عطوان : أربعة أسباب تمنع اردوغان من التراجع في ادلب.. ما هي؟ وكيف تغير سلم أولوياته؟ ولماذا يصر بوتين على رفض أي لقاء ثنائي او ثلاثي او رباعي معه

0
1248

مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس رجب طيب اردوغان للجيش العربي السوري للانسحاب من المدن والقرى التي سيطر عليها في ريف ادلب السبت، وتزايد اعداد القتلى في صفوف القوات التركية (20 جنديا في غضون أسبوعين)، وفشل الجولة الثالثة من المباحثات التركية الروسية في انقرة وتمديدها ليوم الجمعة، يمكن القول ان اليومين القادمين قد يكونان الأكثر حسما في “ازمة ادلب” سلما او حربا.

رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقد أي قمة ثنائية او ثلاثية (الى جانب ايران)، او رباعية (تضم المانيا وفرنسا وتركيا وروسيا)، حول هذه الازمة، تجاوبا مع طلبات الرئيس اردوغان الملحة، يكشف عن عدم اخذ هذه المهلة على محمل الجد، والاستعداد لمواجهة أي هجوم  تركي لاستعادة هذه المواقع من الجيش العربي السوري بالقوة.

وربما يتساءل كثيرون عن الأسباب التي تدفع الرئيس اردوغان الى اتخاذ هذه المواقف “النقامرة” المتصلبة الى درجة التضحية بتحالفه مع الروس، واغراق جيشه في حرب استنزاف دموية في العمق السوري ودون أي حلفاء بعد ان تخلى عنه الجميع تقريبا؟ عربا وامريكان واوروبيين.

***

هناك العديد من النقاط التي ربما توفر الإجابة عن هذا السؤال وكل الأسئلة الأخرى التي تتفرع عنه:

أولا: حالة “الانفة” و”العناد” التي تسيطر على الرئيس اردوغان، وتجعله يرفض الظهور بمظهر المهزوم، او القبول بالحلول الوسط، وتقديم التنازلات لخصومه الالداء، وخاصة الرئيس السوري بشار الأسد الذي فشل في الاطاحة به بعد تسع سنوات من الحرب.

ثانيا: الأولوية العظمى للرئيس اردوغان في الوقت الراهن ليس تغيير النظام في سورية، فهذا الهدف بات مستحيلا، وانما منع تدفق المزيد من اللاجئين الى تركيا، سواء بإقامة “امارة إسلامية” في ادلب تستوعب هؤلاء وجميع الجماعات المتشددة المصنفة إرهابيا والأخرى “المعتدلة”، او باستعادة جميع المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري في الأسابيع القليلة الماضية، وبما يؤدي الى إعادة مليون لاجئ “يتكومون” حاليا قرب الحدود التركية ونسبة كبيرة منهم من مدن وقرى ريف ادلب التي استعادها الجيش السوري.

ثالثا: يواجه الرئيس اردوغان معضلة كبيرة جدا في ادلب عنوانها الأبرز كيفية التعاطي مع منظمات وحركات إسلامية متشددة بادر الى تشكيلها من مقاتلين اتراك، او من أصول تركية، من منطلقات عرقية، مثل كتائب السلطان مراد، كتائب السلطان محمد الفاتح، لواء الشهيد زكي تركماني، لواء سمرقند، اجناد القوقاز، وبعض هذه الفصائل اندمج في هيئة تحرير الشام (النصرة)، او كتائب السلطان مراد، والمعضلة تكمن في انه لا يريد السماح لهؤلاء بدخول الأراضي التركية خوفا من ان ينقلبوا عليه لتخليه عن ادلب، وعدم السماح لهم بتحقيق طموحاتهم في الإطاحة بالرئيس الأسد وتغيير النظام في سورية، وإقامة دولة إسلامية في اطار الإمبراطورية العثمانية الجديدة، وفي الوقت نفسه لا يريد تصفيتهم على يد الجيش العربي السوري المدعوم روسيا، وفوق هذا وذاك، الحرج الكبير من الفصائل السورية التي دعمها ووعدها بإطاحة النظام السوري في بداية الازمة، وباتت هذه الفصائل توجه انتقادات عنيفة ضده.

رابعا: “تنمر” المعارضة التركية، وحدوث حالة من التذمر في اوساط الرأي العام التركي، وهناك من يقول بان حالة التذمر وصلت الى بعض قطاعات الجيش التركي، فهذه المعارضة تتحدث بصوت عال هذه الأيام عن خطورة الزج بالجيش التركي في سورية، وتزايد اعداد القتلى في صفوفه، وتطالب بالتسليم ببقاء الرئيس الأسد والاعتراف بحكومته، وإعادة العلاقات مع سورية.

***

لا نستطيع ان نتكهن بما يمكن ان يحدث في اليومين المقبلين، ولكن ما يمكن قوله ان اقدام الجيش التركي على حرب موسعة لتنفيذ تحذير الرئيس اردوغان بإخراج الجيش العربي السوري من المواقع التي سيطر عليها مؤخرا في ريف ادلب بالقوة، سيكون مكلفا وغالي الثمن، ومن دماء وارواح الجيش السوري ونحن نتحدث هنا عن الخسائر الكبيرة التي يمكن ان تقع في صفوفه، كذلك مراكز المراقبة التركية العسكرية (12 موقعا) المحاصرة من قبل الجيش العربي السوري في ريف ادلب وأقيمت بمقتضى اتفاق قمة سوتشي في أيلول عام 2018 والتي يمكن ان يدمر ومن فيها بالكامل.

الجيش الروسي ما زال يتحكم بالمجال الجوي السوري، وفوق ادلب خاصة، ورفض كل المطالب بالسماح للطائرات الحربية التركية باختراق هذه الاجواء في جميع جولات المفاوضات، الامر الذي يعني ان القوات التركية في حال هجومها على مواقع الجيش السوري لن تتمتع بأي غطاء جوي، وربما تكون هدفا لغارات جوية سورية وروسية، ناهيك عن الصواريخ والمدفعية الأرضية، وقد بدأت هذه الغارات فعلا في سراقب ومحيطها.

الرئيس اردوغان يقف حاليا في موقف صعب، وحرج للغاية، وقد يقدم على مغامرة “انتحارية” ويعلن حربا واسعة على سورية بخوضها وحده، بعد ان تخلى عنه جميع حلفائه بما في ذلك الامريكان، مثلما قال بمرارة للصحافيين الذين رافقوه على متن الطائرة عائدا من زيارته الرسمية لأذربيجان، فمن الواضح انه يرفض الاستسلام، والروس لا يريدون القاء طوق النجاة له، واذا شن هذا الهجوم فانه سيواجه دولة عظمى اسمها روسيا.

التنبؤات عديدة حول النهاية المحتملة او المتوقعة لازمة ادلب بعضها توقع بحل في اللحظة الأخيرة يبعد المواجهة العسكرية، والبعض الآخر يقول بهجوم تركي قد يتجاوز حدود ريف ادلب، ولكن أهمها في رأينا ما قاله احد الخبراء الغربيين المتابع للشأن السوري: الأسد سيخرج بالمزيد من الأراضي في نهاية المطاف، واردوغان بالمزيد من اللاجئين.. والله اعلم.