عطوان: هل “تعليق” أمريكا لقنوات اتصالها مع روسيا عودة للحل العسكري واسقاط النظام في دمشق؟ وهل تخلت عن حلب لمصلحة “حرب عصابات” بعيدة الأمد؟

0
59

تعليق الولايات المتحدة الامريكية لقنوات الاتصال مع روسيا حول الملف السوري قد يتحول الى “طلاق نهائي” بين القوتين العظميين يترتب عليه تصادم الاجندات والإرادات معا، الامر الذي لا يثير القلق فقط، وانما الرعب أيضا، بالنسبة الى أبناء المنطقة والعالم فـ”اكبر النيران من صغائر الشرر”.

الادارة الامريكية التي أقدمت على هذه الخطوة لم تكشف مطلقا عن خطوتها القادمة، ومشروعها البديل، لان هذا “التعليق” يعني انهيار العملية السياسية التفاوضية، وتبني “الخيار” العسكري، والعودة الى الأولويات الامريكية الأولى، أي تغيير النظام في سورية، وما عودة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لترديد كلامه في هذا الصدد الا مؤشر مهم.

وزارة الخارجية الروسية لمحت يوم امس في بيان رسمي الى هذا التحول، عندما قالت “ان واشنطن مستعدة لعقد صفقة مع الشيطان من اجل اسقاط حكم الرئيس بشار الأسد”.

ترى من هو هذا “الشيطان” الذي يمكن ان تتحالف معه الولايات المتحدة، هل هو جبهة “فتح الشام” النصرة سابقا؟ ام “الدولة الاسلامية” نفسها، ولكن مع تغيير جلدها، وربما اسمها؟ ام تركيا التي اتهمها الرئيس بشار الأسد في حديث مع مجلة إيرانية بانها “لاعبة لصالح أمريكا وتتحرك بأمرها وهي حجر من احجار اللعب في السياسة الخارجية الامريكية”.

***

يوم أمس الاثنين انهالت قذائف الهاون على السفارة الروسية في دمشق، واتهمت الخارجية الروسية جبهة “فتح الشام” بالوقوف خلف هذا القصف الذي جاء من مناطق تسيطر عليها في ريف العاصمة، ولا نعتقد ان هذا القصف جاء بمحض الصدفة، وانما في إطار تحالف جديد “ربما” بين هذه الجبهة والإدارة الامريكية، او بالأحرى بينها وبين جناح “صقور البنتاغون” الذين خربوا الاتفاق الأمريكي الروسي، والفقرة المتعلقة فيه بتشكيل غرفة عمليات مشتركة تشرف على تصفية هذه الجبهة، أي “النصرة”.

وربما يجادل البعض بأن الطائرات الامريكية قتلت يوم أمس أبو الفرج المصري أحد أبرز قيادات “جبهة النصرة”، فكيف تتحالف مع هذه المنظمة التي تضعها على قائمة “الإرهاب” وتعتبرها الذراع العسكري لتنظيم “القاعدة”؟

السؤال وجيه، ولكن ليس كل ما تطبخه الولايات المتحدة في غرفها الاستخبارية السوداء معلن، ولا نستبعد ان تكون عملية الاغتيال هذه مجرد “تغطية” على التحالف الجديد، وما يؤكد هذه الفرضية، اعتراف أحد قادة جبهة “فتح الشام” بتقديم الإدارة الامريكية أسلحة حديثة للتنظيم في الماضي القريب، وان هذا الدعم تراجع في الفترة الأخيرة التي شهدت التفاهمات الامريكية الروسية.

التحرك الدبلوماسي انتهى، او جرى وضعه على الرف، والحل العسكري بات يحتل قمة أولويات الطرفين الأمريكي والروسي، فالقيادة الروسية نقلت في الأيام القليلة الماضية، شحنات جديدة من صواريخ “اس 300″ في نسختها الاحدث والأكثر تطورا الى سورية، جنبا الى جنب مع صواريخ “اس 400″، ولا نعتقد ان هذه الصواريخ القادرة على اسقاط طائرات ستستخدم ضد المعارضة السورية التي لا تملك أصلا طائرات بطيار او بدونه.

مدينة حلب التي فجر القصف الروسي المكثف لأحيائها الشرقية التنسيق مع امريكا، تشهد حاليا حرب شوارع في ظل تقدم الجيش السوري بغطاء جوي روسي، وهناك تكهنات في أوساط الخبراء العسكريين بأن القيادة الامريكية بدأت تتعايش مع مسألة سقوط المدينة، وتتبنى تركيا الاحتمال نفسه، فقد غادر المدينة آلاف المقاتلين للانضمام الى الجيش التركي في حربة ضد الاكراد في مدينتي جرابلس والباب، وتوقفت امدادات الأسلحة للمقاتلين المحاصرين فيها.

الرئيس باراك أوباما كان يريد ان يختم فترته الرئاسية الثانية والأخيرة بالقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” واخراجها من الرقة (عاصمتها السورية) ومن الموصل (عاصمتها العراقية)، ولكن تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة الآن، ولا نستبعد في ظله، أي الخلاف، ان تتغير خرائط التحالفات الروسية والأمريكية على الارض السورية في الأسابيع والاشهر المقبلة.

***

في تقديرنا هناك حالة من الحنين لدى جنرالات البنتاغون للتجربة الأفغانية في الثمانينات، وتكرارها في سورية، ولكن الظروف تغيرت، وروسيا بوتين ليست الاتحاد السوفيتي، وسورية مختلفة كليا عن أفغانستان، ونشك ان تقبل تركيا تقمص دور الباكستان، لأنه بكل بساطة لا يوجد على قمة الحكم فيها جنرال مثل برويز مشرف.

مأزق القوى العظمى في سورية يتفاقم، واحتمالات الصدام الأمريكي الروسي غير مستبعدة، ونحن في انتظار التعرف على البدائل العسكرية الامريكية بعد تعليق الاتصال مع روسيا، ولا نعتقد ان الرئيس بوتين وحلفاءه في وارد التراجع، لان هذا يعني تراجع “روسيا القوية”، التي يحاول بناءها وتعزيزها واعادة امجادها كقوة عظمى مرهوبة الجانب.