عطوان : أمريكا “ترضخ” مكرهة للشروط الإيرانية وتلجأ للأوروبيين لإنقاذ ماء وجهها.. لماذا “رمشت” إدارة بايدن اولا؟ وهل يتجاوب “المحافظون” مع تنازلاتها؟ وما هي اللغة الأنجع التي استخدموها وغيرت المعادلات جذريا؟ وما هي “كلمة السر” وراء مهاتفة نتنياهو؟

0
132

ادركت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ان ايران لن ترمش أولا، وانها جادة في تهديدها بالانسحاب كليا من الاتفاق النووي والتخلي عن جميع التزاماتها تجاهه، ولهذا اوحت لحلفائها الاوروبيين بالدعوة الى عقد اجتماع “غير رسمي” في بروكسل مع الجانب الإيراني، واعتبار هذا الاجتماع بمثابة السلم لإنزالها عن شجرة العقوبات، وانقاذ ماء وجهها.

انتوني بلينكن، وزير الخارجية الجديد، ابلغ الدول  الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق (بريطانيا فرنسا وألمانيا) بأن حكومته مستعدة للجلوس مع ايران “بشأن عودة التزام البلدين للاتفاق النووي”، وذهبت ادارته الى ما هو ابعد من ذلك عندما أبلغت مجلس الامن الدولي بأنها لن تعارض “عدم تمديد” المنظمة الدولية لعقوباتها على ايران، وخففت قيود السفر على الدبلوماسيين الإيرانيين.

يمكن القول، وباختصار شديد، ان الإدارة الامريكية الجديدة أعربت عن استعدادها للرضوخ الكامل للشروط الإيرانية بما في ذلك رفع العقوبات، لأنها توصلت الى قناعة راسخة بأن التلكؤ لا يعني تنفيذ ايران لتهديداتها برفع نسب تخصيب اليورانيوم والمضي قدما في سياستها النووية الجديدة، أي السير على نهج حكومة كوريا الشمالية وانتاج رؤوس نووية.

***

المعلومات المتوفرة لدينا تؤكد ان ايران كانت بصدد وقف التعامل بالكامل مع المفتشين الدوليين فور انتهاء “المهلة الإنذار” ليلة بعد غد الاحد، وفجر الاثنين، اذا لم توافق الولايات المتحدة على شروطها بوقف “ارهابها الاقتصادي”، أي العقوبات الاقتصادية فورا ودون أي مماطلة.

المكالمة الهاتفية التي اجراها الرئيس بايدن مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الاسرائيلي، وبعد شهر من توليه منصبه، ومهاتفة اكثر من 15 زعيما دوليا، لم تأت لإثبات علاقات الصداقة القوية بين البلدين، وانما لإبلاغ الأخير، أي نتنياهو، بالقرار الأمريكي بالعودة الى الاتفاق النووي، وتجديد التواصل مع الحكومة الإيرانية، وكل التصريحات التي صدرت عن نتنياهو، او مكتبه، ووصفت المكالمة التي استمرت ساعة، بأنها كانت “ودية” كذبة جديدة تضاف الى جبل هائل من أكاذيب نتنياهو.

واذا كان الإيرانيون، محافظين كانوا ام معتدلين، موحدين حول مسألة الرفع الفوري للعقوبات فان هناك انقسام في الإدارة الامريكية حول كيفية ادارة الازمة النووية هذه، فبينما يطالب الجناح الذي يقوده بلينكن وزير الخارجية بالعودة الى الاتفاق القديم بصورة او بأخرى، يرى الجناح الآخر المتشدد بضرورة التوصل الى اتفاق جديد موسع يشمل برامج ايران الصاروخية، وإعادة صياغة دورها الإقليمي، أي التخلي عن اذرعها العسكرية في لبنان والعراق واليمن وغزة.

ايران لن تقبل الا “برفع كامل” للعقوبات الامريكية مقابل وقف تخصيب اليورانيوم، والسماح للمفتشين الدوليين بمواصلة مهامهم، كما انها لن تتخلى عن برامجها الصاروخية المتطورة، وان كانت ربما مستعدة للتفاوض حول مدى هذه الصواريخ، أي عدم انتاج صواريخ عابرة للقارات يمكن ان تصل الى العمق الأمريكي على غرار صواريخ كوريا الشمالية (6000 كم).

أمريكا لا تفهم الا لغة القوة، ويبدو ان الجناح الإيراني “المحافظ” الذي يتزعمه المرشد الاعلى السيد علي خامنئي، طفح كيله، واتخذ قرارا حازما بالعودة الى النهج الإيراني الذي كان متبعا قبل توقيع الاتفاق عام 2015 الذي لا يثق بالوعود والاتفاقات الامريكية، ولهذا ازاح بالجناح المعتدل الى المقاعد الخليفة وجلس امام عجلة القيادة وبات صاحب القرار الأوحد في الملف النووي، ومعظم الملفات الأخرى.

ترامب قدم خدمة تاريخية لهذا الجناح المتشدد، عندما قدم له المكافأة الاضخم التي كان ينتظرها بإنسحابه من الاتفاق النووي، بضغط من نتنياهو وعبر “الولد” الطائش جاريد كوشنر، واضعف بالتالي الجناح الإيراني المعتدل الذي بذل جهودا ضخمة لإنجاز هذا الاتفاق، وبات من المرجح انه يخسر الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) المقبل لصالح مرشح محافظ بدعم من السيد خامنئي.

***

الإرهاب الاقتصادي الامريكي لإيران يلفظ أنفاسه الأخيرة، سواء عادت ايران للاتفاق النووي او لم تعد، لأنه فشل فشلا ذريعا في تركيعها، وتغيير النظام بالتالي، وجعلها تعتمد على نفسها، وتحقق الاكتفاء الذاتي في معظم المجالات، والصناعات العسكرية المتطورة خاصة، وتقليص اعتمادها على العوائد النفطية الى اقل من 20 بالمئة من انتاجها القومي.

ايران انتصرت بصمودها، اختلفنا معها او اتفقنا، لأنها اعتمدت على نفسها، وقواها الذاتية، ووجدت معظم شعبها يقف خلفها، ويقدم التضحيات، ولا عزاء لخصومها، والعرب منهم خاصة، الذين نقلوا بندقيتهم من الكتف الأمريكي الى الكتف الإسرائيلي، ووجدوا انفسهم عبيدا عراة مجردين من أي حماية، بعد ان بددوا سلاحهم المالي في الترف وتمويل حروب الدمار لدول عربية، وإنقاذ الاقتصاد الامريكي بشقيه العسكري والمدني، وباتوا يترحمون على “العروبة” ولكن بعد خراب مالطة.