عطوان : بولتون يتّهم إيران رسميًّا ومن أبوظبي بالوقوف خلف تفجيرات السّفن في الفجيرة ويُهدّد بردٍّ قويٍّ. ؟هل يُعيد التّاريخ نفسه ونرى هُجومًا على إيران على غرِار آخر على عِراق صدام حسين

0
319

في 14 نيسان (إبريل) عام 1993 قام الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بزيارةٍ إلى الكويت حظي خلالها باستقبال الأبطال على المُستويين الرسميّ والشعبيّ، باعتباره الرئيس الذي حرّر البلاد وأنهى احتلال القوّات العِراقيّة لها، ولكن الحدث الذي لا يقِل أهميّةً، هو إلقاء القبض على خليّةٍ من 16 شخصًا مُعظمهم من العِراقيين قيل إنّهم يُخطّطون لاغتيال الرئيس الأمريكي الزائر الذي خسر الانتخابات الرئاسيّة قبل عام للفوز بولايةٍ ثانية، بسيارة مفخّخة، واتّهمت إدارة الرئيس بيل كلينتون الرئيس صدام حسين بالوقوف خلفها، وبعد أربع ساعات من كشف هذه المُحاولة “المزعومة” قامت الطائرات الأمريكيّة بقصف بغداد، وقبل أن تبدأ التّحقيقات الرسميّة.

تذكّرنا هذا العُدوان اليوم، ونحن نُتابع التّصريحات التي أدلى بها جون بولتون، مُستشار الأمن القومي الأمريكي، أثناء لقائه بمجموعةٍ مختارةٍ من الصّحافيين في مقر السفارة الأمريكيّة في أبو ظبي، أكّد فيها أنه من “شبه المؤكد” إن إيران تقف وراء الهجوم الذي استهدف أربع ناقلات نفط عملاقة أمام سواحل ميناء الفجيرة المُطل على خليج عُمان، وكشف أنّ ألغامًا بحريّةً إيرانيّةً استُخدمت في هذا الهُجوم، دون تقديم أي أدلّة، وهدّد بردٍّ قويٍّ.

***

القواسم المُشتركة بين الحادثين، أيّ مُحاولة اغتيال الرئيس بوش في الكويت، والهُجوم على ناقلات النفط في الفجيرة اللتين يفصل بينهما 26 عامًا، أن دولة الإمارات العربيّة المتحدة التي وقع الهُجوم المذكور في مياهها الإقليميّة، وتُشرف على التّحقيقات، مثل شقيقتها الكويت، لم توجّه أيّ اتّهام إلى إيران، مع فارقٍ أساسي أن العدوان على العَراق تم بعد أربع ساعات فقط، وقبل بدء التّحقيقات الكويتيّة في الجريمة، فهل ستستغل الإدارة الأمريكيّة الحاليّة هذا الهُجوم لتوجيه ضربات انتقاميّة ضد إيران في الأيّام أو الأسابيع المُقبلة، خاصّةً أن بولتون من أكثر المُحرّضين عليها، وكشف في اللقاء نفسه أنه جرى إحباط هجوم إيراني مُماثل على ميناء ينبع البحري النفطي السعودي على البحر الأحمر قبل يومين من هجوم الفجيرة؟ وهل اتباع الكويت سياسة الحذر وضبط النفس، وإعلانها الحياد الإيجابي في الأزمة الأمريكيّة الإيرانيّة الراهنة يعود إلى حالةِ الغُموض وعدم اليقين التي تلف الهُجوم المذكور على النّاقلات؟

السيد عباس موسوي، المتحدث باسم الخارجيّة الإيرانيّة، سخِر من “مزاعم” بولتون هذه، ووصفها بالمُضحكة، ولم يستغرب صدورها عن دولة مثل أمريكا، ولكنّنا نعتقد أنّه يجب وضع السخرية والمزاح جانبًا، وأخذ هذه التّهديدات على محمل الجد، فالمستشار بولتون لم يذهب إلى ابو ظبي للاستمتاع بشمسها وشواطئها الخلّابة وفي مِثل هذا التّوقيت بالذات، وهو الذي يُؤمن إيمانًا راسخًا ومُنذ سنوات عدّة بأنّ الحل الأمثل لمنع إيران من إنتاج أسلحة نوويّة هو الهُجوم عليها وتغيير نظامها بالقوّة.

لا نُجادل مُطلقًا بأنّ لهجة التُصعيد وترجيح احتمالات المُواجهة قد تراجعت في الأيّام القليلة الماضية لتتقدّم احتمالات الحوار، خاصّةً بعد أن أدلى الرئيس دونالد ترامب بتصريحاتٍ قال فيها إنُه لا يرغب في تغيير النّظام الإيراني، وإنّما منعه من امتلاك أسلحة نوويّة، وأشاد بالقيادة الإيرانيّة وكفاءتها، ولكن يصعُب الاطمئنان إلى مثل هذه التصريحات لأنها تصدر عن رجل مشهور بالكذب، ولا يحترم تعهّداته وتوقيعه إلا إذا كان الأمر يتعلّق بمصلحة إسرائيل، وضِد العرب بالذّات.

في الثّمانينات حصلت أزمة مُماثلة بين إيران والولايات المتحدة، تطوّرت إلى “حرب سفن وناقلات نفط”، عام 1985، حيث جرى تدمير حوالي 500 سفينة وناقلة، وتوجّهت أصابع الاتّهام إلى إيران بنشر ألغام بحريّة في مياه الخليج، والبحر الأحمر، والأكثر من ذلك أنّ إيران قصفت ميناء الأحمدي الكويتي الذي خصّص أربع منصّات للواردات والصادرات العراقيّة، حيث دعمت الكويت والسعوديّة الرئيس صدام في الحرب ضد إيران بقوّة، وجرى أيضًا قصف ناقلة نفط كويتيّة ترفع العلم الأمريكي، وإسقاط مروحيّة أمريكيّة بصاروخ “ستينغر” الأمريكي حصلت عليه إيران من المُجاهدين الأفغان، ورغم ذلك لم تجرؤ الإدارة الأمريكيّة في حينها على ضرب إيران خوفًا من العواقب، خاصّةً أنّ فشل هُجوم الرئيس جيمي كارتر لتحرير الرهائن في السفارة الأمريكيّة في بغداد كان ماثِلًا في الأذهان.

***

لا نشُك مُطلقًا في أنّ الدولة الأمريكيّة العميقة تملك كل هذه المعلومات وما هو أكثر منها، وتدرك جيّدًا أنّ إيران عندما تصدّت للغطرسة الأمريكيّة في حينها كانت تخوض حربًا دمويّةً مع العِراق الذي حظي في حينها بدعمٍ مُشتركٍ نادرٍ من القوّتين العظميين، أيّ الاتحاد السوفييتي وأمريكا معًا، أيّ أنّها كانت أضعف بكثير ممّا هي عليه الآن (كان عُمر ثورتها لا يزيد عن بِضع سنوات)، حيث باتت تملك قدرات عسكريّة ضخمة ذاتيّة الصّنع (ترسانة الصّواريخ والغوّاصات والحرس الثوري إلى جانب جيش قوي)، وفوق هذا وذاك جبهة داخليّة مُتماسكة ومُوحّدة، وشبكة من صواريخ “إس 300” الروسيّة المُتطوّرة المُضادّة للطائرات والصواريخ أيضًا، علاوةً على شبكةٍ من الحُلفاء الأقوياء مِثل حركات المُقاومة في لبنان، وفِلسطين (غزّة)، والعِراق (الحشد الشعبي)، وسورية.

بولتون كان من أبرز مُهندسي الحرب على العِراق وشغل منصب مساعد وزير الدفاع، عندما اندلعت الحرب عام 2003، ولكن الوضع تغيّر، وإيران اليوم ليست عراق الأمس الذي كان معزولًا، وتآمر عليه أقرب أشقائه العرب، وهم نفسهم الذين يُحرّضون أمريكا على قصف إيران وتغيير نظامها.

إدارة ترامب التي بدأت ركبها تصطك خوفًا ورُعبًا خوفًا من النّتائج وترى حليفها بنيامين نِتنياهو يترنّح وتقترب نهاية حياته السياسيُة، وصفقة قرنها تتآكل في ظِل رفض عربي شرس وتُواجه إجماعًا فِلسطينيًّا صُلبًا، ستجِد نفسها تُواجه خصما إيرانيًّا شَرِسًا في الخندق المُقابل، سواء في جبهات القتال أو على مائدة الحِوار.. والعبرة دائمًا فيما سيحدُث في “اليوم التّالي”، وحجم الخسائر التي سيتكبّدها كُل طرف.. والأيّام بيننا.