عطوان : هجوم المعارضة السورية على دي ميستورا والمطالبة بطرده يستهدف الشخص الخطأ ويبرئ المتواطئين بصمتهم

0
47

شنت فصائل المعارضة السورية المسلحة بمختلف توجهاتها اليوم (الجمعة) هجوما شرسا على المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، لانه اقترح خروج المقاتلين من حلب الشرقية حقنا للدماء، واعرب عن استعداده لمرافقتهم الى ملاذات آمنة، والحفاظ على حياتهم.

المتحدث باسم جبهة “فتح الشام”، او النصرة سابقا، السيد حسام الشافعي وصف اقتراحات المبعوث الدولي هذه بأنها تلتقي مع طرح السلطات السورية، بينما ذهب السيد انس العبدة، رئيس الائتلاف السوري الى ابعد من ذلك، عندما طالب بطرده وانهاء مهمته فورا دون أي تأخير.

دي ميستورا الذي اتهمته السلطات السورية قبل بضعة أسابيع بمحاباة الولايات المتحدة وتنفيذ اجنداتها، لا يملك حاملات طائرات، ولا صواريخ “توماهوك” لوقف القصف الروسي المكثف على المدينة واحيائها الشرقية، التي تتمركز فيها قوات “جبهة النصرة” وحلفائها، الرجل مجرد ساع للبريد، يأتمر بأوامر منظمته ورؤسائه في نيويورك، ويسير وسط حقل الغام، واذا كانت “اجتهاداته” لا تتوافق مع مواقف المقاتلين في حلب، فإنه من غير الانصاف تحويل الرجل الى كبش فداء، وتحميله وزر كل ما يحدث من دمار وقتل في المدينة.

***

نحن لا ندافع هنا عن دي ميستورا، ولا عن المنظمة التي يمثلها، لأننا نؤمن انها منظمة فاشلة متواطئة ضد قضايانا العربية منذ ان تحولت الى احدى إدارات وزارة الخارجية الامريكية، واعطت الضوء الأخضر “الشرعي” لغزو العراق وتدمير ليبيا، ولكننا نعتقد ان استهداف المبعوث الدولي في غير محله، ولن يغير من الواقع على الأرض، ولن ينقذ أرواح حوالي 200 الف مواطن حلبي باتوا محاصرين حتى الموت، ونتفهم في الوقت نفسه حالة الإحباط التي تسود أوساط بعض فصائل المعارضة، وتدفعها لاتخاذ هذه المواقف.

مبعوثان دوليان سبقا دي ميستورا، الأول كوفي عنان، والثاني الأخضر الابراهيمي، والاثنان فشلا في مهمتيهما في وقف الحرب، ليس لنقص الخبرة، او لانعدام النوايا الطيبة، وانما لان الازمة السورية معقدة جدا، وباتت مسرحا لتدخلات قوى عظمى وإقليمية، كل منها لها اجندات مختلفة ومتصادمة، والا لما استمرت لست سنوات تقريبا.

اللوم يجب ان يتوجه الى الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وحلفائها العرب، الذين ورطوا المعارضة السورية المسلحة في حرب دموية، واغرقوها في أوهام النصر العسكري الوشيك، ثم تخلوا عنها، واداروا وجههم الى الناحية الأخرى.

ماذا لو صدر قرار عن مجلس الامن الدولي الليلة او فجر الغد، وطالب بخروج المسلحين المصنفين “إرهابيين” من قبل الولايات المتحدة وروسيا كمقدمة لرفع الحصار، ووقف القصف الروسي السوري لحلب الشرقية، مثلما ورد في نص مشروع القرار الفرنسي موضع النقاش؟

منذ أيام ونحن نسمع جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي يتحدث عن “الخطة الامريكية B”، وبحث مجلس الامن القومي الأمريكي خيارات غير دبلوماسية في سورية، بينما يستمر القصف الجوي، ويستمر معه تقدم قوات الجيش السوري.

وزارة الدفاع الروسية قالت دون أي مواربة يوم امس على لسان المتحدث باسمها، بأنها ستتصدى لاي هجمات أمريكية على مقرات الجيش السوري وقواعده، وأكدت ان صواريخ “اس 300″ المتطورة ستسقط أي طائرة أمريكية مغيرة، ولن يتم السماح بتكرار ما حدث في جبل “الثردة” في محافظة دير الزور، من ضربات أمريكية لجنود سوريين، واليوم حذرت السيدة ماريا زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية، معارضة حكومتها لتغيير النظام في سورية، لان هذا التغيير سيؤدي الى عواقب أسوأ بكثير بالمقارنة بما حصل في العراق وليبيا.

***

لا نعتقد ان دي ميستورا يختلف حاله عن حال المبعوثين اللذين سبقوه، وفضلوا اعتزال السياسة بعد ان ازداد شعر رأسهم شيبا، بل سقط معظمه، بسبب ما عانوه من هجمات واتهامات تخوين، وانحياز من معظم الأطراف في الحكومة والمعارضة اثناء فترة توسطهم في الازمة السورية، وانا قابلت السيد الأخضر الابراهيمي في وندهوك، عاصمة ناميبيا، قبل بضعة اشهر في احد الندوات المغلقة التي نظمها الاتحاد الافريقي، وكانت السعادة بادية على وجهه بعد تخلصه من المهمة الصعبة التي جرى تكليفه بها في سورية، ولسان حاله يقول “الحمد الله خلصنا”.

مهمة دي ميستورا اوشكت على الانتهاء، وايامه باتت معدودة “فعلا”، رغم كرهنا لهذا التوصيف وتكراره، لاسباب تعرفونها، سواء باستقالته التلقائية يأسا واحباطا، او بسبب احتمالات تدهور الأوضاع في سورية، وحدوث صدام عسكري مباشر، او غير مباشر، بين القوتين العظميين، فالحلول السياسية والدبلوماسية تراجعت لمصلحة تقدم الحلول العسكرية، وارتفاع معدل حدة التوتر بسرعة قياسية، والله اعلم.