عطوان : هل تواجه الليرة التركية سيناريو الانهيار نفسه الذي واجهته الليرتان اللبنانية والسورية في ظل انخفاض قيمتها التاريخي مؤخرا؟ وهل بدأت الحرب الاقتصادية ضد اردوغان كرد على “أيا صوفيا” والتدخل لصالح أذربيجان ضد أرمينيا؟

0
225

يشكل انخفاض الليرة التركية الى ادنى مستوى له مقابل الدولار في التاريخ الذي تزامن مع تفجر الخلافات مع اليونان ومصر حول الحدود المائية ومناطق التنقيب عن النفط والغاز المتنازع عليها، بداية “حرب اقتصادية” قد تتطور الى مواجهات عسكرية، مباشرة سواء في شرق المتوسط، او على الأراضي الليبية.

من الواضح ان الرد على خطوة الرئيس رجب طيب اردوغان بتحويل “أيا صوفيا” من متحف الى مسجد، وإقامة الصلوات الخمس يوميا فيه، جاء اقتصاديا ودون اعلان، وبضرب الرئيس التركي في العصب الأكثر ايلاما، أي عملته التي يشكل لقوتها عماد إنجازه الاقتصادي، السبب المباشر لهبوط الليرة التركية الى حوالي 7.3 مقابل الدولار الأمريكي هو انخفاض احتياطات البلاد من العملات الصعبة، وهروبها الى الخارج وعجز البنوك المحلية عن تطويقه، في تكرار واضح للسيناريو اللبناني مع بعض الاختلافات، وابرزها قوة الاقتصاد التركي، وحجم الديون الخارجية بالنسبة للدخل القومي (حجم الدين التركي 450 مليار دولار واللبناني 100 مليار دولار).

***

انخراط تركيا في حربين رئيسيين الاولى في سورية، والثانية في ليبيا، والثالثة باتت وشيكة في القوقاز بين أذربيجان وأرمينيا حيث اعلن الرئيس اردوغان دعمه للاولى، وارسل قوات اليها في تحد مباشر للغرب المسيحي، وروسيا الارثوذكسية التي تعتبر أرمينيا حليفها القوي وتربطها بها معاهدة دفاع مشترك، لم يؤد الى توسيع دائرة الأعداء في دول الجوار، وما بعدها فقط، وانما الى زيادة الانفاق العسكري أيضا في وقت تواجه فيه تركيا ازمة انتشار فيروس الكورونا، وانخفاضا للدخل السياحي، والانكماش الاقتصادي بسببها اسوة بالكثير من دول العالم.

مصر واليونان وقعتا الخميس اتفاقا حول ترسيم الحدود في المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في شرق البحر المتوسط، وهي منطقة تضم احتياطات واعدة من النفط والغاز، وهو الاتفاق الذي ابطل عمليا مذكرات تفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية في طرابلس المعترف بها دوليا، وانبثقت عن اتفاق الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، وعلى أرضيته جاء التدخل العسكري التركي انتصارا لحكومة الوفاق برئاسة السيد فايز السراج، وعلى أساسه، أي الاتفاق المصري اليوناني الجديد سيلغي أي إمكانية للربط الجغرافي بين تركيا وليبيا، الامر الذي يشكل تحديا مباشرا للرئيس التركي وحكومته.

الرئيس اردوغان رد غاضبا على هذا الاتفاق المصري اليوناني بأنه باطل، ولا قيمة له، واكد ان بلاده ستستمر في عملية التنقيب التي تم وقفها بناء على تدخل المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وارسل فورا سفينة للتنقيب عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها، ويعتبرها جزءا من الجرف القاري التركي، وشدد على تمسكه بالاتفاق البحري الليبي التركي، وكل ما يترتب عليه من التزامات.

نحن الآن نقف على حافة مواجهة اقتصادية قد تتطور الى عسكرية على جبهتين رئيسيتين:

الأولى: تزايد احتمال اشعال فتيل حرب “سرت الجفرة” في ليبيا التي “تجمدت” بعد التهديدات المصرية بالتدخل عسكريا لدعم قوات الجنرال خليفة حفتر التي تسيطر على المدينتين، وحصول قيادتها على دعم من قبائل ليبية وبرلمان الشرق المنتخب.

الثانية: تدخل اليونان عسكريا لمنع السفن التركية من التنقيب عن الغاز في المناطق المختلف عليها، وهذا تطور غير مستبعد دفع السيدة ميركل للتدخل بسرعة ولقاء عاجل مع الرئيس اردوغان قبل أسبوعين كان مصحوبا بتهديدات واضحة من حلف الناتو.

صحيح ان رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس أشار الى عزم بلاده اللجوء الى محكمة العدل الدولية اذا عجزت عن التوصل الى اتفاق مع تركيا، ولكن هذه المحكمة لا يمكن ان تبحث في أي خلاف الا بلجوء طرفيه اليها، ولا نعتقد ان الرئيس اردوغان قد يقبل ذلك.

هذا التوتر المتصاعد على جبهتي المتوسط وليبيا الذي تشكل تركيا رأس حربة فيهما، سيجلب صداعا اكبر شدة لدولة قطر حليف اردوغان الأبرز، وربما الوحيد، لانه قد يؤدي الى تحملها أعباء مالية باهظة جدا بمقتضى هذا التحالف.

في ازمة الليرة الأولى التي حدثت عام 2018 بفعل تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ردا على احتجاز القس الأمريكي اندرو برونسون ضخت دولة قطر 15 مليار دولار كمساعدات واستثمارات في القطاع الاقتصادي التركي، ونجحت في وقف انخفاضها، وفعلت الشيء نفسه أوائل هذا العام عندما تعرضت الليرة لازمة مماثلة، والسؤال الآن هو عما اذا كان في مقدورها التدخل للمرة الثالثة، بحزمة مالية مماثلة، وربما اكبر لوقف انهيار الليرة الحالي، والمساهمة بتغطية نفقات أي مواجهات جديدة مباشرة في ليبيا او شرق المتوسط؟

التحالف المعادي لتركيا يضم دولا عظمى دولية وإقليمية، مثل روسيا وفرنسا واليونان ومصر والامارات والسعودية، علاوة على نصف حلف الناتو المنقسم بسبب هذا الصراع، ان لم يكن اكثر.

***

موقف الولايات المتحدة يتسم بالغموض وتحاول إدارة الرئيس ترامب اللعب على الحبلين، والايحاء لكل طرف بأنها تدعمه، ولكن الحقيقة، وبعد تحويل متحف “أيا صوفيا” الى مسجد، وانحياز تركيا الى أذربيجان المسلمة ضد أرمينيا المسيحية التي تملك مجموعات ضغط قوية (لوبي) في واشنطن قد يغير الكثير من المعادلات، فهي تريد حربا تركية مصرية تودي الى تدمير واضعاف جيشي البلدين واغراقهما في أزمات اقتصادية واضطرابات داخلية على غرار ما حدث في سورية والعراق وليبيا.

لا شك ان الجيش التركي، الذي يحتل المرتبة الثانية في حلف الناتو، يتمتع بقدرات عسكرية وتسليحية هائلة ويعتمد على التسليح الذاتي قد تعطيه اليد العليا في أي مواجهة، ولكن اللافت ان التحالف الغربي الإقليمي ضده يمتلك أيضا قدرات مدعومة بأحقاد تاريخية كبرى ضد الدولة العثمانية التي احتلت قواتها البلقان وأوروبا الشرقية ووصلت الى فيينا.

الأيام، والاسابيع المقبلة، ستكون خطرة جدا، ليس لليرة التركية فقط، وانما لزعامة الرئيس اردوغان داخليا وخارجيا، حيث يضيّق خصومه الخناق عليه، وهو خناق قد يدفعه للجوء الى القوة لكسره.. والله اعلم في جميع الأحوال، وما علينا الا الانتظار.