا أن أبزر المؤشرات تؤكد بأن الخروج من عنق زجاجة قيصر سيكون خلال “المساعدات غير المجانية”، وبالتالي فإن إمكانية حدوث “مجاعة”، في سورية بسبب “قانون قيصر”، مازال غير ممكن في المستوى النظري على الرغم من الصعوبات المالية التي تواجهها دمشق.

وكالة انباء سيا