عطوان: الأسد رفض استقبال ديمستورا في زيارته الأخيرة لدمشق

0
52

عبد الباري عطوان|

قبل اربعة اعوام، حين كانت الازمة السورية في بدايتها، التقيت في مدينة الدوحة، والتي كانت في ذلك الوقت محجا لرجال المعارضة السورية، وفدا من كبار علماء الشام، ودعوني الى مشاركتهم طعام الإفطار في شهر رمضان المبارك، في مطعم فندق “الشيراتون” الشهير، وكان من بين الحضور الشيخ عدنان العرعور.

التفاؤل كان في ذروته بحسم الوضع في سورية لصالح المعارضة المسلحة، التي فتحت لتوها جبهة عسكرية في حلب، ونقلت المواجهات اليها بعد حمص وحماة، ولاحظت في ذلك الإفطار ان الشيخ العرعور لم يكن من المؤيدين للتسرع في فتح هذه الجبهة مبكرا، بسبب اختلاف ظروف المدينة عن نظيراتها السوريات الاخريات، الامر الذي عارضه بعض الحاضرين بقوة.

تذكرت هذه الواقعة اليوم، ونحن نتابع تهاوي الاحياء في شمال شرق حلب مثل احجار “الدومينو” في يد القوات السورية المتقدمة بشكل متسارع، ونزوح اكثر من عشرة آلاف من سكانها باتجاه حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة الحكومة، فالمعارضة المسلحة، ورغم التسليح الضخم الذي تلقته في السنوات الماضية، من دول عظمى وصغرى، لم تتمكن من السيطرة على هذه المدينة التي كانت تضم حوالي 2.5 مليون نسمة (باتوا اقل من 1.5 مليون حاليا)، لانها غابة من الاسمنت أولا، ولان أهلها لم يشاركوا في الاحتجاجات في البداية، ومعظمهم من التجار وأبناء الطبقة الوسطى، باستثناء منطقة الأرياف التي كانت تعاني من البؤس وفقر مشاريع التنمية، ولان قوات الجيش السوري دافعت عنها بطريقة اسطورية، وتكبدت خسائر كبيرة لمنع سقوطها كليا.

لا نعرف كم سيستغرق من الوقت قبل السيطرة على باقي احياء حلب الشرقية تماما (نصف حلب الشرقية بات في يد قوات الحكومة)، ولكن هناك شبه اجماع في أوساط المراقبين انها قد تكون مسألة أيام او أسابيع معدودة، في ظل اشتداد الحصار، وكثافة القصف الجوي والارضي، وإدارة حلفاء المعارضة من عرب واتراك وامريكان وجوههم الى الناحية الأخرى، واسقاط المدينة من حساباتهم، وترك المعارضة المسلحة لمصيرها وحدها.

ستيفان دي ميستورا المبعوث الدولي الى سورية توقع هذه المأساة قبل شهر تقريبا، لانه يعرف ما يجري من تفاهمات في الغرف المغلقة بين اللاعبين الدوليين في الازمة السورية، ولذلك عرض ان يصاحب المسلحين بنفسه للخروج من حلب الشرقية الى ملاذات آمنة، ولكنه قُصف بالحجارة والاتهامات بالتواطؤ مع النظام السوري من قبل المعارضة واعلامها، وذهب الى دمشق في محاولة أخيرة لاقناع السلطات بإقامة “إدارة ذاتية” في تلك الاحياء مقابل خروج المعارضة المسلحة، ليرفض السيد وليد المعلم هذا الاقتراح، ويتهم المبعوث الدولي بمحاباة “الإرهابيين” ومحاولة مكافأتهم بهذا الطرح، والأكثر من ذلك ان الرئيس بشار الأسد رفض استقباله.

لا يوجد أي خيار حاليا امام المسلحين في حلب الشرقية غير القتال حتى الموت، او القبول بتسوية توفر لهم خروجا آمنا، الى مدينة ادلب، ويبدو ان الاتصالات التي تمت اليوم (الاثنين) بين وزير الخارجية المصري سامح شكري (بلاده عضو في مجلس الامن) ونظيره الروسي سيرغي لافروف، التي قيل انها تهدف الى اصدار قرار اممي يحدد الأسلوب الامثل للتعامل مع المعاناة الإنسانية للمحاصرين في حلب يّصب في هذا الاتجاه.

المعاملة الطيبة التي لقيها النازحون من حلب مسلحين كانوا او مواطنين، حسب تقارير إخبارية شبه محايدة، من قبل السلطات السورية فور وصولهم الى حلب الغربية، وعدم تعرض أي منهم للاعتقال، كانت حركة ذكية محسوبة بعناية، تهدف الى تشجيع آخرين على النزوح، وتجنب مذبحة في تلك الاحياء، وسحب ورقة المدنيين من المعارضة المسلحة، وقد المح الى هذه الخطوة المرصد السوري لحقوق الانسان المحسوب على المعارضة.

استعادة مدينة حلب من قبل التحالف السوري الروسي الإيراني يشكل نقطة تحول رئيسية في الصراع على الأرض، ستعزز سيطرة الحكومة السورية على المدن الخمس الكبرى، وهي حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية، كما انها، أي الاستعادة، ستشكل ضربة معنوية قاسية للمعارضة المسلحة وداعميها قد تنعكس سلبا على وجودها في مدن وارياف أخرى ما زالت تحت سيطرتها.

التدخل العسكري الروسي، والقتال الشرس لقوات “حزب الله” وايران لعبا الدور الأبرز في ترجيح كفة الحكومة السورية وجيشها الذي صمد طوال السنوات الخمس الماضية في هذا الصراع، بينما اكتفى داعمو المعارضة السورية المسلحة في المقابل بالقتال بالفضائيات، والروموت كونترول، مما يجعل الفارق كبيرا جدا بين من يقاتلون في ميدان المعركة ويقدمون آلاف الضحايا، وبين الذين يراقبون عن بعد.

ماذا بعد حلب؟ انها معارك ادلب وجسر الشغور والرقة، والباب، وهذه قصة أخرى سيتم تناولها في حينها.. وهي معارك قادمة حتما.. والأيام بيننا.