جبهة القتال في الحسكة: استعدادات لنقل المعركة إلى الريف

0
43

سيف عمر الفرا

لم يكن بعد الحسكة الجغرافي عن ساحات القتال عن العاصمة دمشق عاملاً بعدم اعتبار معاركها إستراتيجية وحساسة وذات أهمية على مستوى الميدان السوري، تزامناً مع سلسلة المعارك الكبرى التي دارت خلال الفترة الأخيرة في درعا والقنيطرة وريف السويداء.

المدينة المقطوعة برياً عن المحافظات السورية منذ تواجد إرهابيو «داعش» على طريق دير الزور ـ تدمر، وعلى طريق الحسكة ـ الرقة. ولا يمكن الوصول إليها إلا جواً عبر مطار مدينة القامشلي.

الطريق من القامشلي إلى الحسكة آمن حتى في الليل. عشرات النقاط العسكرية تنتشر على مسافة 85 كيلومتراً بين نقاط للجيش السوري ونقاط لوحدات الحماية الكردية التي تنتشر حتى مدينة الحسكة، وعلى مشارف دوار الصباغ في مدخل الحسكة.

يندفع الهواء الساخن من نافذة السيارة مختلطاً برائحة معارك الجبهة الجنوبية الغربية للمدينة. شوارع المدينة وأسواقها مزدحمة بالسكان، بالإضافة إلى أصوات الرصاص ورمايات الدبابات والمدفعية التي تضج بها المدينة. ولا يختلف تأثر أحد من المارة في السوق بما يسمع من أصوات الحرب عن سماعه لصوت سيارة، أو نداء بائع على بضاعته. هو الإيمان بالبقاء والمقاومة الذي خلق عادة العيش في الحصار والحرب، يقول أبو مريم أحد أهالي المنطقة.

يتصاعد فجأة دخان المعارك بقوة من جهة المدينة الرياضية التي شهد محيطها أعنف الاشتباكات، ويتصاعد أيضاً صوت الرصاص الكثيف. تتغير وجوه الأهالي بسرعة، لترتسم عليها ملامح الفرحة بالنصر. يبارك الناس في السوق لبعضهم، فالخبر الذي جاء من الجبهة الجنوبية الغربية للمدينة يؤكد إنتصار أبناء المدينة الذين يقاتلون هناك. عسكرياً سقطت أهم المواقع جنوب المدينة بيد الجيش والقوى الوطنية في الحسكة، ولم يبقَ سوى مساحة لا تتجاوز مئات الأمتار في محيط دوار البانوراما الذي يعد مدخل الحسكة الجنوبية باتجاه دير الزور، وبذلك سيكون الوقت قريبا لإعلان المدينة خالية من الإرهاب.

ولم تكن مدينة الحسكة في حالة خطر بعدما أمنت القوات محيطها منذ عدة شهور. التحرك، بحسب المصادر الميدانية، كانت بدايته في منتصف حزيران الماضي، عبر الخلايا النائمة لـ «داعش» داخل أحياء غويران واليلية والنشوة وحوش باعر. ومع بداية تموز دخلت الإمدادات والمؤازرة من الشدادي والدودية في الريف الجنوبي للمدينة، ومن ثم كانت المعركة الحاسمة وصمود القوى الوطنية في الحسكة، الذي وصفه أحد القادة الميدانيين بالنوعي. ويضيف «استهدفت الحسكة بأكثر من 43 سيارة مفخخة، بعضها وصل إلى فرع الأمن الجنائي في نهاية جسر النشوة، أي في نقطة قريبة جداً من وسط المدينة، ولم تسقط الحسكة، حيث كان ينتشر على امتداد الخط المتاخم لنقاط الاشتباك الجيش السوري والقوات المساندة له من أبناء الحسكة والعشائر العربية في الدفاع الوطني وقوات الحماية الكردية وقوات حماية الجزيرة (السوتورو) السريانية، والمكونة من مسيحيي الجزيرة السورية بكافة طوائفها وقومياتها».

وعلى مشارف جسر النشوة في مدينة الحسكة يتفقد «رزوق»، وهو قائد ميداني في قوات «السوتورو»، عناصره العائدين من الخط الأول للجبهة بعد إنهاء مهمتهم. الجولة برفقته في حي النشوة الغربية واليلية محفوفة بالمخاطر. يقول أحد العناصر «لا تضع قدمك على أي جسم مجهول في الشارع. كل شيء فخخه عناصر داعش قبل هروبهم من الأحياء. بسرعة قياسية فخخوا كل شيء. فهذا الحي كان آمناً قبل شهر فقط».

تصل مجموعة من شباب العشائر العربية وقوات «حماية الجزيرة» يحملون جثمان الشهيد أرسين بدروس، وهو شاب أرمني كان يقاتل في صفوف «السوتورو» على جبهة النشوة الغربية. يحمل جثمان الشهيد مجموعة من رفاق السلاح على أرض المعركة إلى كنيسة الأرمن الأرثوذكس في الحسكة. يتكاتف المقاتلون في حمل جثمان الشهيد، منهم السرياني ومنهم الأرمني ويشاركهم أبو حسن قائد مجموعة عشيرة البقارة العربية في الدفاع الوطني.

تكتمل صورة التلاحم في معركة الحسكة في التشييع، حيث يقف في استقبال جثمان الشهيد أيضاً مجموعة من رجال الدين. على باب كنيسة مار جرجس للسريان القس غبريال خاشو يقول «بالرغم من عروض الهجرة المغرية التي قدمت لنا إلى أوروبا وأميركا، نحن عن سابق قناعة مصرون على البقاء في أرضنا. الطريق في بلاد الغرب ليست معبدّة بالورود. لن نتخلى عن تاريخنا وحضارتنا. نحن لسنا أصحاب مشروعٍ انفصالي. نحن أهل الأرض، سنقدم الشهداء ونروى أرضنا دماً لنحصد النصر».

تتم مراسم الجنازة ليعود المقاتلون لإكمال العملية. رائحة الحرائق تملأ المكان في منطقة ساتكوب، وحجم الدمار نحو دوار البانوراما يوحي بضراوة المعارك التي دارت بين أبنية ومنشآت المدينة. النيران تخمد شيئاً فشيئاً تحت رماد المعركة التي حطت أوزارها في قوس النشوة ـ اليلية ـ غويران، والمعركة الكبرى شارفت على الانتهاء في مدينة الحسكة.

في النقطة الأخيرة التي وصلت إليها القوات المشتركة، يترقب القادة من الفصائل المشتركة المشهد الأخير لإنجاز عملية عزل المدينة وتطويقها بعملية تهدف لتوسيع نطاق السيطرة حتى محيط دوار البانوراما وباتجاه الجنوب.

يبارك عناصر الجيش و«السوتورو» والعرب والأكراد لبعضهم بإفشال الهجوم الأعنف على المدينة.

يترقب القائد العسكري الجبهة ومفاصلها ونقاطها المحيطة، ويقول «إنتصر أبناء الحسكة على أعدائهم». ويضيف «كلفنا هذا الهجوم الكثير من الشهداء والجرحى، لكن الضربة لم تقتلنا، لذلك أصبحنا أقوى من السابق. من استطاع أن يفشل هذا الهجوم الشرس، وفي ظل حصار وظروف سيئة، لن يقف تحرير مساحات من البوادي في ريف المدينة عائقاً أمامه. الآن سينتقل الجيش السوري والنسيج الاجتماعي في الحسكة من الدفاع إلى الهجوم في العملية التي تهدف لتطهير الجزيرة السورية من الدواعش».