عطوان : ما هي الخطوة الامريكية التالية بعد “تجريم” الأمير بن سلمان رسميا وتحميله مسؤولية اغتيال خاشقجي؟ وهل سيفرض عليه العقوبات يوم الاثنين ؟ وما مدى صحة و”جدية” التهديدات بالتحالف مع المحور الصيني الروسي وإدارة الظهر للحليف الأمريكي؟ وكيف ستكون النتائج؟

0
154

كان غياب فرض أي عقوبات من قبل إدارة الرئيس جو بادين على الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، بعد نشر تقرير وكالة الاستخبارات الامريكية الذي يجرمه ويحمله المسؤولية كاملة عن اصدار الأوامر باغتيال الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018 النقطة الأهم التي توقف عندها جميع المراقبين والمحللين داخل الولايات المتحدة وخارجها.

فمن المفترض ان يأتي هذا التقرير في اطار خريطة طريق محكمة الاعداد تعكس سياسة هذه الإدارة فيما يتعلق بمبادئ حقوق الانسان ومنتهكيها، وعناصر “ضبط” العلاقة مع قيادة المملكة العربية السعودية في المرحلة الجديدة، فالتقرير كان مفصلا ويرتكز على تفاصيل ومواقف ونتائج تستند على كمية هائلة من الأشرطة السمعية والمصورة، وآلاف الوثائق الأخرى حول تحركات فريق الاغتيال ووقائع وتنفيذ الجريمة، وقال الكلمة السحرية التي انتظرها الجميع وهي ان الأمير بن سلمان هو الذي اعطى الأوامر باختطاف او قتل الخاشقجي وبات يشكل تهديدا للحكم، ووضع طائرتين خاصتين تحت تصرف فريق القتلة من اتباعه في رحلتي الذهاب والعودة من إسطنبول بعد انجاز المهمة، ولكن قائمة العقوبات التي جرى فرضها على 76 من المتورطين بتجميد الأموال وحظر السفر ودخول الولايات المتحدة خلت من اسم ولي العهد، الامر الذي أثار العديد من الانتقادات في الكونغرس والصحافة للرئيس بايدن، وطرح العديد من علامات الاستفهام حول جديته في تنفيذ وعوده الانتخابية في هذا المضمار.

***

من الطبيعي ان ترفض الحكومة السعودية هذا التقرير وتصدر بيانا شديد اللهجة يحمل اسم وزارة خارجيتها، يشكك بالمعلومات الواردة فيه، وتقول انه لم يتضمن أي ادلة او وثائق، وهذا صحيح، ولكن من صاغ هذا البيان غابت عنه مسألة قانونية، واجرائية بديهية و”مهمة جدا”، وهي ان هذا التقرير الذي جرى اعداده من قبل المخابرات الامريكية ورفض الرئيس دونالد ترامب الافراج عنه، كان حصيلة عملية تقييم استندت الى معلومات واشرطة تسجيل موثقة، مضافا الى ذلك ان هذه الأدلة والوثائق والتسجيلات يجري تقديمها في العادة الى المحققين، ومن ثم القضاة في المحاكم لاحقا وليس في تقرير من اربع صفحات فقط.

الكثيرون في منظمات حقوق الانسان داخل الولايات المتحدة وخارجها، من بينهم السيدة اغنيس كاليمار ممثلة حقوق الانسان في الأمم المتحدة، طالبوا بتفعيل قانون ” ماغنيتسكي” الأمريكي الذي يعاقب منتهكي حقوق الانسان في العالم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمة الأمير بن سلمان على أساسه امام المحاكم الامريكية، والمطالبة بتسليمه للمثول امام قضائها.

الرئيس بايدن فاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بدعم من اليسار الأمريكي الليبرالي وجماعات ضغطه، وتعهد في حملته الانتخابية بان كل من تورط في عملية اغتيال الصحافي خاشقجي سيدفع ثمنا غاليا، ولهذا فانه سيكون من الصعب عليه التخلص من هذا الالتزام، وإدارة الظهر لهذا اليسار وخاصة انه يضم نوابا في مجلسي الشيوخ والنواب من أمثال ساويندرز ونانسي بيلوسي والقائمة تطول.

نحن لسنا على درجة من الغباء حتى تنطلي علينا اكذوبة حقوق الانسان الامريكية العوراء، ولا يمكن ان ننسى، او نتجاهل الازدواجية الامريكية في هذا الميدان، خاصة في فلسطين والعراق وسورية وليبيا، ولكن من نسي هذه الازدواجية، ودافع عنها هم حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسها الحكومة السعودية.

الامر المؤكد ان الامير بن سلمان بات يشكل عبئا ثقيلا على الإدارة الديمقراطية الامريكية الحاكمة، وهي تقف الآن امام خيارين، الاول ان تتخلص منه بالضغط على العاهل السعودي باستبداله، والثانية احتوائه والحصول على مئات المليارات في المقابل مثلما فعل ترامب، وهنا تنقسم الآراء بين من يؤيد الخيار الأول باعتباره الأكثر حسما، والاقل كلفة، والافضل لإنقاذ ماء الوجه، وبين من يعتقد بنجاعة الخيار الثاني من منطلقات برغماتية تضع المصالح المالية والأمنية الامريكية على قمة الأولويات تحكم الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والحفاظ على علاقة استراتيجية تمتد لأكثر من 70 عاما، في ظل ازمة مع ايران مفتوحة على جميع الاحتمالات.

يصعب علينا التنبؤ بالخيار الذي يمكن ان تتبناه إدارة الرئيس بايدن لصعوبة المفاضلة، والشح في المعلومات، فكل خيار له ميزاته وتبعاته في الوقت نفسه، وربما من الحكمة الانتظار حتى يوم الاثنين (غدا) الذي ربما يشمل حزمة من العقوبات الجديدة الإضافية، مثلما وعدنا الرئيس بايدن يوم الجمعة الماضي.

عندما يكون “العاهل القاتل” هو العنوان الرئيسي للصفحة الأولى لصحيفة “نيويورك تايمز”  الناطقة باسم الليبراليين اليساريين الأمريكيين، فان هذا يعكس حجم الضغوط التي تمارس على الرئيس بايدن، حتى قبل ان تبدأ مناقشات الكونغرس لهذا الملف، ومن المتوقع ان يكون تقرير المخابرات الذخيرة الأقوى في جعبته ورئيسته السيدة بيلوسي.

صمت العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وغيابه كليا حتى الآن عن هذا الملف الحساس، والخطير يثير العديد من علامات الاستفهام، فهل هذا الصمت يعود الى عدم اطلاّعه عليه، وتغييبه المتعمد عنه، ام لأنه يضمر شيئا آخر ربما نرى تفاصيله في الأيام او الأسابيع المقبلة، تجاوبا مع رغبة الحليف الأمريكي في “تغيير” او “ضبط” العلاقة بين البلدين على أسس جديدة ابرزها حقوق الانسان والشفافية؟

نسمع كثيرا أصواتا من المملكة هذه الايام على السنة صحافيين ومتحدثين غير رسميين للسلطة، نقول بأن ولي العهد السعودي يمكن ان يذهب الى موسكو او بكين، او الاثنين معا، ويدير ظهره الى واشنطن اذا قررت فرض عقوبات عليه، وشاهدنا على وسائل التواصل الاجتماعي السفير الصيني في الرياض يقوم بزيارة الى مدينة “نيوم” ويشيد بها والأمير بن سلمان صاحبها، في إشارة واضحة الهدف، هل يعي هؤلاء التباعات التي يمكن ان تترتب على مثل هذا التوجه، وهل النظام السعودي مؤهلا لها، ويستطيع الحاكم السعودي تحملها بالتالي هذه الأيام؟

ربما يفيد التذكير بمثالين في هذه العجالة: الأول، ما حصل مع نورييغا رئيس بنما الذي جرى احضاره الى واشنطن في قفص وهو الحليف الأصيل لامريكا لخروجه عن طاعتها، والثاني، ما حصل لاوكرانيا عندما ارادت التمرد على موسكو والوقوف في الخندق الغربي المعادي لها، ودفعت ثمنا باهظا لمثل هذه الانعطافة غير المدروسة بعناية ابرز عناوينه خسارة شبه جزيرة “القرم”، وفقدان السيطرة تقريبا على الجزء الشرقي من البلاد، لظهور حركة انفصالية مدعومة روسيا فيه.

***

ختاما نقول اننا لم نثق، ولن نثق بأمريكا أيا كانت ادارتها، جمهورية او ديمقراطية، ونعتبرها مسؤولة عن كل الكوارث التي حلت بالعرب والمسلمين ولا يمكن ان ننسى حروبها الدموية التدميرية في سورية والعراق وليبيا، ودعمها المطلق للاغتصاب الاسرائيلي لحقوقنا واحتلال مقدساتنا في فلسطين، ها هي تتخلى عن حلفائها، الواحد تلو الآخر بعد ان نهبت ثرواتهم، ودمرت ما تبقى لهم من هيبة، ومن المؤلم ان هؤلاء لم يستمعوا لغير أصواتهم، وربطوا انفسهم ودولهم بالمشاريع التدميرية الامريكية، ولم ولن يتعلموا من اخطائهم للأسف.